الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
النساء والروحانية

لمى الأخرس

الروحانية، وفقًا لإحدى الموسوعات، تعني "الاهتمام بأمور الروح". وهي قد تشتمل على الإيمان بقدرات فائقة للطبيعة، كما في الدين، لكن التشديد فيها هو على الخبرة. فما يشار إليه بصفته "دينًا" وما يشار إليه بصفته "روحانية" كثيرًا ما يتداخل أحدُهما في الآخر أو يتطابق معه.
أما في السنوات الأخيرة، فقد أصبح مصطلح "روحانية" كثيرًا ما يحتمل دلالاتٍ على إيمان أكثر شخصية، أقل عقائدية، أكثر انفتاحًا على الأفكار الجديدة وعلى الآلاف المؤلَّفة من المؤثرات، وأكثر تعددية من الإيمان التقليدي بالأديان الرسمية القائمة. فالآخذون في الكلام على "الروحانية" أكثر منهم على "الدين" باتوا أمْيَل إلى الاعتقاد بوجود العديد من "الدروب الروحية" وبأنه ليس ثمة حقيقة موضوعية حول أفضلية اتِّباع هذا الدرب أو ذاك. من ناحية أخرى، هنالك العديد من أتباع الأديان الصِّراطية يعتبرون الروحانية مظهرًا من مظاهر خبرتهم الدينية، وهم بذلك أشد نزوعًا إلى المقابلة بين الروحانية وبين "الدنيوية" العَلْمانية منهم إلى المقابلة بينها وبين  فيذهبون إلى أن الروحانية ليست الدين في حدِّ ذاته، بل الارتباط الفعال والحيوي بقوة أو قدرة أو إحساس بالذات العميقة.
وبحسب استبيان وُزِّعَ على عشرين امرأة من بلدان مختلفة، تتراوح أعمارهن بين الثلاثين والستين وينتمين إلى أديان مختلفة، كالإسلام والمسيحية والبوذية، بالإضافة إلى ملحدة، فإن التعريف بالروحانية هو:
كل فعل يسمو بالنفس، سواء كان دينيًّا، كالصلوات، أو خُلُقيًّا، كالمغفرة والمحبة، أو ذهنيًّا، كالتأمل. إنها عبارة عن الشعور بالارتباط و"الوحدة" مع الله، مع نفوسنا، مع الآخرين، ومع الأرض. قوامُها التناغمُ والسلام وفهمٌ لنفوسنا وللكون. إنها إحساس بالطيبة في الداخل، وبهويتنا – إحساس بهمسنا الباطني، بالمحبة بصفتها عنصرًا من عناصر الروح الإنسانية، وبما يتعدى كياننا الجسماني، يُعيننا على فهم كيفية توافقنا مع المخطط الكبير للكون.

لماذا تحظى الروحانية بأهمية في نظر النساء؟
في سريرة كلِّ امرأة تقبع امرأة مقدسة ذات قدرة كامنة هائلة على أهبة الظهور. وحين تكتشف النساء كيفية الغوص في أعماق كيانهن، فتُزِلْنَ كلَّ ما يعرقل التعبير الكامل عن ذاتهن، فإنهن يتواصلن مع جوهرهن الحقيقي أو قدرتهن الكامنة الخالصة. فحين تتم إزالة العقبات التي تحول دون انطلاق هذه القدرة، تتدفق هذه في غزارة وإبداع كالنهر الفياض.
وتذهب م. إروتوكريتو (2004) إلى أن النساء يتمتعن بـجهاز عصبي أرق من مثيله لدى الرجال وإلى أنهن، بالتالي، في حاجة إلى مزيد من الوقت للراحة والتأمل والتجدد. فالضغط والإرهاق هما ألد أعداء المرأة، إذا يسلبانها صحتها وطاقتها. غير أن النساء، باسترجاعهن حالة من السلام الداخلي والتناغم والتوازن، يستطعن أن يجدن منظورًا جديدًا ويستمتعن بالحياة أكثر. وحين ينصرفن إلى استكشاف أعمق، في بيئة داعمة وفي صحبة نساء أخريات لهن اهتمامات مشابهة، فإن هذا يساعدهن على النمو وعلى توسيع إحساسهن بالذات، مما يعزز صيرورة التحول فيهن. فعِبْر اللقاء بعضهن ببعض والإصغاء إلى منظورات مختلفة، يساعدهن هذا على تنمية إحساس أجلى بوجهتهن وبما ينبغي أن يتغير. إن اعتناق "درب المرأة المقدسة" يتيح لهن فرصًا لا تحصى للتوسع والتمكن وعيش حقيقتهن.
إن من شأن حضور "امرأة مبروكة" أن يَسِمَ بِسِمَة حكمتها وروحها ومحبتها أسرتَها وبيئتَها والمجتمعَ بعامة. من هذا المنظار، فالروحانية إنما هي استحضار القدسي في حياتك على نحو عمليٍّ يلائمك. والمحبة والطهارة والوعي على غاية من الأهمية في هذا الصدد.
بحسب الاستبيان السالف ذكره، تجد هذه النسوة الروحانيةَ هامةً لأنها تهبهن وضوح الرؤية والقصد، وصفاء الذهن، والدافع، والتوازن، والطاقة، وسببًا للاستمرار، وفرحًا وإلهامًا أعمق. إنها تجعلهن يشعرن بهدوء أكبر، بأنهن لسن وحدهن، بأنهن آمنات في حضرته، عالمات أنهن في رعاية إله مُحِبٍّ حكيم. وقد قالت العديد منهن أن هذا يمنحهن وعيًا أشد بأنفسهن وبما يحيط بهن، ولاسيما الأسرة. وهذا يساعدهن على رؤية أشمل للأمور وعلى الاستجابة للتحديات القاسية، ويقوِّي روابطهن بأسرهن ويساعدهن على تنشئة أطفالهن تنشئة أفضل.
لقد ساعدهن التروحُن على مسامحة أنفسهن والآخرين، على التواصل مع أعمق أفكارهن ومع كيانهن الباطن، على التغلب على الخوف من الموت، وعلى إجلال جميع الأديان واحترامها.

ماذا يحول دون النساء وفهم روحانيتهن؟ وكيف يمكن لهن التغلب على هذه العقبات؟
يؤكد العديد من المعتقدات الروحية بأننا نولد أنقياء. فحتى إذا كنا نحمل شيئًا خاطئًا في مورثاتنا أو تجاربنا الماضية، فإن ذاتنا الحقيقية تبقى موجودة دائمًا وتظل "نقية" أبدًا.
إن الحياة والثقافة والأسرة والمدرسة والأصدقاء وكلَّ شيء من حولنا عمومًا قد يرسِّب على ذواتنا الباطنة النقية طبقاتٍ كثيفةً عديدة. غير أننا، إذا نقبنا عميقًا، وانتبهنا، وسعينا في طلب النقاء، فلا بدَّ أن نبلغ ذاتنا الحقيقية: روحنا ذات النور الأبيض الخالص، مركزنا الصوفي الباطن، حيث لا أخطاء، ولا شكوك، ولا حاجة إلى الإرشاد.
لدى الإناث، من حيث كونهن نساء، الكثير من شعائر العبور المقدسة من مرحلة من مراحل حياتهن إلى أخرى: البلوغ، الزواج، الولادة، سن اليأس. ومطلوب من النساء أن يدركن هذه "المفاتيح" ويُحِطْنَ وعيًا بها وبالتغيرات الجسمية والروحية الهامة التي تحرِّضها فيهن. ومن شأن هذه "المعابر" أن تكشف عن النضج والحب والتمكين في الباطن.
فمع تغير الجسم عِبْر جميع هذه الأشواط، مع تقلبات الحياة، ومع تعرضهن للضغط والانهماك، بحيث يطغى عليهن ما يجري في الداخل والخارج، قد يؤول الأمرُ بالنساء إلى مرحلة يسعين فيها في البحث عن ملاذ أو حَرَم. والمكان الأساس، جسمانيًّا وعاطفيًّا، موجود في أجسامنا نفسها. وهل ثمة طريقة أفضل للعثور على حَرَم من أن نصبح هذا الحَرَم؟ – على أن ننقب عميقًا في القلب والذهن ونكون "واعيات". فكما كتب أحد الأصدقاء (2003): إذا كان ثمة، في الأساس، في العمق، شعورٌ بالوحدة مع الموجودات كلِّها، مع الوجود بأسره والخليقة برمتها، إذا كان ثمة سكون وبساطة وعفوية حقيقية، إذا كان ذهن المرء طليقًا تمامًا من النزاع الذي تختلقه الأفكارُ والمفاهيم والنفاق الناجم عن المُثُل والبلبلة الناتجة عن الطموح والطمع – في تلك الحال الهادئة، يسود الوعي. في ذهن مفرغ تمامًا من الأنانية والكبرياء والهوى والخوف والكراهية، في ذهن مستغرق الانتباه في اللحظة الحاضرة، في ذهن طليق تمامًا من الحاجة إلى تكديس المعلومات والتفسير، يسود صمتٌ وإدراك كاملين. في هذا الصمت وهذا الإدراك يكمن كنز اكتشاف الذات الذي لا ينضب ووَجْد الواحدية الذي لا يوصف. وهذا ليس مثالاً يُطلَب، بل هو البهاء الخفي المبطون في قلوبنا وهو، من كلٍّ منا، كيانُه الحق وذاتُه الأعمق. وبالتنقيب في الباطن لبلوغ نواة كياننا هذه، نبسط يدنا نحو الآخر في الآن نفسه – إذ إن بساطة هذه النواة، محبتها، ضحكتها، سلامها، وفرحها، هي أصل الوجود نفسه الذي يوحدِّنا جميعًا.
إحدى الاستراتيجيات المقترَحة لمساعدة النساء على الانخراط في روحانيتهن هي أن يسألن أنفسهن بعض الأسئلة العميقة، من نحو: من أنا؟ لماذا أنا هنا؟ من أنتِ؟ لماذا قيِّض لنا أن نلتقي في هذه الحياة، في هذا الزمان العصيب القاسي، لكنْ الجميل، بعينه؟ ما نحن؟ ما كل شيء؟ لماذا تجري هذه العبارات بين قلوبنا وأذهاننا؟ لماذا اتفق لنا أن نقرأها في هذه الدقيقة بعينها؟
يشي جوهرُ مختلف المعتقدات بأن الطريق إلى الروحانية لا يقل أهمية عن الوصول. والنور سوف يتجلَّى رويدًا رويدًا، فيما النساء يسرن على الدرب/الدروب، متجردات، منقبات، مراقبات، متعلمات، ومُحِبات. وهن مخيرات بين أن يتعلمن الآن أن الدرب هو غايته – الأمر الذي سيكون عظيم الإغناء – وبين أن يَخْبَرن الأمر، ربما، وهن يلفظن النفس الأخير من أنفاس هذه الرحلة. وسواء اخترن ذاك الطريق أو هذا، سيصير وعي النساء، إبان رحلتهن، أكثر فأكثر تيقظًا، وكذلك سلوكهن الأخلاقي؛ وهاهنا لا مناص لهن من الإخلاص للـ"صوت الداخلي".
كيف يمكن لأذهاننا أن تتقبل حقًّا وتستوعب هذه المعجزات التي لا تصدَّق كلَّها؟ لا أظن أن الذهن يستطيع أن يتقبل هذه المعجزات؛ لكن القلب في الغالب يستطيع. وحده القلب في وسعه أن يتسع ويتسع، حتى يصير الكون. والأمر يحصل عندئذٍ، في لحظة مباغتة، حيث لا يوجد غير الصمت والنجوم، وربما نسمة لطيفة تنعش نفوسنا الهادئة الساكنة!

روحانية النساء والحركة النَّسَوية
بما أن المذهب النَّسَوي ييسِّر لمزيد من النساء أن يتبوأن مواقع القرار في ثقافات مختلفة، فإن أعدادًا متزايدة منهن اكتشفن أن النجاح المادي لا يُشبِع جوعَهن إلى المعنى والارتباط. لقد باتت النساء أكثر صراحة وجهرًا بحاجتهن إلى دمج جملة صاعدة من القيم المؤنثةِ الأساسِ في الثقافة. وهذا، بدوره، يساعد موجةَ روحانية النساء على الصعود.
لقد وحَّد المناخُ السياسي المحافظ الحالي النساءَ عِبْر أطياف النَّسَوية قاطبة أكثر من أيِّ وقت مضى. والنتيجة تختلف عنها في الأشكال القديمة من النَّسَوية من وجوه عديدة – منها أن الأشكال الجديدة من المذهب النَّسَوي باتت تعتنق فعاليات لم تعد قائمة على الغضب، بل على الفرح. وهي كذلك تميل إلى التركيز على الخارج، فيما يتعدى الفرد، لتشمل قضايا أوسع، قضايا عالمية في مداها في كثير من الأحيان. فكما كتبت كارول لي فلندرز:
حين تجتمع نساء يهوديات وكاثوليكيات وبوذيات وصوفيات، جميعهن يمارسن مناسكهن، في غرفة واحدة، فإن دينًا جديدًا ينشأ: "الروحانية المؤنثة".
في أيامنا هذه، فيما تتصاعد موجات التحامُل والعنصرية، ناشرةً الحروب في العالم قاطبة، تزدهر موجةٌ لطيفة من اليقظة الروحية. والعديد من التنظيمات الروحية يتأسَّس في العالم أجمع، حيث اعتناق أديان مختلفة لا يؤبَه له. الأيدي تتماسك والقلوب تطلب المحبة والسلام.
حين سئلت الحكيمة الإلهية الهندية أننداماي ما ("الأم الممتلئة غبطة"): "لماذا يوجد هذا العدد الكبير من الأديان المختلفة في هذا العالم؟ – مع أنه لا يوجد إلا الواحد الأحد!"، أجابت:
لأنه لانهائي، هناك تنوع لانهائي من التصورات عنه ومن الدروب الموصِلة إليه. لذا فإن الإيمان به على صورة محددة بعينها لا يكفي. اقبلْه في صوره وهيئاته وكيفيات وجوده التي لا عدَّ لها، في الموجودات كلِّها. سدِّدْ [بصيرتك] على الكامل، فتكون أعمالك كلها كاملة.

أناننداماي ما (1896-1981)
جميع الناس المستنيرين والكونيين الحقيقيين، بصرف النظر عن أديانهم أو معتقداتهم، يتوصلون إلى النتائج عينها. الله، God، Dieu، برهمن، السر، أو تلك الواحدية، لن يخذل نفسًا وذهنًا وقلبًا نقيًّا مخلصًا. إنهم يختبرون ما هو في الصميم من تنوع الأسماء والملل والألوان والهيئات واللغات والخلائق والمجرات – كل شيء – وما يتعالى عنها جميعًا. إنهم يشعرون بوجود "السر" أو يحظون بلمحة منه. إنهم يشعرون بالوحدة في كلِّ شيء ومع كلِّ شيء. إنهم يحترقون بنار المحبة الإلهية.

قالت الأم تيريزا:
أرى الله في كلِّ إنسان. حين أغسل جراح المجذوم، أشعر أني أعتني بالرب نفسه. أليست هذه خبرة جميلة؟ هَبْ لله نفسَك كلَّها، ولسوف يستعملك لإنجاز أمور عظيمة – شريطة أن تؤمن بمحبته أكثر بكثير من إيمانك بضعفك.
الأم تيريزا من كلكوتا (1910-1997)لقد كانت هذه المرأة العظيمة تعتني بجميع الناس، أيًّا كان دينُهم.

خلاصة

يقول الصوفية: هناك ثلاث طُرُق لمعرفة الشيء. خذْ، على سبيل المثال، لهبًا. يمكن للمرء أن يسمع باللهب، ويمكن له أن يرى اللهب بأمِّ عينه، وأخيرًا يمكن له أن يمدَّ يده ويحترق به.


المصدر: موقع معابر .
://maaber.50megs.com/issue_october05/spiritual_traditions1a.htm
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: صلاح فرج الله على      البلد: مصر       التاريخ: 17-06-2007
بسم الله الرحمن الرحيم
( وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)------ صدق الله العظيم
اذا حزت الفخار فلا تبال
بنقص فى الجبل أو كمال
فما التأنيث فى اسم الشمس نقص
ولا التذكير فخر للهلال


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة