الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
 التصوف وفلسفة الحياة

بقلم: أ0د أحمد محمود إسماعيل الجزار .
أستاذ الفلسفة الإسلامية وعميد كلية الآداب ـ جامعة المنيا 

قد لا يكون فى القول مبالغة حين نقرر أن الصوف يمثل أعلى درجات الارتقاء الروحي الذي يبلغ بصاحبه أعلى درجات الاتصال بالله، ومن ثم معرفته بضرب من البصيرة أو الإشراق الذي يغمر الروح ، حينئذ يشعر الإنسان باسمي لحظات النشوة والغبطة الروحية ، ولربما لهذا السبب بتحدث أصحابه أحيانا بلسان الحال أو الجذبة فيعبرون عن أحوالهم الباطنية ومواجيدهم العرفانية الفائقة فى الحال الفناء أو الاتحاد بعبارات يصعب فهمها على من يكن منهم .
وقد لا يكون غريباً منا أيضاً فى هذا السياق أن نؤكد على إن مثل هذا الارتقاء الروحي لا يختص به دين سماوي دون غيره، بل أن بعض الديانات غير السماوية يتحدث أتباعها عن مثل هذا الاتصال بمعبودهم رغد بعد الشقة بطبيعة الحال بين ما هو سماوي وبين ما هو غير سماوي.
بيد أن هذا الارتقاء الروحي يمثل خصوصية للبعض دون الكل في كل دين من الأديان ، مع انه فى الوقت ذاته حق متاح لكل أتباع هذا الدين ولا يعنى هذا مفارقة في المعني بل يعنى وقبل كل شيء حقيقة مهمة مؤداها أن التصرف يمثل تجربة خاصة وليست شيئاً مشتركاً بين كل الناس جميعاً وأن لكل صوفي طريقة معينة في التعبير عن حالاته لأنه يمثل خبرته الذاتية أو الباطنية0
إن الذاتية التي نصف بها التصوف بوصفه تجربة هى التي تعطي وصفاً دقيقاً وفريداً لهذا الارتقاء الروحي الذي يمثل الكمال الروحي للإنسان . ومن هذه الحيثية فالدين فى جوهرة أمر شخصي كما يقول بعض فلاسفة الدين ، بل إن هناك صوراً من التجارب الدينية وتتنوع كما عرض لها وليم جيمس وهنري برجسون وثولك وغيرهم ، وكل هذا يرتد إلى قدرات كل شخص ومواهبه ، ومن الطريف أن بعضاً من الفلاسفة المعاصرين قد جعل هذا التفرد ضرباً من ضروب العبقرية ، وهي بلا شك عندهم هي العبقرية الدينية .
ومن المهم أن نؤكد على أن تعدد هذه التجارب الدينية يقدم رصيداً هائلاً فى مجال المعرفة الدينية . ففي كل هذه التجارب الروحية من الرؤيات المختلفة للألوهية على حد تعبير برجسون فى مواجهة الفلسفة بوصفها نسقاً عقلياً .
ولا يعنى هذا قدحاً فى قيمة العقل في ميدان الألوهية إذا ما وجد مثل هذه الرؤيات لدي كبار الصوفية المسلمين أو المسيحيين وغيرهم كما لا يعني هذا أيضا رجماً لنظريات الفلاسفة فى هذا الشأن ، وإنما يعني هذا توكيد حقيقة الدين بوصفه تجربة حية فيما يري محمد إقبال نرمي إلى اتصال الإنسان بالله وبشكل أقرب وأوثق مما تقدمة الفلسفة في هذا الشأن .
وفضلاً عن هذا كله فالإنسان حين ينشد قبل هذه المعرفة الدينية على هذا النحو الذي تنكشف فيه الألوهية من خلال التجربة الصوفية فلأنه يوقن كما يقول الفيلسوف الوجودي المعاصر نيقولاي برديايف أن العلو والامتلاء والغاية لا تكون جميعاً إلا بالله . فالتصوف إذن يمثل خبرة باطنية بين الإنسان والله وهذه الخبرة الباطنية لا يمكن بالتالي الوقوف على دقائقها أو على لطائفها على حد قول الصوفية المسلمين وهو كذلك عند غيرهم من كبار الروحانيين .
إن علة الأمر تكمن فى تعلق هذه الخبرة بالحياة الباطنية بأكثر من تعلقها بالمظهر الخارجي للإنسان . ولها السبب كانت الادراكات الصوفية مصحوبة بحالة وجدانية يصعب التعبير عنها بالألفاظ العادية فضلاً عن صعوبة إخضاعها للملاحظة الخارجية .
وهذا صحيح ذلك لأن التجربة الصوفية بوصفها تجربة باطنية أو وجدانية يصعب وصفها لمن لم يسلكها لهذا قال بعض صوفية الإسلام من ذاق عرف ومن ثم كان ابن خلدون ألمعياً في ملاحظة لهذه التجربة من هذا الجهة فأكد على أن فاقد الوجدان بمعزل عن أذواقهم ومن الطريف أن فيلسوفاً معاصرا هو هنري برجسون ( 1949 ) يؤكد كذلك على أن من لم يعلن شيئاً منها فلا تقل له شيئاً .
ومن هذا الوجه يغدو التصرف فى رأينا تجربة باطنية شعورية لا تنفك بدورها عن العرفان لأصحابها ، ذلك لأن كل مدارج الطريقة التي تمثل درجات لأصحابه على اختلاف ما بينهم تكاد تتشابه ، وإذا كان صوفية الإسلام يملكون محطات ثلاثاً هي التخلي والتحلي والتجلي . فإن الأولي تمثل أخصب و أصعب محطة فى مدارج الطريق الروحي. ومع ذلك فإن الأمر لا يختلف كثيراً عن بقية ضروب التصوف ذلك لأن التخلي يمثل الصوفية فى مختلف الديانات رغم ما قد يكون بينها من فروق طفيفة تمثل جانب التفرد لعالمه الروحي الخاص بوصفة ضرباً من الاتصال الروحي بالألوهية . وإذا كانت بعض صوفية الإسلام يعبرون أحياناً أو بالأخرى بعبارات الاتحاد والحلول فإننا نجد شيئاً من هذا لدي غيرهم ولكن لا يمثل شيئاً لازماً للصوفية الإسلامية .
لكن الذي نود التأكيد عليه أن هذه الحالات أو الأحوال النفسانية تختلف باختلاف المتصوفة ومن ذلك فإنها تتشابه أكبر التشابه ، ولو فرضنا أن المحطات مختلفة وكذلك نقطة البدء ، فإنها واحدة ، فنراهم يصفونها بعبارات واحدة وصورة واحدة واستعارات مختلفة ، رغم أنهم لم يعرف بعضهم بعض فى معظم الأحيان ولكن لكل منهم أصالته !!
قلنا إذن أن التصوف يمثل الارتقاء الروحي فى كل دين مع التسليم بالقطع بين ما هو سماوي وما هو غير سماوي، والتأكيد على مثل هذه الناحية لازم، ومهم لأنه يكشف عن حقيقة التيار الروحي في كل دين بوصفة أي الدين هو الجانب المثالي فى الحياة الإنسانية على نحو ما يؤكد بعض فلاسفة الدين ومن حيث إن الصوفي الكبير هو كذلك الإنسان الذي يتخطى الحدود التي رسمت للنوع الإنساني، وأن يحاول جاهداً الاتصال أو التواجد مع الله المبدع الخالق للحياة بأسرها.
إن كل هذه المضامين الصوفية نجدها فى كل حضارة وفي كل أمة وفي كل دين لذلك نلتقي بها لدي أفلوطين ونراها عند البوذيين وعند الهنود ونراها كذلك في اليهودية والمسيحية والإسلام وهى حطي يومنا عند كل هؤلاء ولدي المعاصرين فى الشرق والغرق ومع ذلك تبقي لكل هذه التجارب الروحية خصوصيتها وتفردها.
فالصوفية من حيث هي تركيز للروح الإنساني وجهد فائق وشاق للكيان الإنساني بكليته نراها عند كبار الصوفية المسيحيين على نحو ما نجدها عند القديسة الصليب تريزا والقديسة كاترين والقديس فرانسوا والقديسة جان دارك والقديس يوحنا وغيرهم . ونراها كذلك فى الإسلام عند البسطامي والحلاج والنفري والجيلاني وابن عربي وابن سبعين وجلال الدين الرومي ونجم الدين كبري والجيلي وغيرهم ولكن أمر الصوفية الإسلامية أو الروحانية الإسلامية بحاجة إلى تفصيل .
ولنقرر بداية أن الدين إذا نظر إليه فى حقيقته يتضمن أمرين أولهما الاعتقاد وثانيهما العمل . وإذا كان هذا كذلك فإن الأمرين معا يتضمنان الأعمال الباطنية والأعمال الظاهرة ، ذلك لأن الإيمان وكما يؤكد علماء أصول الدين الصحيح لا يتحقق إلا بالجوارح الظاهرة ، والجوارح الباطنة وعليها معا منار الدين ، وليس هذا فحسب ، ببل إن كل الأعمال الباطنه كلها مأمور بها في حق العامة والخاصة . ومن ثم كان التصوف تطبيقاً للعبادات وأحكام الشريعة بأكبر قدر من الإخلاص وصفاء النية ، وعلى هذا كان الدين في أكمل صورة له تحقيقاً لأعلى مراتب الإيمان وأعلى مراتب العمل ، وبحيث يصبح الإنسان فيهما بكليته مشدود الوثاق إلى الله فى كل أحواله الظاهرة والباطنة، ولهذا كان التصوف تحقيقاً أيضاً لأعلى صورة للروحانية في دين الإسلام .
ولنقر أن الكمال الروحاني ليس بعيداً عن الإنسان بأنه مهيأ له دون بقية أجناس مخلوقات العالم السفلي بما أودع الله فيه من الإمكانيات فقد خلقه الله تعالى على أفضل صورة لقوله تعالى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( سورة التين /40 ) وفضله على كثير من خلقه لقوله تعالى  وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً الإسراء / 70 ) .
أكثر من ذلك فإن نسبته إلى الله تهيئ له هذا التفصيل علـى غيره لقولـه تعالى :  وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي  ( الحجر / 29 ) ومعنى هذا أن نسبته الروحانية هى التي تجعله أهلا لأن يبلغ أعلى مراتب الكمال الروحي لأن الروح الإنسانية من جنس الأرواح العالية القدسية مع التمايز بين الله والإنسان بطبيعة الحال .
وإذا كان القشيري والهجويري ومن جاء بعدهم أو قبلهما قد جعلوا أول درجات المعراج الروحي مجاهدة النفس ، فلأنها عندهم محل الصفات المذمومة ، في مقابل الروح ، والتي هي محل الأخلاق المحمودة ، فكأن النفس والروح عند الصوفية يتقابلان تقابل الأضداد .
وإذا كان الغزالي قد جعل النفس والروح والعقل كلها أسامي للنفس الناطقة والى قريب من صنيع الغزالي ذهب ابن عجيبة ، إلا أن الروح تظل تحظي بخصوصية خاصة من خلال دقائق وإشارات الصوفية ، وعلة الأمر ترتد إلى أن الإنسان على الرغم من أنه مركب من البدن والروح ، إلا أن العنصر الثاني هو الذي يعطيه المكانة والعلو ، من حيث النسبة إلى الروح الإلهي في بدء خلقه .
ولعله من هذا الوجه يمكن القول دون تعسف أن حظ الإنسان من هذه الروحانية أو التصوف كامن بالقوة أو بالاحري شيء كامن في كل النفوس الإنسانية .
فالإنسان على الرغم من أنه كائن مركب من بدن وروح ، إلا انه يتجه صوب الذات الروحية أكثر مما يتجه للذات الحسية والتي هي تحقيق لمطالب البدن . ولكن الأهم من ذلك أن الذات الحقيقية عند الإنسان هي الذات التي تباعد بينه وبين العالم الفاني المحيط به ، ومن هنا كانت لذة الأرواح النورانية الحقيقة فى عالمها العالي الأقدس وفي الرفيق الأعلى الأطهر وفي معاشرة أمثالها من النفوس الزكية فهي دائمة الشوق إليه والانجذاب بقوة نحوه .
وتأسيسا على ما سبق فإن نزوع الروح الإنسانية ورغبتها فى الاتصال بالملأ الأعلى والظفر بتلك الذات الحقيقية ليس عملا سهلا يتأتي للإنسان بلوغه في التو واللحظة ، ذلك لأنه مشدود الوثاق لرغبات قالبة الترابي بما ركب فيه من نزوع دائم للشهوة من ناحية وما جلبت عليه نفسه فى الميل إلى الهوى والعصبية من ناحية أخرى ، من حيث أن الإنسان مهيئاً للكمال بما فيه من الجزء النوراني العلوي وهو روحه لقوله تعالي وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي  ثم هو أي الإنسان معرض للسقوط بما فيه من أخلاط جزئه الترابي وهو جسده أو بدنه .
إن مثل هذه الثنائية هي التي تلزم أو لنقل توجب عليه أن يأخذ زمام المبادرة يظل على اتصاله بالملأ الأعلى ، ولذلك كان الارتقاء الروحي فى أعلى درجاته ضرباً من ضروب العمل الإداري أو الرغبة الذاتية التي تدفع صاحبها دفعاً إلى ذلك النزوع الروحي لاتصال بمبدأ الوجود الأعلى الإداري أو الرغبة الذاتية التي تدفع صاحبها دفعاً إلى ذلك النزوع الروحي للاتصال بمبدأ الوجود الأعلى طلباً للوصول إلى مراتب العرفان أو الشهود ولهذا السبب كان الأمام محمد عبده ( 1905 ) ألمعياً حين أكد على الأعمال الدينية إنما تصدر عن الملكات والعزائم الروحية وأن الروح هي السلطان القاهر على البدن .
فالإنسان على هذا النحو يتأرجح إذن بين حالين متباينين دوما الأول كما روحه والثاني كمال بدنه وهو في الأول يلبي داعي الروح فيحقق جانبه النوراني ، وفي الثاني قد يلبي حظوظ نفسه ومطالب بدنه ولا ضير في ذلك ، وعلى هذا النحو تأخذ الروحانية الإسلامية أو الصوفية الإسلامية وصفاً لازماً فى رأينا أنها لا تقطع ولا تعزل صاحبها عزلا عن تيار الحياة الدافق ، وهي فى الآن نفسه لا تحرمه من الاتصال بالله طلباً وشوقاً لأعلى درجات الكمال في المعرفة .
ومن العدل أن يعطي البدن حقه كما يعطي الروح حقها، وكما أن الروح تكمل بما يديرها من العلوم والمعارف وما يزكيها فكذلك أيضاً على المرء ألا يحرم البدن من كل مطالبه ومن كل ما هو لازم لبقائه. ويغير هذا الوسط العدل لا يمكن بالتالي أن نتصور خصوصيته للروحية في الاسلام .
وفي رأينا أن تقرير هذا الجانب للصوفية الإسلامية ينبثق من تقرير لجوهر الإسلام ذاته وكفايته للحياتين المادية والروحية معا ، فيأخذ المسلم أو من يرغب فى الارتقاء الروحي في دين الإسلام بأسباب الحياة الأولي ليرقي في دنياه ويبلغ أقصي درجات التقدم ويسعى في الحياة الثانية – الروحية – لتحقيق روحانياته واتصاله بالله . وبذلك التوازن المطلوب في الجمع بين حياة البدن ومطالب الروح وكمالها .
وهذا التوازن أمر ينفرد به الإسلام عن غيرة من الدينات التي سبقته وليس أدل على هذا مما يؤكده المستشرق الروسي بطرشوفسكي من أن العقيدة الإسلامية تحقق خير الفرد وخير الجماعة وعنايتها بالحياة الدنيا لا تنقل عن عنايتها بالحياة الأخرى وذلك لم تهتم بالمجال الروحي وحده، وإنا اهتمت بالمجالات المادية ...، ولم تفعل ما فعلته الديانات الاخري .
وغاية ما نود التأكيد عليه هنا أن الروحانية الإسلامية أو الصوفية المشروعة لا تحترم الإنسان من كل مطالب البدن ورغباته الطبيعية لقولـه تعالـي :  يـَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُـواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُـمْ ( المائدة/ 87 ) ومن ثم فليس الجوع وحرمان البدن ووأد الشهوة الطبيعية أمورا لازمة للصوفية الإسلامية .
ولقد كتب الصوفية كثيراً في أغلاط من يقول بذلك ولكن أكثر الناس لا يعلمون ! ومن ثم فالمأكول والمشروب ضرورة للبطن في حدود الوسيطة الإسلامية وليس الأمر كما هو في الصوفية الهندية التي تحرم أكل اللحوم بدعوي التقرب لمعبودهم وضرورة لخلاص أرواحهم على نحو ما هو مبثوث في كتبهم .
والزواج بدوره لا يقطع الإنسان كذلك عن الروحانية التي ينشدها في صوفية الإسلام .
ومن الطريف أن المستشرقين أنفسهم يعلمون ذلك علم اليقين فقد أكد بعضهم وهو على حق فيما أكد عليه أن فكرة العزوبة ليست من ضرورات الكمال الروحي ، علاوة على أنها ليست من عداد المثل العليا للزهد الإسلامي .
إن هذا ينقلنا إلى فكرة أخري مهمة نراها لازم التوضيح في عرضنا لمفهوم التصوف أو الروحية الإسلامية ، مؤدي هذه الفكرة ألمحنا إليها منذ قليل ونعنى بها أن حظ كل إنسان من هذه الروحانية يستوي فيه الرجل والمرآة ذلك لأن الأخيرة ـ المرآة ـ يمكن أن تصل إلى أقصي درجات الولاية بوصفها أعلى مراتب الكمال الروحي فى الإسلام وبنص القرآن .
ولذلك حق أن نقول مع الشيخ مصطفي عبد الرازق المفكر الديني المستنير أنه لا عائق يعوق المرآة أن تسمو بروحها إلى أقصي غاية السمو والمقدر للبشر ولا لأن تصل إلى مرتبة العرفان والولاية وتشهد جلال الحضرة الربوبية ما لا يشهده سائر البشر، وليس هناك ما يمنعها شرعاً ولا عقلا منان تصل إلى ذلك . وقد ذكر الشعراني في طبقاته من أخبار الصوفية المسلمين أخبار عن ست عشرة امرأة كلهن من الطراز الأول .
ولقد سبق وإن قلنا أن هناك صوفيات مسيحيات فحق القول بالتالي إن الروحانية أو التصوف حق متاح لكل الناس سواء كانوا من الرجال أو النساء في كل دين من الأديان .
ويبقي كذلك أن نؤكد على حقيقة مهمة مؤادها أن الصوفية الإسلامية التي تستقيم مع الإسلام وشريعته لا تلغي العقل ولا ترفضه منهجاً فيما يتعلق بعالم الطبيعة أو الحياة المادية ولهذا كان الأمام محمد عبده ألمعياً لما أكد على أن الإسلام لن يقف حجر عثرة في سيبل المدينة . ذلك لأن الحياة المثلي فى الإسلام لا تعارض فيها بين عالم المادة والروح أو بين العقل والروح .
ونحن وإن كان نؤكد على هذه الخصوصية في مجال الروحية الإسلامية فليس هذا من قبيل التعسف أو الشطط ولكن من منطلق التأصيل والتأكيد على ما هو مبثوث في كتب الصوفية المحققين ومن قبل فيما هو موجود في النصوص الدينية التي تحكم خصوصية هذا التيار الروحي المعبر عن دين الإسلام، بوصفة دينا لا يعادي العلم ولا المدينة والتقدم ومن الطرف أن أكثر العلماء إبداعاً قد أكد على حاجة البش إلى الدين بنفس حاجتها إلى العلم، فالدين بدون العلم، أعرج عاجز كما يقول اينشتين ومن جهة أخري فالعلم بدون الدين أعمي يتخبط في الظلام . ونحن لا نري تعارضنا بين الاثنين في منطق الإسلام . ولعل في الجمع بين الاثنين حياة الروح أو التصوف والعلم لا يمثل خصومة ولا قطيعة معرفية ، لأن الاندماج الحقيقي كما يقول برتراند راسل الفيلسوف الإنجليزي المعاصر قمة السمو . والحق الذي لا مراء فيه أن مثل هذا الجمع ليس صعباً ولا مفقوداً في الصوفية الإسلامية إذ ليس هناك ما يمنع من يكون المرء في أعلى درجات الكمال في الولاية والعرفان بين أن يكون طبيباً أو مهندساً أو عالماً في أى ضرب من ضروب العلم .
ومن الجلي أن ذلك يرتد إلى أن الإسلام يجعل للبدن حقه وللروح حقها وإن الدنيا ليست مذمومة بإطلاق ولا محمودة بإطلاق وإن هذه الثنائية هي التي تبرر الأخذ بالأمرين علي صعيد واحد وتأسيساً على ذلك فالعلم لا يضاد الحياة الروحية ومن ثم فكل دعوة تصرف عن الأخذ بالعلوم الحديثة ليست من الإسلام في شيء مهما زعم أصحابها حياة التصوف، ذلك لأن التصوف الصحيح هو الذي يجعل من حياة الفرد إيجابية في التفاعل مع كل مناحي الحياة الإنسانية ولا يصده ولا يقطعه عن أن يحقق فيها من التقدم ما يكافئ مع ما أوعد الله من إمكانات وعلى رأسها العقل ومن ثم فإن الأمر يستلزم أن يحقق الكمال لنفسه ولمجتمعة في المجالين المادي والروحي بغير إفراط ولا تفريط .
ومن هذه الجهة بالذات يصبح التصوف ضرورة لتحقيق التوازن بين مطالب المادة والروح خاصة في مواجهة الفلسفات المادية التي تسيطر على حضارتنا المعاصرة فلا جدال كما يقول بعض فلاسفة الحضارة أن تقدمها المادي أكبر بكثير من تقدمها الروح . ولعله لهذا السبب قيد يكون في تقصي تفاصيل التجارب الروحية لدي بعض الكبار الروحانيين ذات خصبا يدعم القيمة الروحية في النفوس ووسيلة تخفف من وطأة الضغوط المادية القاتلة التي وسمت حضارتنا المعاصرة.

المصدر : موقع منتديات وانا الحضارية .
http://www.arabswata.org/forums/showthread.php?t=8964
   
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: احمد عبد الكريم البرهامي الحسيني      البلد: مصر       التاريخ: 09-07-2007
بسم الله والصلاة والسلام على من اصطفي والصلاة والسلام على خير من ارتقى سيدنا محمد وعلي آله أهل الهدي وصحابته والتابعين سر العطايا والمنن والهدى وبعد
عذرا حبيبي فيما قرأت ولكن الفت النظر لما استوقفني في الموضوع فالتجربه بين بين يعني ممكن تفشل وممكن تصح وهذا في التصوف غير موجود لإنتسابه للخالق وعلاقتها بالمعبود فالعابد عبد والمعبود رب قادر علي جميع الوجود فمن يقول تجارب لا مكان له في التصوف ولم يتعرف فالحقيقة اصطفاء واختيار الهي فمنهم شقي وسعيد من بطن أمه وكل ميسر لما خلق له فلا عجب فيما أقول لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع فهو الكمال النسبي على حد قولي أما الشعور والوجدان إذا ملكه الحب هام بالحبيب وظهر الوجد ولما ظهر الوجد كان اللقاء القريب وليس على بعد فكلمه من قريب فالتفت للصوت فرأي الحبيب فغاب فيه عن الصفاة فكان الذات ذات الحبيب فالأحدية سر التوحيد والعالم كله أزواج فشكرا للكاتب والناقل على ذلك والسلام.

الاسم: ازدهار الشذر      البلد: العراق       التاريخ: 29-07-2007
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسلبما .

يقول حضرة السيد الشيخ الغوث محمد عبد الكريم الكسنزان (قدس الله سره ) عن التصوف (من كتاب خوارق الشفاء الصوفي والطب الحديث للاستاذ الدكتور الشيخ نهرو بن الشيخ محمد الكسنزان الحسيني ص70 :ـ
]] " التصوف : هو علم معرفة الله سبحانه وتعالى " أي العلم الذي يبحث عن الوصول الى الحقيقة المطلقة التي ليس ورائها حقيقة , وللوصول الى هذه المعرفة ينبغي اولا معرفة النفس الانسانية , لان احد القواعد الثابتة عند الصوفية هو الحديث المشهور ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) وهذا يعني وجود تلازم معرفي من نوع خاص بين الحقيقة المطلقة ( الله ) والحقيقة المقيدة ( النفس ) وهذا التلازم أشار اليه الصوفية كثيرا في مؤلفاتهم حين تحدثوا عن عملية الخلق الاولى وكيف ان الله سبحانه وتعالى أكرم آدم ( عليه السلام ) بأن نفخ فيه من روحه (َإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ{28} فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)( الحجر 28,29 ) .
فكان الانسان بتلك النفخة مميزا عن غيره من الكائنات , وكانت وسيلته للمعرفة الإلهية . إن المعرفة المشار اليها ليست مجرد معرفة علمية بحتة ( معلوماتية ) , بمعنى إنها ليست مجرد الوصول الى معلومات معينة , فمصطلح المعرفة عند الصوفية ذو افق صفاتي , فلن تعرف صفة السمع الإلهي مالم تتحقق بشيء من صفة السمع الإلهي المطلق عن الحدود والقيود , وما لم يخرق أمام سمعك حواجز ( الزمان والمكان ) فتسمع ما لا يسمعه غيرك على بعد المسافة لا تسمى عارفا بالله من حيث صفة السمع , وكذلك البصر , والكلام , والقدرة وبقية الصفات . ويستشهد الصوفية على ذلك بالحديث القدسي ألذي يقول فيه الحق تعالى : " وما تقرب الي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه , وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه , فإذا أحببته كنت سمعه ألذي يسمع به , وبصره ألذي يبصر به , ويده ألتي يبطش بها ورجله ألتي يمشي بها , وإن سألني لاعطينه , ولئن استعاذني لاعيذنه"( اخرجه البخاري ,عن ابي هريره ,كتاب التهجد باب صلاة النوافل جماعة ,رقم 2 65 ) .
ومن ينظر بالله فلا يخفي عنه شيء , ومن يقدر بالله لايعجزه شيء , ويقول حضرة السيد الشيخ محمد الكسنزان
( قدس الله سره ) " كل علم بعد معرفة الله سبحانه وتعالى سهل وميسور لأن من يعرف الخالق لايخفي عليه معرفة المخلوق " .
والفكرة ببساطة هي أن الخالق سبحانه وتعالى لايخفي عليه شيء من خلقه وهو قادر على فعل أي شيء في مخلوقاته , وكما خلق القوانين الطبيعية وحدد قدرات كل مخلوق بحدود معينة , فجعل كل مخلوق متميز عن المخلوق الاخر بصفات وخصائص معينة , فهو سبحانه وتعالى قادر على خرق تلك القوانين وإظهاربعض القدرات فوق القوانين الطبيعية على يد من يشاء من خلقه .
أن مصطلح ( الفناء في الله ) هو صفة العبد الذي يصل الى مرتبة المعرفة والقدرة بالله تعالى , فمن يفنى في صفات الله تعالى المطلقة يتمكن وقتها من الاطلاع والفعل بالقدرة الإلهية وليس بالقدرات البشرية المحدودة. هذه القدرة الخارقة يسميها حضرة السيد الشيخ محمد الكسنزان ( قدس الله سره ) ب ( القوة الروحية ) , ومن منطوق العبارة فإن هذه القوة غير مادية , ولذلك , لايبدو من السهولة التحقق منها بالوسائل العلمية المتوفرة , فإن المنهج العلمي المحدد بالابعاد الحسية للقياس لاينسجم مع حقائق البعد الصوفي ( الروحي ) [[ .
كما ان من العلوم الصوفية التي ينتفع بها الناس , بل وكل الانسانية جمعاء , اما تكون معجزات الانبياء , او كرامات الاولياء الصالحين , وان هذه العلوم شواهدها كثيرة في القرآن الكريم .
قال الله تعالى : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)( المجادلة 11 ) .
وقال الله تعالى : (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) ( خاطر 28 ) .
وقال الله تعالى : (َتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) ( العنكبوت 43) .
وقال محمد (صلى الله تعالى عليه وسلم ) : " أفضل الناس المؤمن العالم الذي إن أحتيج إليه نفع وإن إستغنى عنه أغنى نفسه " ( من كتاب إحياء علوم الدين للشيخ ابو حامد الغزالي ) .
وقال محمد (صلى الله تعالى عليه وسلم ) : " العلماء ورثة الانبياء " . ( من كتاب إحياء علوم الدين للشيخ ابو حامد الغزالي ) .
وقال ابن عباس ( رضي الله عنه ) : ( العلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة مابين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام ) ( من كتاب إحياء علوم الدين للشيخ ابو حامد الغزالي ).
ومن هذه العلوم الصوفية ( الشفاء الصوفي) او ( الطب الصوفي ) ، والذي يعرفه حضرة السيد الشيخ محمد الكسنزان (قدس الله سره) من كتاب (خوارق الشفاء الصوفي والطب الحديث/للأستاذ الدكتور الشيخ نهرو بن الشيخ محمد عبد الكريم الكسنزان/ ص30) :-
]] ) الشفاء الصوفي : هو ذلك الشفاء الفوري الذي يحصل للمريض والمصاب بحالة طارئة في نفسه او بدنه بالاعتماد على الجانب الروحي للدين السماوي ، اي على معجزات الانبياء او كرامات الأولياء من غير الإعتماد على وسائل العلاج التقليدية ) .
والسبب الذي لأجله إستخدمنا لفظة (الصوفي) مع هذا النوع من الشفاء دون غيرها من الألفاظ كأن يكون (الشفاء الخارق) او(الشفاء المعجز) او غير ذلك ، فلأننا نرى ان القاسم المشترك في جميع ظواهر الشفاء الخارقة على ايدي الأنبياء والأولياء هو نتيجة تحققهم بمقدرة روحية خاصة تفوق القدرة البشرية العادية، وهذه القدرة ــ اذا جاز التعبير ــ لاتاتي للإنسان إلا اذا كان صوفياً سواء أكان ذلك التصوف من طريق الإصطفاء او من طريق الكسب والمجاهدة المتعارف عليها عند اهلها . أما غير ذلك من اساليب الشفاء التي تعتمد على طرق غير دينية كالطقوس والشعائر التي كانت تمارس في المعابد القديمة او عند الشعوب البدائية او بأي وسيلة اخرى من سحر او شعوذة او غيرها فهو لايدخل ضمن مصطلح (الشفاء الصوفي) لافي بحثنا هذا ولا في كل توجهاتنا . [[
ويقول ايضاً حضرة السيد الشيخ محمد الكسنزان (قدس الله سره) : (من نفس الكتاب اعلاه ص85 ]] (يتسم مفهوم الطب الصوفي في الطريقة الكسنزانية بشمولية وإطلاعية تفيد التعميم ، فهو غير مقتصر على الشفاء الفوري في فعاليات الضرب التي يمارسها مريدوا الطريقة ، وحقيقة الأمر عندهم ان هذه الكرامات ليست إلا مؤشرات ودلالات لما تمتلكه الطريقة من قدرات خارقة لا يمكن حصرها ولا عد تنوعها.
ان الطريقة الكسنزانية تريد ان تخبر العالم من خلال هذه الفعاليات ان بمقدور الشيخ الحاضر للطريقة فعل المستحيل ـ بإذن الله تعالى ــ اذا كان ذلك المستحيل فيه المنفعة الشاملة للإنسانية من الناحيتين الروحية والمادية أي بمعنى ان (فعاليات الضرب) ليست مقصودة لنفسها في الطريقة الكسنزانية بل لغيرها ، اي للكشف عن الإمكانات الشفائية الخارقة المتعددة الأخرى والتي يتعسر معرفتها او اطلاع الناس عليها بشكل مباشر وإنما من خلال التجربة الشخصية (الذاتية) . وهذا يعد من اهم الفوارق بين خوارق الضرب في الطريقة وبين جميع الظواهر الخارقة عند غير الصوفية.
ومن تلك الإمكانات الخارقة التي تمتلكها الطريقة الكسنزانية:
1- علاج الأمراض الجسمية
2- علاج الأمراض النفسية
3- علاج امراض القلوب المعنوية .
أن الطريقة تتعامل مع هذه الامراض في ضوء الطب الروحي من حيث تشخيص الامراض (آفاتها وأعراضها) ، وعلاجها ( أدواتها) وشروط الوقائة وما تتضمنه من كيفية المحافظة على الصحة وإعتدالها.

مريدة كسنزانية
29\7\2007

الاسم: حمزةعبد يوسف      البلد: العراق       التاريخ: 12-09-2007
السلام عليكم0 عطفا على ما تفضل به الاخوان اقول ان التصوف تجربة ذاتيةلا تخضع لقوانين معينة عقليا ولا الى انساق محددة علميا بل هي في احدى معانيهاالطيران بهمة الشيخ الحاضر فوق القوانين والانساق لاتجاهلا وجحودا بل سموا وتوقانا طبيعيا تفرضه المعرفة الذوقية المشار اليها بقول من ذاق عرف.اماالوسطية الصوفية فهي السير بجناح الشريعة والطريقة نحو اعالي الحقيقة.اي ان الحياة والمعرفة يلتقيان في جسد الصوفي وروحه معا.


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة