الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
شطحات الألفية الثالثة


في كل نقلة زمنية يحلو للإنسان ان يتأمل الفترة السابقة ينقدها ويراجعها ويسترشد بها. ويبدو ان سنة 2001 هي البداية الصحيحة للألفية الثالثة ولعلها لهذا السبب تحرك فينا هذا الميل لمراجعة الماضي وتأمله، على ان الماضي بالنسبة لفرد من الافراد قد يكون محصلة فكره أو أفكاره الرئيسية، وربما كان صحيحا أن الانسان قد يعيش ويموت وفكرة واحدة أو اثنتان تشغلان عقله. هكذا قال المؤلف المسرحي الاميركي تينسي وليامز ذات مرة في احد احاديثه الصحافية، واظن ان هذا صحيح الى حد كبير، ولمراجعة الماضي طرق عديدة قد تتعلق بأحداث هذا الماضي وتفاصيلها، خاصة اذا كان المقصود الإطلال على مجتمع معين أو حتى العالم البشري بأجمعه، أما مراجعة الفرد لحياته ومغزاها بالنسبة له فقد تنحصر في الافكار الرئيسية التي شغلت حياته.
والحياة لا تحتاج الى اكتشاف مبرراتها، فالواقع أننا نعيش بقوة الحياة وعجائبها التي تجب كل تساؤل، وقد كنت وما زلت اقف مندهشا امام جذور النبات التي تشق التربة بقوة خارقة وتظهر اغصانها وأوراقها على سطح الارض.
دعك من عملية الميلاد الخارقة وما يصحبها من عجائب. ولكن احيانا يتوقف الانسان ليسأل نفسه عن أهمية الحياة بالنسبة له، وكثيرا ما يفعل ذلك هؤلاء الذين انغمسوا فيها الى حد الثمالة في جوانبها المادية والروحية، ومن أواخر انجازات عالم النفس الشهير سيجموند فرويد دراسة موجزة كتبها بعد ان تجاوز الثمانين من عمره اكتشف فيها أن في التركيب الحيوي للانسان غريزة للموت موازية لغريزة حفظ الحياة وحفظ النوع. وان هذه الغريزة تؤدي وظيفتها عند عمر معين وتجعل الانسان يتطلب الموت، والأطباء الذين يمارسون رعاية كبار السن يحكون عن تجارب تذكي فكرة غريزة الموت التي تحدث عنها فرويد، فكثيرا ما يأتي الشيخ العجوز أو الشيخة الى الطبيب ويخبره أنه سوف ينام ويموت هذه الليلة أو هذا النهار، وبالفعل يجد الطبيب ان مريضه قد مات كما أراد.
وكما لنزعات الجسد سيطرة كبيرة تتجلى في الاندفاع نحو ملاذ الحياة والارتواء منها حتى التخمة احيانا، نجد للجسد ميولا نحو النقاء الروحي الذي قد يؤدي احيانا الى نوع من التصوف أو الزهد، وفي لحظة من اللحظات توضع الحياة نفسها موضع التساؤل. ولذلك يسد المعتقد الديني هذه الفجوات وتمتلئ الحياة بالمعاني والأماني، وينجو المتسائل من أهوال الاحساس باللاجدوى والتكرار الممل وفراغ المعنى، وقد تكون لحظة التساؤل بالغة العمق وقريبة من لحظة المنتحر، وبالتالي تحتاج الى معنى من داخل الحياة ومن قلبها وليس مما بعدها، وكنت أجد الاجابة في أن الجدوى من حياة الانسان هي التعلم وكشف اسرار هذا الكون العجيب الذي دفعنا اليه دفعا وبدون اختيارات، وان المعرفة ومزيداً منها جهاز انساني ضد صمت الكون وضد تجاهلنا وضد القوى والطاقات المحدودة التي وجدنا انفسنا عليها ومع أن المعرفة الانسانية ما زالت خدشا بسيطا في هذا الكون المجهول، الا انها بداية على أية حال، وربما امكن كسر حدود الطاقات الانسانية واختراقها ولعل الكاتب الاميركي ارنست هيمنجواي كان واقعا تحت تأثير ذلك التساؤل الخطر عن أهمية الحياة والحرص عليها حين كتب روايته الشهيرة «العجوز والبحر» التي حصل من اجلها على جائزة نوبل وفيها يكتشف ان جهاز الانسان ـ حتى اذا كان بلا جدوى ـ هو نوع من إثبات الجدارة للنفس وليس لأي جهة اخرى، فقد ظل صياده العجوز يجر السمكة المراوغة المستعصية على الصيد، والتي استطاع صيدها، مستغلا خبراته كلها وقوة احتماله البدنية والروحية حتى تسلخت يداه وتحرق جلده وراوده اليأس والاحباط مع ان سمك القرش قد اكلها طوال رحلة العودة ولم يبق منها الا هيكلها العظمي. ان عملية الصبر ليس مقصودا منها حصيلتها الغذائية، بل الانتصار على العقبات والصعوبات، مجرد الانتصار.
إنه نوع من البطولة لذاتها يتفق مع تاريخ حياة هيمنجواي وخبراته ويبدو ان لحظة التساؤل عنده لم تشبعها رواية «العجوز والبحر» اذ عمد بعد ذلك الى الانتحار، ولعله لم يمتلك الصبر الكافي لاعطاء الحياة فرصتها في توسيع المعرفة أو كان في الحقيقة يريد السمكة وليس مجرد الانتصار في صيدها، أو كان واقعا تحت تأثير مرض الاكتئاب الذي يصيب بعض الناس لأسباب نفسية لم يذكر من بينها تساؤلات العقل الفلسفية.
فكرة التعلم والاكتشاف كمبرر لاستمرار الحياة من الممكن ان تكون اساسية بالنسبة لكثير من الناس، حتى عند انفجار ذلك التساؤل الخطر عن مغزى الحياة، وهي فكرة مقنعة الى حد ما، خاصة في عالمنا الذي تميز بكثرة الاكتشافات العلمية، واصبحت الانتصارات العلمية فيه مبشرة بفتوحات كثيرة، وكأن البشرية تقترب من خلال التجريب المادي الى اصول الاشياء.
والواقع ان السؤال الخطر عن مغزى الحياة لا يرد على الذهن وهو في حالة صفاء، بل عندما تتكرر الحياة في جانب من جوانبها. من هنا يأتي الخطر وتكون الحالة ليست فكرية أو فلسفية بل عرض من اعراض الاكتئاب المرضي كما يعرفه الاطباء، على ان خطورة السؤال تقل كثيرا عندما يفكر فيه الانسان بسبب مناسبة من المناسبات مثل الانتقال من ألفية الى اخرى. هنا يقع السؤال في مجال الفلسفة وليس في مجال الامراض النفسية، وقد ظلت فكرة التعليم والاكتشاف تصاحبني اغلب سنوات حياتي وامدتني بقوة ورغبة عارمة في تتبع نتائج الكشوف العلمية، وكشفت لي عن مدى قصر عمر الانسان الذي لا يكفي للإعداد الصحيح لكي يبدأ خوض تجربة المعرفة، ومع اني اعيش مثل شحاذ نجيب محفوظ في روايته «الشحاذ» اشحذ المعرفة بغير ادواتها، الا ان النتائج التي تصلني في محبسي مشجعة على الاستمرار والمتابعة.
ولان فكرة التعليم اساسية بالنسبة لتأكيد الرغبة في الاستمرار في الحياة في ساعات الكدر وفي ساعات السعادة والرضا، فان مضاداتها كثيرا ما تأتي لتخرجها وتضعفها مثل قصة من قصص صمويل بكيت تحكي عن رجل جالس خلف نافذة مائلة يرى منها جانبا محدودا من المنظر الخارجي ومهما يحاول ان يميل جسده من هذه الزاوية أو تلك فان الجزء المرئي من الصورة ما زال كما هو، والرجل لا يفعل الا العودة بين وقت وآخر لمحاولة توسيع الرؤية من دون جدوى في الواقع، فمحال التعرف على العالم محدود بزاوية الرؤية التي ننظر بها اليه بواسطة ما نسميه بالعقل والحواس والتي لا نملك سواها في ما يبدو.
وقصة بيكيت ضربة قاسية لفكرة امكان توسع المعرفة الانسانية وبالتالي لفكرة التعليم ذاتها، ولكن الحياة ترد على هذا التشاؤم المخيف بالبهجة والحيوية التي تتجلى في الجمال الذين يفيض به الكون في ممالكه النباتية والحيوانية والصخرية والجسم الانساني يستفيق احيانا فيتعرف على نفسه كجزء من تلك الممالك الحية البالغة العنفوان والجمال حيث يبدو الجمال قيمة مطلقة ليست في حاجة الى براهين وحيث يتجاوب الجسد ـ بكل مركباته ـ مع تلك الحيوية وذلك الفيض من الوجود المشارك الفائر بالدماء.
هكذا امسكت بالفكرة الاولى التي شغلت حياتي كلها عندما بدأت اعي بأن الحياة البشرية تنتقل الى الالفية الثالثة، حقا ان حساب الايام والسنين والقرون شيء من عمل الانسان ولصيق به وحده، ولكنه حسابنا على أية حال ومدخلنا الى فكرة الزمن في الكون كله، ونحن نشهد على اية حال نوعا من اتساع الرؤية ـ مهما يكن بالغ الضآلة ـ الا انه ينمو مع الزمن وربما استطاع الجنس البشري ان يحطم نافذة بيكيت الى المنظر العام بأكمله أو ببعض اجزاء منه.
اما الفكرة الثانية فكانت وحدة الجنس البشري وان هذا الجنس ليس منفصلا كما نراه في النظرة المتعجلة بسبب اختلاف ـ العرق ـ والمعتقدات واللغات والتاريخ وربما الجغرافيا ايضا ولأن الفروق بالغة الوضوح فأمرها سهل، اما التماثل وعناصر الوحدة فقد اهملها صعود الحضارة الاوروبية وبلوغ سيطرتها الذروة على العالم في القرن التاسع عشر الذي تشكلت فيه الكثير من الافكار المعاصرة وسيبقى هو والجزء الاكبر من القرن العشرين مهيمنا على الثقافة المنتشرة. اغلب كتاب هذين القرنين حتى في الادب يتحدثون عن الاختلافات الجوهرية بين الشعوب ويبحثون عنها وقلما يبحثون عن الاشياء المشتركة. واظن ان المعاصرين اليوم قد تربوا جميعا في قلب ثقافة الحضارة الغربية وكان المثقف الغربي يجد سعادة كبرى في تأكيد اعتقاده بأنه متميز عن سائر شعوب الارض، وربما كانت الحركة الاستعمارية في حاجة الى شيوع مثل هذا الاعتقاد الذي يجعل تجييش الجيوش وخوض مغامرات الحرب ميسورا، ولكن عندما تقرأ كاتبا جيدا الى حد ما مثل أ. م. فوستر وهو يتحدث عن مدينة الاسكندرية المصرية في كتاب شهير له، تجده مسرورا جدا بتميزه باعتباره غربيا قادما من بريطانيا، وانه مع حبه الشديد لهذه المدينة يتعامل معها كمستعمرة بريطانية، وكان قد جاءها بالفعل في الحرب العالمية الاولى (1914 ـ 1918) ضمن القوة العسكرية المحتلة للدولة المصرية بأجمعها. ولحبه الشديد للمدينة أراد فوستر ان يفصلها عن مصر وشعب مصر، وكأنه ليس لهذا البلد الشرقي المختلف اختلافا بينا عن دول الحضارة الحديثة الا مجرد علاقة جغرافية بمدينته المحبوبة. والكاتب أ. م. فوستر رجل متفتح وقد كتب رواية جيدة «ممر للهند» عن التعصب والتعالي الانجليزي على الشعب الهندي ورفضه له، والذي ساعده على رؤيته المتعجلة هو طبيعة الاسكندرية في ذلك الوقت منذ كانت ـ كعهدها دائما ـ مدينة «كوزموبوليتان» تفيض بالسكان من اعراق مختلفة يتحدثون لغات متعددة، وكانوا في غالبيتهم العظمى أوربيين وقد بهره من الاسكندرية تاريخها الاغريقي ومؤسسها الاسكندر الاكبر ثم خلفاؤه من الهيلنيين واسقط الفترة الاسلامية اسقاطا تاما من دون ان يراوده الا القليل من الشك جعله يلتفت التفاتات سريعة الى الفترة الاسلامية التي امتدت الى ما يزيد عن الف ومائتي عام قبل ان تسترجع الاسكندرية ماضيها المتعدد الثقافات وقد تكون المدينة اهملت لحساب الفسطاط التي صارت العاصمة، ولكن الانطباع الذي يتركه فوستر بلي وصديقه لورانس داريل الذي كتب مقدمة احدث طبعة كتابه في الثمانينات هو تجنبهما لما هو خارج الاسكندرية في الاقليم المصري مما يعطي انطباعا باحساسهم بالاختلاف المطلق. ومع ان داريل صاحب «رباعية الاسكندرية» الشهيرة التي عاش فيها فترة طويلة واحب المدينة حبا جما الا انه لم يحب فيها الا ظاهرها الغربي وقلما حاول ان يتعمق ما تحت هذا الظاهر أو السطح وما علاقته به أو تفاعله معه.
كنت قد نشأت في ظل حركة وطنية ليس فيها الكثير من الاحساس بالنقص بسبب الاكتشافات الاثرية التي سبقت وجودنا، والتي بهرت العالم الغربي بحضارة العصر الفرعوني ولكن الحياة لم تكن سهلة في مدننا التي كانت تحت سيطرة الاجانب في اجمل مواقعها وربما كان الشعور بالاختلاف أو قل بالنقص هو الذي وجهني لفكرة وحدة الجنس البشري، ورفض الكثير مما كان يبدو ثوابت في ما يتصل باجتهادات علم الاجتماع الغربي الذي توصل الى تصورات تجعل لكل تجمع بشري بنيته الثقافية المستقلة والتي تبدو كما لو كانت «شرنقة» تنطوي على محتواها الداخلي وليس لها علاقة بالعالم الخارجي، ووحدة الجنس الشري كفكرة لها من يؤكدها من الباحثين ومن يرفضها أو يخالفها بفكرة التنوع بما يؤدي الي مطلقات احيانا.
إن فكرة مقلقة مثل تلك الوحدة التي أزعمها تدفع الى البحث والتدقيق على عكس الفكرة التي ترى الاختلاف والقطيعة واظن ان غالبية الكتاب الغربيين الذين تكونت ثقافتهم من انجازات القرنين التاسع عشر والجزء الاكبر من العشرين يبحثون اول ما يبحثون عن الاختلاف وقلما يبدأون بالبحث عن نقط الاتفاق والالتقاء واظن ان هذا السلوك هو الذي ادى الى السلوكات العسكرية والسياسية العنيفة التي شهدها زماننا حتى اليوم. انظر الى اسرائيل والفلسطينيين وانظر الى كوسوفو والصرب والألبان وانظر حتى الى الهند والباكستان.
والافكار ـ والمغلوط منها بصفة خاصة ـ تؤدي الى اخطاء جسيمة حتى في العالم واعتقد ان اجتهادات علم الاجتماع الحديثة وغير قليل من الدراسات المتعلقة بالثقافة وقعت في الخطأ بسبب شيوع افكار التميز ربما بشكل غير واع.
ولفكرة وحدة الجنس البشري ابعاد متعددة لا يتسع لها مجال هذا المقال المحدود ولكنها فكرة ـ ارجو ان تكون صحيحة علميا ـ ساعدتني على التحرك الثقافي من دون عقد، وهو امر مكمل لفكرة التعلم.
وهكذا نبدأ الالفية الثالثة بتلك الشطحات.. علها تلقي شيئا من التفاؤل على حياتنا الصعبة.

المصدر : موقع جريدة الشرق الاوسط .
http://www.asharqalawsat.com/leader.asp?section=3&issue=8074&article=20223&search=التصوف&state=true
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: رمضان      البلد: مصر       التاريخ: 24-09-2007
بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمدالوصف والوحى والرساله والحكمه............شيخى ليست هذه شطحات الالفيه الثالثه انما هى روح الامام الاكبر سيدى محى الدين ابن العربى(والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته ) نرجوا الدعاء والمراسله(رمضان حفنى المحامى بسوهاج مصر)

الاسم: ابو جنيد      البلد: العراق       التاريخ: 30-09-2007
بسم الرحمن الرحيم(اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرساله والحكمه وعلى اله وصحبه وسلم تسليما) ايها الانسان ترى نفسك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر. وهذه حقيقه المحدود الانسان. وسر علاقته بالامحدود الله جل جلاله.لكل منا نصيب من الحقيقه الكبرى.وهذا النصيب يعتمد على الاستعداد والجاهزيه التي يتمتع بها كل انسان.ومدى الامكانيه والقدره على التحمل والالتزام بصفاء وصدق النيه والعمل الصالح.ان بني البشر على اختلاف السنتهم والوانهم واجناسهم.يتقوقعون في نظرتهم للحياة والموت والخير والشر ضمن اطار واحد في النظره والتوجه والتعامل والنتيجه في المفهوم العام. وان كان هناك اختلاف بسيط في المفهوم الخاص لهذه الامور المهمه والتي على اساسها تبنى العقائد والتوجهات والادبيات والافكار. والحصيله النهائيه لها تفرز الصدق والنقاء والصفاء الصوفي القلبي. الذي يكون له نصيب من نور الحقيقه الكبرى.المشتركات بين بني البشر كثيره ونقاط الالتقاء والتواصل اكثر.فعلى عقلاء البشريه البناء على هذه المشتركات من اجل الاتصال والتواصل في عصر الحركه التواصليه في زمن العولمه. من اجل اختصار الزمن والاستفاده من التطور الهائل في وسائل الانتقال والاتصال. من اجل تبادل الرؤى والافكار من اجل البناء والخير والمعرفه والتعاون بين بني الجنس الواحد على وجه البسيطه.


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة