الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
التعامل مع الآخر بين الدين والثقافة

ليلى أحمد الأحدب
طبيبة وكاتبة ومستشارة اجتماعية

أشير في البداية إلى أن المعنى العام للثقافة هو المقصود هنا وليس المعنى الخاص الممثل بالحركة الفكرية والأدبية والفنية, فبينما تشير كلمة (الدين) إلى طريقة الحياة حسب مصادر الشرع الأصيلة, فإن كلمة الثقافة هي الأسلوب العام لحياة المجتمع كله ولذا فهي تشمل أمورا شرعية وأخرى ما أنزل الله بها من سلطان؛ وبناء على هذا الفارق بين الدين والثقافة يمكننا إدراك البون الشاسع الذي تعيشه المجتمعات المسلمة اليوم في كل مناحي حياتها وبين ما قد قرره الشرع الحكيم؛ ولا بد من التأكيد مرة إثر مرة على اختلاف كلمة (الشريعة) عن كلمة (الفقه)، فمدلول الأولى هو مناسبتها لكل زمان ومكان لأنها ربانية المصدر، وأما مدلول الثانية فهو الفهم البشري لتعاليم الشريعة المحكوم بسياق تاريخي ونسق ثقافي مختلف ومغاير؛ والسبب في هذا التأكيد هو استناد كثير من المتحاورين دينياً إلى آراء فقهية وكأنها معصومة من الخطأ, وهذا يتنافى مع طبيعة التعاليم الشرعية الإسلامية التي ترفض البابوية - نسبة إلى البابا في المسيحية- المدَّعية للعصمة في تفسير معنى النص, كما أن الرؤية الأحادية تتعارض مع مرونة الشريعة الإسلامية الخاتمة التي تراعي تغير الأحوال وتطور المجتمعات فتغير أدواتها وأساليبها مع ثبات روحها ومقاصدها.
هذا الخلط لا يقتصر على العامة المتأثرين بمذهب فقهي معين, بل يتعداهم إلى النخبة المثقفة التي تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية هذا الفهم الخاطئ؛ على سبيل المثال كاتب وأكاديمي شارك في تأسيس بعض المراكز الإسلامية في الغرب حسب ما يقول, ولكنه في إحدى مقالاته في رمضان الماضي امتدح نقل صلاة التراويح مباشرة مع ترجمة معاني الآيات القرآنية التي تتلى إلى اللغة الإنكليزية, وهو أمر له أثره الإيجابي ولا شك, لكن ما لفت انتباه الكاتب هو ترجمة غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَبالأوصاف وليس بالأسماء، مما جعله يستنتج أنْ ليس كل ما يُعلم من ديننا بالضرورة يصلح أن يقال على الملأ عالميا؛ وكأن التفسير التقليدي لهذه العبارة القرآنية هو مما يعلم من ديننا بالضرورة؛ ونسي ذلك الأخ أن التفسير جهد بشري يغلب عليه الإسقاطات الناجمة عن أسلوب تربوي معين أو ظروف ثقافية مهيئة أو مناخات سياسية محتِّمة, وحقيقة الأمر أنه ليس في ديننا ما يُستحى منه, وكل ما عُلم بالدين من الضرورة يجب إبلاغه للناس وهي ثوابت ديننا لا يحقّ لنا إخفاؤها ولا الاختلاف حولها.
من هنا يمكن إمساك طرف الخيط المؤدي إلى افتراق الثقافة عن الدين, وأكثر ما يبرز هذا التناقض في تعاملنا مع الآخر المختلف, وتحديدا أهل الكتاب الذين أباح الله للمسلم أكل ذبائحهم والزواج من نسائهم أي مصاهرتهم, ورباط المصاهرة والنسب من الوسائل التي تتماسك بها عرى المجتمع, فكيف يمكن للمسلم إذا كانت أمه نصرانية أو يهودية أن يكره أخواله أو جده أو أقرباءه؟ وكيف يمكن للمسلم أن يسافر لمتابعة العلم في الغرب وأمامه الفتاوى التي تحرم عليه الذهاب إلا للضرورة لأنها من وجهة نظر فقهية ما تزال دار كفر أو دار حرب؟ وكيف يهنأ المسلم بالجنسية الغربية التي تتيح له ميزات كثيرة في دراسته أو عمله وهو يقرأ أن ما يفعله محرم حسب رأي فقهي آخر؟ وكيف لا يراجع أصحاب هذه الفتاوى آراءهم بعد أن يروا كل ما جنته من عنت وما جلبته من تباعد بين الإسلام والغرب؟.
نقرأ السيرة النبوية فنطلع على أسس التسامح الديني التي قامت عليها الحضارة الإسلامية, وبها رأت الدنيا أول مرة دينا ينشئ حضارة فلا يتعصب على غيره من الأديان, ولا يطرد غير المؤمنين به من مجال العمل الاجتماعي أو المنزلة الاجتماعية, وقد أسس لهذه المبادئ الرسول الكريم محمد  عندما هاجر إلى المدينة المنورة وفيها عدد كبير من اليهود, فكان أول ما عمله وضع الوثيقة التي كانت أساسا للتعايش والتآلف بين المسلمين واليهود الذين يساكنونهم المدينة المنورة ومن بنودها: (إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين, لليهود دينهم وللمسلمين دينهم, مواليهم وأنفسهم, إلا من ظلم وأثم فلا يوتغ - أي لا يهلك - إلا نفسه وأهل بيته. وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم, وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وإن بينهم النصح والنصيحة). وكان للرسول جيران من أهل الكتاب فكان يتعاهدهم ببره ويهديهم الهدايا ويتقبل منهم هداياهم, حتى إن امرأة يهودية دسَّت له السم في ذراع شاة أهدتها إليه لما كان من عادته قبول هدايا أهل الكتاب. ولما جاء وفد نصارى نجران فرش الرسول رداءه لكبيرهم وسمح لهم بإقامة الصلاة في مسجده, فكانوا يصلون في جانب ورسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه يصلون في جانب آخر, وقبل الرسول هدية المقوقس زعيم القبط وهي جارية اسمها ماريا, وأنجبت له ابنه إبراهيم الذي توفي بعمر سنتين, ولذلك أوصى الرسول فقال: استوصوا بالقبط خيرا فإن لكم فيهم نسبا وصهرا. كما أوصى بكل أهل الذمة والمعاهدين فقال: من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة.
وسيرة أصحاب رسول الله تمضي على هذا المنوال, فقصة عمر مع الشيخ اليهودي الذي كان يسأل الناس الصدقة ففرض له من بيت مال المسلمين معروفة, وعندما دخل عمر بيت المقدس فاتحا أجاب سكانها المسيحيين إلى ما اشترطوه من ألا يساكنهم فيها يهودي, وحين قامت صلاة العصر وهو داخل الكنيسة الكبرى أبى أن يصلي فيها رغم أن بطريرك القدس سلمه كل مفاتيحها, كي لا يتخذها المسلمون من بعده ذريعة للمطالبة بها واتخاذها مسجدا؛ وقصة القبطي الذي اشتكى لعمر من ظلم ابن عمرو بن العاص معروفة، وهناك قصة أخرى عن امرأة مسيحية اشتكت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرها عنها, فسأل عمر عن ذلك فأخبره عمرو أن المسلمين كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم وفي جواره دار هذه المرأة وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها وبالغ في الثمن فلم ترض, مما اضطر عمرو إلى هدم دارها وإدخالها في المسجد, ووضع قيمة الدار في بيت المال لتأخذه متى شاءت, ومع أن هذا مما تبيحه القوانين ومما يعذر به عمرو, لكن عمر لم يرض بذلك, وأمر أن يهدم البناء الجديد من المسجد وأن تعاد إلى المرأة المسيحية دارها كما كانت.
هذه أمثلة من التعامل مع الآخر وفق الدين وقد تجاوب أخ سعودي يدرس في أمريكا مع طرحي حول جذور الإرهاب في الثقافة ومنها نفي الآخر فكتب لي عن تجربته أقتبس منها ما يلي:
(تعوّد المسجد على تنظيم محاضرات لغير المسلمين عن الإسلام وإرسال متحدثين للكنائس والمدارس ليتحدثوا عن الإسلام لأن الطلب على مثل هذا الأمر كان كبيرا. المشكلة كانت في فئة من الأشخاص تنادي في ذلك الوقت بتحريم دخول الكفار للمساجد وتحريم دخول الكنائس وأن هذا ضد الولاء والبراء؛ وكانت تنادي بعدم جواز تناول الغذاء مع الأمريكان غير المسلمين، وتنادي بتجنبهم قدر الاستطاعة لأن هذا من باب البراءة منهم، فالولاء لا يكون إلا للمسلمين وكل من يقوم وينادي بقضية الحوار مع النصارى واليهود إنما يخدم قضية وحدة الأديان وجمع الكتب السماوية في كتاب واحد وغير ذلك من الادعاءات الغريبة العجيبة. كما كانت تنادي بعدم جواز المشاركة في الانتخابات الغربية على شتى الأصعدة المدنية والمحلية والإقليمية وتنادي بأن التعاون مع المؤسسات الغربية لا يجوز وأن مساعدة الفقراء الغربيين لا تجوز وغير ذلك من الأمور العجيبة مما كان يسبب لبسا كبيرا في المجتمع، فعامة الناس تجهل الأحكام في هذه القضايا وتصدق كل من يأتي أمامها بمظهر متدين ويتكلم باسم الإسلام, مما أدى إلى بناء مساجد جديدة تكسر وحدة المسلمين بحجة لكم دينكم ولي دين, ولم تفلح محاولات إبراز آراء علماء ومسلمين في هذا الشأن كونها كانت تأتي من أشخاص لا يثق هؤلاء في مرجعيتهم. واستمر الحال بهذا الشكل إلى أن جاء زائر إلى المدينة وكان يعمل بإحدى مكاتب دعوة الجاليات بالمنطقة الشرقية في السعودية وأبرز فتوى في المسألة وبدأت سلسلة المراجعات كما يقولون وخفّت حدة الحديث عن عدم جواز دخول الكفار للمسجد، ولكن بقي الحديث عن ادعاءات وحدة الأديان وتمييع الدين ضد كل من تحدث مع الغربيين بخصوص الإسلام، وطبعا لم تتغير مسألة البراءة منهم وعدم جواز الأكل معهم إلا للضرورة وكان هذا أمرا يسبب قلقا كبيرا خاصة بين الطلاب الغربيين المسلمين الذين ولدوا في تلك البلاد وسيعيشون فيها ويموتون فيها، فكيف يعزل الطالب نفسه عمن حوله بحجة الولاء والبراء؟ لذا يعيش بعضهم في صراع نفسي بين حرصه على إرضاء ربه وبين اتباع الفطرة البشرية التي لابد وأن تحسن لمن أحسن إليها وتعامل معها بالخير).
هذه الفتوى حلت المشكلة, ولكن لو أن القائلين بالبراءة من الكفار - دون تفريق بين محارب ومسالم - قرؤوا السيرة النبوية وكيف صلى النصارى في المسجد النبوي لما انتظروا كل هذا الوقت ولما فرقوا صفوف المسلمين, فهل تراهم سيقرؤون ويفقهون؟

المصدر: مشاركة من الكاتبة
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: ابو جنيد      البلد: العراق       التاريخ: 03-09-2007
بسم الله الرحمن الرحيم(اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرساله والحكمه وعلى اله وصحبه وسلم تسليما) قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) وقال جلت رحمته(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) اذا الرساله المحمديه الاسلاميه هي رساله عالميه للانسانيه كافه بجميع الوانها والسنتها وثقافاتها. وهذه هي حقيقه الرساله الاسلاميه. فالرحمه موجوده والرساله موجوده وامر الدعوه موجود.وعلمنا الله سبحانه باسلوب الدعوه بقوله(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) واساليب الدعوه المحمديه تعلمناها من خلال المطبق الشرعي الاول لها وهو حضره المصطفى صلى الله عليه وسلم.فالمساله تعتمد فقط على الداعيه المسلم الماذون المتمكن والعارف بالله سبحانه وتعالى. والصالح الصادق بين عباده. قال صلى الله عليه وسلم( ان هذا الدين صنعه فاستعينوا بصالح اهلها) وان هناك مشتركات بين المجتمعات والامم والاسلام. يستطيع الداعيه الصادق البناء عليها ومن ثم الجذب باتجاه الحقيقه الكبرى والرحمه العظمى للمصطفى صلى الله عليه وسلم والاسلام العظيم. وهذا فن كامل ومتكامل بحد ذاته يسمى( فن الدعوة) ويجب على المسلمين فتح الابواب للمجتمعات العالميه للتعرف على الاسلام الرحمه والعنوان الكبير للخلق والبناء الروحي الصافي. والذي تنشده وتطلبه ارواح البشريه جمعاء.

الاسم: اسماء      البلد: السعودية       التاريخ: 27-02-2011
بارك الله فيك اخوي وادخلك فسيح جناته.

الاسم: غزل ابو نجمة      البلد: القدس       التاريخ: 07-05-2011
سلمو يديك يعلمنى قصص الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة