الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
ليلة القدر- مهرجان السماوات والأرض

بقلم الكاتب:  د·عبدالفتاح محمد العيسوي ـ كلية الآداب والعلوم ـ جامعة سبهاـ ليبيا

قال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. القدر:1 ـ 5·
هذه إحدى سور القرآن الكريم تتحدث عن حدثين مهمين في حياة الإنسان، وبأسلوب أخَّاذ وعرض رائع، يستدعي الفكر للتأمل، ويستدعي العقل لمتابعة الحديث في شغف، ومواصلة التدبُّر في عمق ولهف، لينهي إلى القلب خلاصة تدبره بما يملأ القلب إيماناً وحكمة، هذان الحدثان هما:
أولاً: إنزال القرآن الكريم على فرد من أفراد الإنسان اصطفاه الله لرسالته من دون وساطة بينه وبين خليفته هو محمد بن عبدالله العربي الأمي·
ثانياً: ما تزيَّنت به الليلة التي أنزل فيها القرآن من مهرجان العالم العلوي إذ الملائكة والروح يغدون ويروحون طوال الليلة بين الأرض والملأ الأعلى للحفاوة بنزول القرآن هدى للناس وبشرى للمؤمنين، الواقع أن إنزال القرآن حدث عظيم، وعجيب ـ كيف لا وهو رسالة الله العلي القدير، كتاب منه كريم، لـ(محمد بن عبدالله) الأمين على يدي ملك مقرَّب ذي قوة عند ذي العرش مكين فيه يقول الله لنبيه: وَإِنَّـهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِيـنَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ.عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِـنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ الشعراء: 192 ـ 195، فهو جدير بالحفاوة به والاهتمام بشأنه حري بالإقبال عليه والارتواء من نبعه، فإنه كتاب الله ودستوره في خلقه ـ هو مربي الفرد، ومؤسس المجتمع، ومقيم معالم الهدى والإرشاد بها لوجه الله العالم إلى طريق الحق والخير، ويوصد أبواب الباطل والشرك· كتاب من حكم به عدل ومن قال به صدق، ومن اعتصم به هُدي إلى صراط مستقيم فهو كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ـ وأن من يقرأ تاريخ المجتمع الإنساني قبل نزول القرآن وبعد نزول القرآن يحكم حكماً لا ريب فيه بأن القرآن له اليد الطولى في إنقاذ البشرية من مخالب هلاك محقق وله اليد الطولى أيضاً في وضع الأسس القويمة التي تفتح للبشرية الباب إلى حياة فاضلة لا يعكر صفوها ما يكدر، ولم يجعل لأحد عليها سلطان نصيراً ـ وأن في القرآن آية تكاد تكون تصويراً واضحاً لهذا المعنى وبياناً شافياً لحال المجتمع الإنساني قبل نزول القرآن وبعده إذ تقول: أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ الأنعام:122، أي ميتاً بالكفر فأحييناه بالإيمان: (َجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) الأنعام:122، هو القرآن كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ـ لا لا يستويان· يؤيد هنا ما جاء في بيان مهمة القرآن في العالم من قول الله تعالى: قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ المائدة: 15 ـ 16·
والسورة السابقة حددت الزمن الذي أنزل فيه القرآن بأنه الليل إذ تقول: إنا أنزلناه في ليلة القدر القدر:1، وحدده القرآن أيضاً في مكان آخر منه إذ يقول حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ الدخان: 1 ـ3·
وظاهر أن الليلة المباركة هي ليلة القدر· والقرآن وصف كلاً منهما في موضعه بوصف يتلاقى مع ما للقرآن من الشرف والعزة والعظمة ـ وصف إحداهما بالبركة ووصف الأخرى بالقدر ـ ومعنى القدر هو الشرف والعظمة، ولعل ما ورد في الأحاديث الصحاح من ذكرها وتلمسها في العشر الأواخر من رمضان، لعل هذا توجيه للأمة منه صلى الله عليه وسلم لإحياء هذه الليلة بالعبادة شكراً لله تعالى على ما هداهم بهذا القرآن الكريم في هذه الليلة المباركة ومن أراد أن يوافقها على التحقيق فعليه أن يتفرغ لعبادة الله في الشهر كله وهذا هو السر في عدم تعيينها لينشغل العبد بعبادة ربه كل الوقت الذي يظن أنها لا تخرج عنه ـ فهي ليلة عبادة وخضوع وتذكُّر لنعمة الحق والدين قال صلى الله عليه وسلم: >من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه< رواه البخاري، قلنا سابقاً إن هذه السورة تتحدث عن حديثين عظيمين مهمين في حياة الإنسان ـ أولهما ـ (إنزال القرآن فيها وفضل هذه الليلة لا يقارن قدره فلا يفصح عنه قلم ولا يجلي حقيقته بيان كيف لا والله عز و جل قال فيه: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ. سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ القدر: 3ـ5، فمن ذا الذي لا يستطيع أن يتقدم بين يدي هذا القول المعجز لأي بيان أو قول، وجدير بالمسلمين ألا يفوتهم وقتها ولا يحيونها وبما يناسب مكانتها الروحية فيمضون وقتها كله قياماً بين يدي ربهم ضارعين مبتهلين مسبحين راكعين ساجدين لله شاكرين لا بما يقوم به المسلمون اليوم في الحفاوة بالمواسم الشرعية من النفقات الطائلة على الفقراء والمساكين والأيتام وصلة الرحم، ولكن في الإغداق على البيوت من الطعام والشراب وألوان الحلوى والفاكهة ويرون أن هذا يحقق معنى إحياء هذه الليلة الذي دعا إليه الرسول فإن هذه أمور كلها مادية ولا تتصل بروحانية الليلة في قليل أو كثير·
هذه ليلة القدر وهي بفضلها وتكريم الله لها تدعو المسلمين بعامة لإحيائها شكراً لنعمة الله عليهم واستجابة لدعوة الرسول إليهم فإنه يقول: إن من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه رواه البخاري·

الهوامش:
1 ـ القرآن الكريم·
2 ـ محمد الغزالي، فقه السيرة، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1976·
3 ـ محمد الدسوقي، دراسات إسلامية، دار الأوزاعي، القاهرة، 1984م·
4 ـ شكري محمد عياد، يوم الدين والحساب، دار الوحدة، بيروت·

 
المصدر : موقع مدونات مكتوب
 
http://sarai.maktoobblog.com/514754/%E1%ED%E1%C9_%C7%E1%DE%CF%D1-_%E3%E5%D1%CC%C7%E4_%C7%E1%D3%E3%C7%E6%C7%CA_%E6%C7%E1%C3%D1%D6
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: د.محمد فتحي الحريري      البلد: الامارات       التاريخ: 07-10-2007
أتقدم بالشكر للأخ الزميل د. عبد الفتاح على هذا الكلام الطيب ، وفي ميزانكم ان شاء الله تعالى ..
اللهم اجعل ليالينا كلها ليلة القدر ، وأعتقنا وتب علينا وانصر أمّتنــا ، وصلى الله على الحبيب المصطفى وآلــه وصحبه والتابعين ..


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة