الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
بين العلم والروحانيات

خليل شمشام

خليل شمشام الباحث في أصول الدين و أستاذ فيزياء الفلك بجامعة أكسفورد، يشكل واحدا من أهم رموز التيار الفكري العلمي الذي ينادي بالأخذ بالاعتبار بالبعد الروحاني بالقياس إلى إي محاولة علمية للبحث حول الوجود. حول علاقة العلم بالإيمان وتقاطع المنهجية العلمية بالروحانية كان لنا معه هذا الحوار.

س - لعل أكثر الانتقادات الكلاسيكية التي نسمعها حول علاقة العلم بالدين، بأنه يصعب التوفيق بين المنهج العلمي الصارم الذي ينصب على الوجود المادي وبين المنهج الديني الروحاني، وبالتالي التشكك في إمكانية التوفيق بين ما يتصورونه ضدين، هل هناك بالفعل في رأيك مثل هذه القطيعة التي تفصل بين هذين بين العلمين؟؟
خليل شمشام:
الحديث عن الفصل بين العلم والروحانيات يستند بالدرجة الأولى إلى نظرة مغلوطة للعلاقة بين الروح والعقل، حيث لا مجال بالنسبة لي للفصل بين بعدين يكمل كل منهما الآخر. وباستثناء الاختلاف في المنهج، وفق تميز منهج البحث العلمي عن منهج البحث الصوفي أو العرفاني، هنا يكون العلم مختلفا في المنهج عن الروحانيات، كما هو مختلف عن الفنون التشكيلية أو الموسيقى. حيث يتمتع كل ميدان فكري بآلياته الخاصة، وصيرورته الخاصة به، التي يبلور عبرها تقنياته وتطوراته المتعلقة به بذاته، بحيث يكون الفصل بين الجانب الروحاني في المعرفة عن الجانب العلمي فصلا تعسفيا بل هو وخيم النتائج.
على أن الفصل أو التفريق بين المناهج ، لا يعني على الإطلاق فصل أو التفريق بين العلوم في حد ذاتها، ، وخاصة بين العلم والروحانيات، حيث يتدخل هذا البعد الأخير بشكل أساسي في حركية العلم نفسه وتطوره، أقصد بالقياس إلى استناد التفكير العلمي إلى منطلق مبدئي أساسي وهو "التأمل"، والذي لا يمكن تعريفه إلا باعتباره "حالة روحانية" بإطلاق.
فلا يمكن أن يتطور إي فكر في ميدان العلوم التجريبية أو البحثة، بدون أن يسبقها فترة ضرورية من التأمل، والتي تمثل بالدرجة الأولى تجربة روحانية عميقة، أكثر منها تجربة مادية . والقول بالفصل بين هذين البعدين، كمن يجرؤ بالقول في سياق البحث عن تطور الحياة البشرية، بان مرحلة الطفولة غير مهمة في حياة الإنسان، أو أنها لا علاقة لها بفترة الرشد أو البلوغ!!! على أن هذا التفكير الثنائي، أو هذا الفصل التعسفي بين الروحانيات والعلم وفق هذه النظرة الثنائية الصارمة، إنما تولد عن الفكر "البوزيتفي" أو الإيجابي،المستند إلى الفلسفة الإيجابية لأوغست كونت، والتي دعا فيها العقل الإنساني للاعتماد كليا على اليقينات المستخلصة من الملاحظة والتجربة والاختبار الذي ساد أوربا منذ القرن السادس عشر والذي بدأ التشكيك فيه مع النهضة العلمية التي صاحبت نشوء ميكانيك الكم . إن ما كرس الفكر الثنائي المادوي هو الديكارتي المبني على التجزئة والتقليص عوض التوحيد والإحاطة بكل جوانب موضوع البحث..
ورغم كل الإيجابيات التي ترتبت عن هذا الفكر، وفق حيوية المناخ الخلاق الذي مهد له ونتج عنه، والذي ساهم في تطوير العديد من النظريات والأفكار، خاصة بالقياس إلى تعميق فهمنا للمادة والقوانين الطبيعية التي تحكم الكون إلا أنه كان قد أنتج في نفس الوقت الكثير من السلبيات ، التي سببت في أزمة الإنسانية التي أخذنا ندفع ثمنها اليوم.من ذلك مشاكل الحروب، والقنبلة النووية، والنفايات وتدمير البيئة والأرض والإنسان..
فقد بدأ واضحا اليوم ، أن جملة الإشكاليات التي تعصف بالواقع الإنساني في الوقت الراهن، منها تلوث البيئة واللامبالاة بمصير الغير على سبيل المثال، إنما هي وليدة لهذا الفكر، لأن العلماء الثنائيين، أو هؤلاء الذين يفصلون العلم كليا عن الروحانيات ، قصروا نظرهم، عندما كانوا يقومون بإجراء التجارب، ويسعون لتطوير نظرياتهم العلمية ، على المادة فحسب ، وليس للمادة بالنسبة لهم إي علاقة بعالم الروح، أو بالحياة الإنسانية.
مع ذلك، وفيما يفترض، أن إي جهد عقلي وعلمي باتجاه فهم أو تطويع المادة إنما هو ، وبالدرجة الأولى لصالح الإنسان وبهدف تحسين حياته اليومية، وليس تخريبها. و أن تحسين "المعاش" الإنساني هو بحد ذاته تحسين الحياة الروحية.
لكن الذي حدث، أن علماء "الفكر الإيجابي" وفق هذه الثنائية الصارمة، واللامبالية كانوا قد أنتجوا فكرا وجد نفسه يجدف ضد " الهدف " الأول الذي نهض من أجله: إي تحسين الأوضاع الحياتية للإنسان، وتحول بمساره ضد مشروعه الأساسي، وفق كل الأزمات التي تعصف بالإنسانية اليوم والتي سيكون من الصعب وجود حلول ممكنة لها. ففي الوقت الذي حققت البشرية عبر هذا الفكر ذاته خطوات عملاقة في المعرفة العلمية في كل المجالات، إلا إن خلو هذه الطفرة العلمية من البعد الروحاني قد جعلها تسقط في مأزق الأزمة الأخلاقية التي تجابه الإنسانية اليوم. حيث لم يخلو حتى علم الطب، والذي لا ينكر المرء أن ما حققه من انتصارات علمية في ضوء هذه النظرة الثنائية قد كان ربحا كبيرا للبشرية، نجده ينزلق بدوره في متاهات سوق الربح والخسارة، وتلتصق بسمعته "خديعة" خضوع مصانع الأدوية أو المضادات الحيوية والتطعيمات الضرورية لمواجهة الأمراض الفاتكة، لسوق الطلب والعرض ولمن يدفع أكثر.
من هذا الباب يمكن أن نتأكد أن الفصل بين العلم والدين، أو العلم والروحانيات، لا يمكن أن ينتج إلا الأزمات والسلبيات على المستوى الاجتماعي / الإنساني وعلى المستوى الأخلاقي بصورة أخص.

س- مقابل هذا الفصل التعسفي في الفكر الإيجابي بين العلم والدين، نجد تيارات إسلامية تبالغ في الربط بين الفضائين، وتوحد بينهما، بحيث ترى في كتاب الله على سبيل المثال إجابة لكافة القضايا العلمية. ما رأيك في هذا التصور؟
خليل شمشام:
يجب أن أؤكد مبدئيا أن "كلام الله" لا يحتاج لأعجاز، وأن القرآن لم يبحث على الإطلاق عن أعجاز إي فكر أو عقل أو بشر. وهذه المحاولة بالذات ارتكزت إلى خلط خطير في المقاصد والمفاهيم والمناهج، و أنتجت أزمة فكرية عويصة في العالم الإسلامي التي نتج عنها انحلال المجتمع الإسلامي وفقدان "المناعة" الفكرية" للمسلم والمسلمة. ونرى الآن للأسف أن حركات مسيحية متطرفة تستغل هذه الأزمة الداخلية للمجتمعات الإسلامية لتشكيك المسلمين في دينهم وحضارتهم واستدراجهم نحو المسيحية.
المؤسف أن العلم الذي نمارسه حاليا ليس غريبا على الإسلام، لقد كان المسلمون هم السابقون في التأسيس لمبادئ هذه العلوم التي تنهض عليها الحضارية الإنسانية اليوم.
المشكل أن المجتمعات الإسلامية قد سقطت في غفوة عميقة ،و التي تعود في واقع الأمر لأسباب داخلية وخارجية مختلفة، يصعب شرحها بعجالة هنا، وعلى رأسها الحروب الصليبية ، والحروب الطائفية، وغلق باب الاجتهاد أمام المفكرين المسلمين. الأمر الذي أدى إلى تفاقم الهوة والمسافة بين الحال الذي تقلصت إليه المجتمعات الإسلامية، وبين صيرورة هذه العلوم في بلدان الغرب، على النحو أسس لمشاعر معقدة من التخلف والدونية عند الأجيال العربية والإسلامية بالمقارنة بما وصلت إليه المجتمعات المتطورة في الغرب. هذا بغض النظر عن الحديث عن السياسات التعليمية العقيمة المبرمجة داخل المجتمعات الإسلامية والاستفزازات والمضايقات التي يتعرض لها الباحث المسلم داخل أرض وطنه.
لكن الأدهى في الأمر أن المتعلمين المسلمين أنفسهم والذين في أغلب يكونون قد استقوا معارفهم في مؤسسات تعليمية غربية، والذين يستندون في تفكيرهم إلى نفس أسس الفكر العلمي الذي تطور في الغرب، قد أدخلوا في رأسهم في نفس الوقت، بالقياس إلى حالة قصوى من الإحباط والانكسار، أن النظريات العلمية هي أمور معقدة، وليس لديهم الإمكانية لإدراكها، وتصورها بعيدة عن واقعنا.
هذا الإحباط خلق نوعا من التقوقع على النفس ، والانغلاق الفكري،عوض الغوص في العمل والمساهمة في تطوير هذه النظريات. إي أن الإحساس بالعجز عن المساهمة في حركية العلم المعاصر المتسارعة، هو ما دفع هؤلاء للتقوقع والتقاعس عن مواكبة صيرورة التطور العلمي الإنساني، والبديل له كان الالتجاء إلى نظرية الإعجاز العلمي في القرآن، التي أخذت تنتشر داخل الفكر الإسلامي.
حيث أنهم تصورا إن العلم كله أصله في القرآن، وأن كل ما أتت به العلوم قد سبق وأن شرحها القران، وليس للمسلمين من حاجة للغوص في المباحث العلمية ، لأن القرآن قد سطر كل النظريات.رغم أن القرآن الكريم هو كتاب روحاني صرف لم يرد به تعالى أن يؤسس لنظرية علمية أو منهجية وإلا فأن مداد البحر لما كفى لتسطير كلماته.
أي أن ثمة عكس واضح لمنطق الأشياء، ولسياق الجدل: عجزنا عن التفكير، فخلقنا الإعجاز العلمي في القرآن.إي أن التأسيس لدعاوي هذا الإعجاز العلمي إنما كان القشة التي أستند إليها علماء المسلمين للبحث عن مخرج لحالة العجز التي صارت تعصف بهم.
هذا المذهب الذي شاع في كل أصقاع البلاد العربية والإسلامية اليوم، أقل ما يمكن أن نقول عنه أنه مذهب تدميري، ومؤسف ومتخلف. وهذا ما يمكن أن أقوله بشأنه كمسلم وكعالم غيور على أمته وعلى أصوله الحضارية والثقافية.
فهذه التيارات المستندة على الأعجاز العلميفي القرآن، قد قامت في واقع الأمر بتعجيز الإسلام والقرآن نفسه، حيث أنها ساقت أجيالا من المسلمين إلى طريق التكاسل والاكتفاء بحب النفس عوض المساهمة في تفجير الطاقات الإبداعية وبناء ركائز تكنولوجية واقتصادية ضرورية للمجتمع الإسلامي.

س- أي أن المطلوب هو طرح بارديجم جديد؟
خليل شمشام:
ونحث مفاهيم جديدة للخروج من الأزمة التي ترتبت عن الشروحات القديمة المبنية على المناهج القديمة.
وهذا البارديجم لا يعني الرمي بالمفاهيم القديمة، ولكن السعي لتجاوز القديم، للقفز على الأزمة التي تسببت فيها هذه المفاهيم ذاتها،وبهذا تصبح المفاهيم القديمة عبارة عن فقرة – أو حالة خاصة – داخل النظريات الجديدة. فالفصقال أو البارديجم، يفترض طمأنينة نفسية وفكرية كبيرة حيث أنه لا يحدث إلا إذا كان هناك اعتراف بعجز الماضي على شرح الحاضر وبالخصوص إلا إذا قامت حركة فكرية وأنتجت مفاهيم جديدة بديلة للماضي وذات نتائج واضحة في تجاوز الأزمة الفكرية القائمة والتقدم بكل أسس المجتمع. السؤال إذا هو : هل المجتمع الإسلامي قادر على إنتاج فصقال معين والسماح بترجمته الفكرية والميدانية؟
وهذا هو المطروح علينا كمفكرين و كمسلمين، وكبشر.
ففي الوقت الحالي لا يمكن أن نرى الأشياء من زاوية المفكر الإسلامي أو العربي، بل كمفكر شمولي منتمي إلى الفكر البشري بأسره.وهذه تزكية لروح المذهب المحمدي. إي أن المطروح علينا أن نساهم كمسلمين وكعرب في سياق الفكر الحضاري الإنساني العام، مع الانتباه إلى عدم الوقوع في خطأ التصور بأننا سنفعل ذلك في عزلة فكرية، نتصور من خلالها أننا نقوم ببناء فكر إسلامي أو فكر قائم على الإسلام لا غير، حيث أن ذلك سيكون خطأ فادحا وكبيرا، نتيجته ستكون تهميش أسس الإسلام وتعريضه بدون سلاح للحرب الباردة التي تخوضها بعض الدوائر المسيحية ضده.
فالبشرية قد حققت تراكما معرفيا كبيرا في الميدان العلمي، وعلينا أن نركب هذا القطار الذي ما فتئ يتقدم، وأن نساهم في العملية كمسلمين، ولكن لا يعني هذا خلق فكر إسلامي جديد قائم بذاته خارج إطار الفكر الإنساني الذي وحدته اليوم انتصارات العلوم ذاتها.

س - ولكن كيف تفسر القلق الذي يسكن المجتمعات الإسلامية من الخوض في غمار العلم، وتفسير ذلك بأن بعض العلوم قد تقود للشرك؟
خليل شمشام:
أظن أن هذا القلق موجود بالفعل، لكنه ليس في عقول الناس ولكن في عقل السلطات. لأن ما يحتاجه الفكر العلمي هو الحرية حرية التفكير بالذات، وهذه الحرية بالذات مقلقة لهؤلاء، كما أن التصوف هو مقلق لهذه السلطات لأنه يرتكز إلى هذه الحرية التي يبحر من خلالها الصوفي نحو الخالق وليس نحو الحكام.والتاريخ يعطي لنا أمثلة لا تحصى تكشف وجه هذا القلق الذي يعيشه الحكام من عنفوان الصوفية، فعندما أشتد عود التيار الصوفي في العالم الإسلامي نهضت له السلطات بالقمع والتصفية أو التهميش، وعاش زعماء الصوفية مختلف أشكال التنكيل والإرهاب....والتصفية،أو التهميش على أحسن الظروف. وظل الفكر الصوفي " المقلق" مهمشا حتى اليوم في الدوائر التي ترصدها السلطات، بما في ذلك فكر إبن عربي الذي هو أشهر من نار على علم في كل أنحاء الأرض إلا في الفضاءات الإسلامية. وما يقلق ليس هو الموضوع بل الجو الذي يتطلبه الموضوع، فهذه الحرية التي يحتاجها البحث العلمي هي التي تقلق الساسة والسياسة. إلا أنه لا يمكن أن يتم أو يزدهر البحث العلمي بدون حرية التفكير، وهذه معادلة لا يمكن أن يتنازل عنها إي مفكر أو باحث علمي .
والسؤال الذي يطرح نفسه أمام المسلمين الآن : " هل المجتمع الإسلامي مستعد للخوض في عملية البحث العلمي ، و في الحرية الفكرية؟؟" لأننا عندما نتكلم عن الديمقراطية لا يجب أن تكون بكلمات جوفاء، بل يجب أن تستند إلى ممارسة فعلية، وأسس حقيقية، وإلى مبدأ أساسي الذي هو حرية التفكير وحرية البحث والخيار داخل ركائز الإسلام. بدون هذه الأسس لا يمكن الحديث عن أي ديمقراطية أو تطور علمي أو أي مشروع نهضوي من أي نوع.وأعيد التأكيد هنا بأن محو الصراع الفكري والاجتهاد داخل العالم الإسلامي ، تسبب في فقدان المناعة الفكرية لهذا المجتمع وجعله عرضة للتيارات المسيحية التي يهدف برنامجها على المدى البعيد إلى محو الإسلام وجعل كل مسلم ومسلمة نصرا للمسيحية. 

س- كعالم فيزياء، وفيزياء الفلك، وروحاني مؤمن مسلم في نفس الوقت، إي الأدوات في رأيك تأخذنا لأقرب طريق لفهم الكون، العلم أم الروحانيات؟؟
خليل شمشام:
كما أخبرتكم أن التجربة الروحية التأملية هي مرحلة ضرورية وأساسية للتفكير العلمي، غير أن فهم نظريات الكون بذاتها وتفسيرها في سياق علمي صحيح لن تتأكد إلا من خلال المعرفة العلمية بالدرجة الأولى.
خاصة وأن الفكر العلمي الإنساني قد خطأ خطوات جبارة في شرح الكون ، ومراكمة منتوج هائل من الاختراعات العلمية التي طورت القدرات الإنسانية تجاه البحث والمعرفة، سواء في الفيزياء وفيزياء الفضاء أو في مختلف العلوم الطبية والطيران والمعلوماتية...... وهذه الوضعية تتدخل لطي المسافة أمام الفكر العلمي، وباتجاه معارف أكبر واشمل.
والوسيلة الوحيدة بالنسبة لي هي العمل والاجتهاد وقل أعملوا فسيرى الله عملكم والمؤمنون، والاجتهاد باستمرار، ومتابعة ومسايرة ما ينتج حاليا من النظريات التي ما فتئت تتفاعل وتظهر للوجود.
ويجب أن تكون مساهمة المسلم و المؤمن في فهم الكون وآياته، ليس بالسفسطة والخطابات الفارغة، ولكن عن طريق المساهمة في تطوير النظريات العلمية، وإيجاد الحلول للإشكاليات القائمة، وعن طريق تطوير البرامج النظرية،الرياضية، واختراع وتطوير الحاسوبات التي تؤسس لمعرفة أدق بالأرقام وشرحها....وتوظيف كل ذلك لشرح وفهم الوجود والقوانين الطبيعية التي تحكم الكون.
وفي اعتقادي إن الخوض في هذه المهمة هو " إيمان" بذاته، ولا يمكن للإنسان أن يخوض في غمار هذه المهمة بدون وعي روحاني عميق، لأنه عمل متعب وشاق ومرهق وشحيح المردود المالي إي أنه بدون الإيمان والقناعة، لا يمكن للمرء أن يثابر في هذا العمل.؟
غير أن هذا العمل ذاته ، يكفي لإشباع الحاجة الروحانية الواسعة والخلاقة، على النحو الذي تؤسس معه هذه الطمأنينة الروحية المترتبة على هذا الانخراط " المرهق" في البحث عن أسرار الوجود لسعادة وراحة لا مثيل لها.
وهذا يعني أن الاستعداد الروحاني ركيزة أساسية لإمكانية المثابرة في "المهمة" العلمية، إلا أنه من ناحية أخرى، أقول ، كمسلم، إن الإسلام هو دين العلم والمعرفة، وهذا جاء في أحاديث النبي المختلفة أكثر من مرة، حيث حرص صلى الله عليه وسلم، على التأكيد بأن الإسلام ليس دين صلاة وعبادة فقط، أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة،وهو حديث نبوي سباق في هذا المجال.
فأن الإسلام هو دين علم ومعرفة، وكانت أول كلمة نزلت على نبينا الكريم هي " إقرأ"، وتوالت آيات القران تحث على العلم والمعرفة وتأمر بالتأمل في الكون ومعرفة أسراره وهذا هو المقصود في كلمة "آية".
ولكن لقد جاء الإسلام غريبا، وعاد غريبا، لأنه فقد اليوم ذلك الوسط الطبيعي له، أقصد أن يكون محاطا بالعلماء الذين يزدهر بهم الفكر العلمي والمعرفة الخلاقة، بما يؤسس لمناخ طبيعي للإسلام.
والإسلام سيبقى غريبا وسط جمع لا يؤمن بالتطور والمعرفة العلمية،وبضرورة النهوض الثقافي ومسح غبار التخلف عن ظهر مجتمعاتنا الساكنة في أزمنة قد خلت.وبدون السعي لتفجير الطاقات الفكرية لكل فرد في المجتمع وتعزيز كرامته، فالمجتمع الإسلامي لن يدوم أو يقوم إلا على العلم والمعرفة.
والأزمة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية اليوم إنما تعود إلى تراكم رواسب الجهل ، الذي نتج عن تهميش المسلمين أنفسهم للركائز المعرفية للإسلام، ولخصوصيته الحضارية ذاتها، أقصد من خلال التمسك بالعلم والإعلاء من شأنه.
ألم يقل تعالى: [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ؟ ]إي أن آيات الله تفتح أسرارها إلى أهل العلم والمعرفة حسب تفسيري، وليس عالمي الغيب والشهادة كما ينحو البعض، إي أن ما يؤكد عليه الإسلام هو إن آيات الله إنما هي موجهة لمن " يعلم "، وليس لمن لا يعلم. لذلك فأن الإسلام سيظل غريبا مادام العلم أستمر مغربا وممتهنا وغريبا في مجتمعاتنا الإسلامية.

المصدر : موقع العلم والدين في الاسلام .
http://www.science-islam.net/article.php3?id_article=525&lang=ar
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة