الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
مفهوم الحب والجمال و الخمر

أحمد علي زهرة

الظاهرة الجمالية ظاهرة اهتم بها المتصوفون اهتماما كبيرا فقد بدأ تفكيرهم في صفة الله في الجمال او بأكثر من الجمال وهو الكمال فالله جميل يحب الجمال مقولة كان الصوفيون أول من قالبها وتحولت إلى مثل أو كلام قدسي يظهر في كل حديث عن الجمال فالله جميل لأنه أبدع كل شيء جميل والله كامل لان المبدع لا ينقصه شيء والكمال يجمع في ذاته كل الصفات الكمالية ومنها الجمال.
والإحساس بالجمال صفة إنسانية مصدرها الأول العامل الحسي ولعل الرؤيا تكاد تنفرد في نقل هذا الحساس ولكن الصوفية التي لم تنكر العامل الحسي أبدا وإنما اعتبرت أن الإحساس بالجمال إحساس مرتبط بالسعادة والسعادة دليل اللذة التي يناقضها الألم ولكن بعض المتصوفة تجد أن الفرق بين اللذة والألم فرق بسيط هو فرق بالدرجة ويمكن أن نسمي طريقتهم في السعادة"التلذذ بالألم"لهذا كانت صيحة الحلاج :
اقتلوني يا ثقاتي
                              إن في قتلي حيـاتي  
ومماتي في حياتي
                              وحياتي في مماتي
اّن عنـدي محو ذاتي
                               من اجل المكرمات

 هذه الصيحة في طلب القتل واللذة التي كان يتلذذ بها الحلاج عند صلبه هذه اللذة تشابه لذة صاحب النيرفانا في الموت من أجل الخلود فالحلاج يعتقد أنه بلغ ذروة السعادة عندما تفيض نفسه وتترك الجسد عائدة للاتحاد بالحبيب الذي يطلب هذا الاتحاد أصبح هذا الاتحاد غاية عند الحلاج وعند أكثر المتصوفة.
لهذا فأننا يجب أن نرتفع في الإحساس بالجمال عن المستوى الحسي ليبلغ ذروته في الحب أو في العشق وعشق من ؟إن كل عشق غايته اللذة وكل عشق يبدأ حسيا ولكن ذروته هي في عشق من يستحق العشق بحسب رأي أول شهيدة من شهداء العشق الإلهي رابعة العدوية. ولكن كيف يكون هذا العشق الإلهي وبماذا يتمثل ؟الحبيب هو مثال العشق والحبيب هو الله ولا يبتعد الله في صورته عن الصورة الإنسانية فهو عند ابن الفارض يبدأ بلبنى وعزّة وليلى وهو كل هؤلاء وقد روي عن الرسول أنه قال :"إن الله خلق الإنسان على صورته" فمن الطبيعي أن يبحث الصوفي في صورة الجمال الحسية صًورة الإنسان ولعل صورة المرأة هي صورة الحبيب المعشوق من قبل العاشق المحب . وهذا الشيخ الأكبر محي الدين يوضح الصورة الإلهية الإنسانية الهيئة بقوله:
مسكتك في داري لإظهار صورتي
                              فسبحانكم مجلى وسبحان سبحانا  
فما نظــرت عيناك مثلي كاملا
                              ولا نظرت عـــين كمثلك انسانا
فلم يبــق في الإمكـان أكمل مـنكم
                            نصبت على هـذا في الشرع برهانا
فأي كمال كان لم يك غيركم
                              على كل وجه كان ذلك ما كانا
ظـهرت إلى خلقي بصورة ادمي
                               وقررت هذا فــي الشرع إيمانا
فلو كـان في الإمكان أكمل منـكم
                              لكان وجــود النقص فـيّ إذا كانا
لأنك مخصوص بصــــورة حضرتي
                             وأكمل منـي مـا يكـــون فقــد بانـا

هكذا يجد ابن عربي الطريق إلى الإحساس بالجمال أن يفرق بين نوعين من الجمال :الجمال العرضي وهو الجمال المتبدل المتغير وهو صفة من صفات العالم والجمال المطلق وهو جمال الله.المتمثل بالكمال الإنساني المتجلي في هذا العالم بصفته الإنسانية والتي هي "صورة الرحمان"فابن عربي لا ينكر هذه الحقيقة وهو يصرح بها في هذه الأبيات السابقة على اعتبارها صورة الكمال المثالية التي هي أصل الوجود وسره الخفي الذي يبحث عنه الناس في طريقهم الطويل من المعرفة وطلب الحقيقة. انه التناغم ألعشقي بين الله والإنسان .فالله في رأي ابن عربي تجلى في خليفته في الأرض ادم وهي الصورة الإنسانية الأولى وتمثل الإبداع الأول .هذا الإبداع كان الشكل الظاهري للإله وحقيقته التي تكمن في باطنه هي الله .حيث صورة ادم الظاهري صورة النقص الذي بدا ظاهرا متكثرا فاسدا تفسده الأراجيف الإبليسية والشيطانية أما صورة ادم الباطنية فهي صورة الخلافة الإلهية في الأرض هذه الصورة هي التي ابتدعها وسمّاها خليفته أي إثبات وجوده وحلوله في هذا العالم فالعالم جميل لأنه صورة الله المرئية المحسوسة والله جميل وكامل لأن صورة العالم الكاملة التي لاتنقص و لا تتجزأ . 
ابن عربي يقسم الجمال إلى قسمين كما ذكرنا بقول ابن عربي :"انقسم أهل الله في حب الجمال إلى قسمين:فمنا من نظر إلى جمال الكمال وهو جمال الحكمة فأحب الجمال في كل شيء لأن كل شيء محكم وهو صنعته حكيم فمن أحب العالم بهذا النظر فقد أحبه بحب الله وما أحب إلا جمال الله .فجمال العالم جمال الله وصورة جماله دقيقة أعني جمال الأشياء وهو الجمال المطلق الساري.ومنا من لا ينظر إلى الجمال العرضي وذلك أن الصورتين في العالم وهما مثلان شخصان ممن يحبهما الطبع وهما جاريتان أو غلامان .فقد اشتركا في حقيقة الإنسانية فهما مثلان وكمال الصورة التي هي أصول من كمال الأعضاء والجوارح وسلامة المجموع والآحاد من العاهات والآفات ويتصف أحدهما بالجمال فيحبه كل من رآه فهذا هو الجمال العرضي الذي تعرفه العامة لا جمال الحكمة فمنا من لم يبلغ مرتبته من نظر إلى جمال الكمال وهو جمال الحكمة وما عنده علم الجمال إلا هذا الجمال المقيد الموقوف على الغرض فتخيل هذا الرأي الذي لم يصل إلى فهمه أكثر من هذا الجمال المقيد به.فأحبه لجماله ولا حرج عليه في ذلك فإنه أتى بأمر مشروع له على قدر وسعه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .وكذا نفوس العامة يتعلق حبها بجارية أو غلام .أي شيء كان فهم أهل الجمال العرضي الذي يتعلق به الحب العرضي وهو ظل زائل وغرض مائل وجدار مائل.ما هو الجمال المطلق الساري في العالم وفي هذا الجمال العرضي يفضل آحاد العالم بعضه بعضا بين جميل و أجمل وراعي الحق ذلك على ما أخبر به نبيه صلى الله تعالى عليه و سلم في قول الصحابي له : إني أحب أن يكون نعلي حسنا وثوبي حسنا فقال له صلى الله تعالى عليه و سلمإن الله جميل يحب الجمال
 ولما كان حب الجمال العرضي من أحكام البشرية التي خلقها الله تعالى فلقد أثبتها الحق لنبيه صلى الله تعالى عليه و سلم فقال له :لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباًفأثبت له صلى الله تعالى عليه و سلم محب الجمال العرضي إثباتا لكمال البشرية وقد ثبت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم لما ذكر له جمال صفية بنت حيي أم المؤمنين تزوج بها كما ذكر له جمال امرأة من العرب فأرسل يخطبها لنفسه ولم يزل جبريل عليه السلام ينزل على الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم في صورة الصحابي دحيّة الكلبي وكان أجمل أهل زمانه وبلغ من أثر جماله في الخلق أنه لما قدم المدينة مهاجرا واستقبله الناس ما رأته امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها فكان نزول جبريل عليه السلام في صورة دحيّة وكان الحق يبشر نبيه صلى الله تعالى عليه و سلم يقول له : يا محمد ما بيني وبينك إلا صورة الحسن والجمال ,وقصة يوسف عليه السلامالذي حاز شطر الحسن وأثر جماله في نساء زمانه مذكور في القرآن
أقول للقلب قد أورثتني سقما
                             فقال عيناك قادتني إلى تلف
لو لم تر العين تحسن حليف ضنا
                             وإن أمت ما في الحب من خلف  
 لذاك قسّمت ما عندي على بدني
                              من الضنى والجوى والدمع والأسف

ومثل هذه المعاناة التي يعاني منها المحبوب في حبه فيشغل القلب والعين ويقسم آلامه ولذاته عل كل أعضاء البدن لكي ينال كل عضو نصيبه من اللذة ومن الألم ولا مفر من هذه المعاناة الا بالموت الذي هو الغنيمة التي يحصل عليها من الحب والهوى.ولكن لماذا الموت ومن أجل من يموت العاشق ؟ أجل إن الإنسان يموت عاشقا وفي رأي المتصوفة هذا الموت هو الشهادة الحقيقية لأنها في سبيل الله.ولكن ما هي صفات هذا المحبوب؟  يقول ابن عربي في وصفه :
جميل ولا يهوى جليّ ولا يرى وتشهده الألباب من حيث لا تدري
ولا تدرك الأبصار منه سوى الذي تنزهه عنه عقول ذوي الأمر

فإن قلت محجوب فلست بكاذب وإن قلت مشهود فذاك الذي أرى
فما ثم محبوب سوا هو إنما سليمى وليلى والزيائب للستر

فهن ستور مسدلات وقد أتى بذلك نظم العاشقين مع النثر
كمجنون ليلى والذي كان قلبه كبشر وهند ضاق من ذكرهم صدري

لقد وصفه بالجمال والجلاء .وإن كانت العين لا تراه فإن القلوب شاهدة عليه. لقد ادركته العقول على أنه المنزه عن الإحساس فهو الظاهر وهو الباطن فإن قلت منزه صدقت في القول وإن قلت ظاهر فأيضا يصدق قولي فيه فهو مستور خلف أسماء الأحبة وهنا يرمز بهذه الأسماء ليدل بها على العالم من ليلى وسليمى كلها أسماء لمحبوب واحد وكذا المحب أيضا أسماء تدل عليه كالمجنون وبشر وغيره من هذه الأسماء هي ظاهرة والأحدية الصمدية باطنية وهو يوضح ذلك في قوله :
فمن ليلى ومن لبنى
                            ومن هند ومن بثينة
ومن قيس ومن بشر
                              أليسوا كلهم عينه 

 وفي ذلك يتجلى حقيقة العشق عند التصوفة عامة وعند ابن عربي خاصة فالمحبوب المطلق الذي يسميه ليلى او لبنى أو هند أو بثينة والإنسان المتمثل بالرجل قيس أو بشر فيرى أن لكل واحد والكل عين الحبيب في الحقيقة المحبوب والحبيب معا. وهو يتابع مع العقيدة :
لقد أصبحت مشغوفا
                              به اذا كان لي كونه
فكل الخلق محبوبي
                             فأين مهيّمي أينه
فمن يبحث في قوتي
                              يجد في بيته بينه

هذه الحيرة التي وقع بها ابن العربي ليست سوى الشك الذي أوصله إلى اليقين أليس الغزالي ألذي هاجم الفلاسفة وأصحاب المذاهب ورجع بعد شك كاد يفقده قدرته على إدراك العلوم وفي لحظة حدسية هبط عليه الإلهام وتم له الكشف الإلهامي فكان القلب مفتاح عشقه ومصدر حبه فالحبيب هو الملهم والمحبوب هو أيضا ملهما. لذا فإن ابن عربي يستطرد فيشعره ويسترسل كثيرا في تباين الحقيقة إيمانه وبشكل أكثر وضوحا من نثره.وابن عربي يعتمد في ذلك على أن للشعر شيطانا يقوده إلى ما يريد وما يعتقد ويتجه في ذلك بمحبة وبعاطفة جياشة قادرة على أن تعبر عن حقيقة هذا الحب.يقول ابن عربي :
إذا تجلى حبيبي
                              بأي عين أراه
بعينه لا بعيني
                              فما يراه سواه

وهكذا لا فرق بين الحبيب والمحبوب من حيث هو الموصوف بالروحانية والحبيب من حيث هو الإنسان الذي يبحث عن ذات الله في ذاته فلا نجد فرقا بينهما .وفي ذلك يبرر ابن عربي للحلاج   والجنيد وذي النون المصري وغيرهم شطحاتهم التي تعبر عن حقيقة واحدة أن الإنسان يبحث في ذاته عن المطلق الذي هون نفسه الإنسان الكامل نفسه لأنه هو سيد هذا الكون وهو الذي أبدع ذاته عن طريق خلافة الإنسان في الأرض.وهو الأجمل في العالم والأكمل في وجوده...
وابن عربي يطمئن الناس على أن لا حقيقة غير الحقيقة التي وصل إليها وذلك بالرياضة والمجاهدة في المعرفة القلبية وعن طريق تجربة حدسية لا تأملية لأن التأمل يبعد المريد عن حقيقة كونه  يبحث عنها ويصل إليها أما المتأمل فهو يقوم بتجربة ذهنية قد تصله الى مبتغاه وقد لا توصله.لأن للذهن قواعد ثابتة والتجربة الصوفية لا يمكن أن تخضع لأية قواعد أو لأية إثبات فهي رهينة الصدفة لأن الله لا يكشف سره لجميع خلقه وإنما يكشف لأصحابه سر وجوده فيقدم لهم إمكانية شهوده .لذا فإن ابن عربي يوضح هذه التجربة وكيف استطاع الوصول إلى المشاهدة والكشف فيقول :
لما لزمت قرع باب الله 
                              كنت المراقب لم أكن باللاهي
حتى بدت للعين سبحة وجهه
                              والى هلم لم تكن الا هي
فأحطت علما بالوجود فما لنا
                              في قلبنا علم بغير الله
لو يسلك الخلق الغريب محجتي
                              لم يسألوك عن الحقائق ما هي

هذه دعوة ابن عرابي في حظوته بالحق وفي نظرته بعينه وجهل الجميل بالوجود الكامل له متجليا له وهذا الأمر ليس بعيدا عن المنال فإن أي إنسان لو سلك الطريق التي سلكها الشيخ الأكبر لأستطاع الوصول ولأمكن الحصول على الكشف وبذا تصبح أمامه الحقائق واضحة جلية وهذه هي المحجة التي يدعي ابن عربي الوصول إليها.
ولم يكن ابن عربي الوحيد من بين المتصوفة ممكن تحدثوا عن جمال الحق فهذا عبد الكريم الجيلي يصف جمال الحق كما وصفه ابن عربي وهو في مجال شرحها شهادة"لا اله إلا الله"فيقول :
إذا قيل :قل لا.قلت :غير جمالها
                              وإن قيل :إلا قلت:حسنك شائع
فكل بهاء في ملاحة صورة
                              على كل من قد شابها لغصن يانع
وكل اسوداد في تصافيت طرة
                              وكل احمرار في الطلائع ناصع
وكل مليح بالملاحة قد زها
                              وكل جميل بالمحاسن بادع
محاسن من انشأ ذلك كله
                              فوحد ولا تشرك به فهو واسع
وإياك أن تلفظ بغيرية البها
                              فما تم غير وهو بالحسن بادع
وكل قبيح إن نسبت جماله
                              أتتك معاني الحسن فيه تسارع
ولا تحسبن الحسن ينسب وحده
                              إليه ألبها والقبح بالذات راجع
يكمل نقصان القبيح جماله
                              فما ثم نقصان ولا ثم بشع
فلا تحتجب عنه لشين بصورة
                              فخلف حجاب العين للحسن لامع
وأطلق عنان الحق في كل ما ترى
                              فتلك تجلى الحق من هو صانع

فعبد الكريم الجيلي يبحث أيضا في غنوصيته عن الحق في صورة العالم وهذه الصورة تعبر عن جمال العالم وعن كمال الخالق الصانع فكل جميل لابد أن يكون أجمل منه وكل قبيح لا بد أن يكون فيه ما يكمل نقص الجمال فيه هكذا وجد العالم"الإنسان الأكبر "وهكذا وجد الإنسان"العالم الأصغر"فيؤكد الجيلي على أن الناظر إلى العالم يجد الحق في عينيه في كل ما يراه وهكذا تجلى الحق فيما صنعه.وهذا التجلي هو تأكيد على القدرة في الإبداع والقدرة في الوجود.فليس من وجود خارج العالم لأن كل وجود خارج العالم في رأي الصوفية عدم وهذا ما أكد عليه الوجوديون حيث اعتبروا الوجود هو وجود العالم والعدم حيث لا يوجد وجود.فمن الطبيعي أن تثبت وجود الله المبدع من خلا وجود العالم ولا تصور وجودا للحق خارجه وإن تصور وجود الله خارج العالم يشبه النفي له لأن مقولات المكان والزمان المرتبطان بوجود العالم مرتبطان أيضا بوجود الله فالله رغم أنه موجود في العالم ومتحد به الا انه في التصور له فهو فوق الزمان والمكان لا يمكن أن يخضع لقوانين الزمان ولا لقوانين المكان . إنه مطلق في المكان ومطلق في الزمان والمطلق مريد في ذاته موجود بذاته.لا حدود لوجوده ولا وقت لوجوده هو الموجود في كل مكان والموجود في كل زمان. 
فالجمال والقبح من صفات العالم فالشيء القبيح بالنسبة لما  هو أجمل منه والشيء جميل لما هو أجمل منه فالجمال حد أولي يتصف به الحق المطلق والجمال الأمثل يتمثل في اله بصورة الكمال لأن الكمال صفة من صفات الحق لأن الحق يتصف بها ولا يتصف بالنقص.       
وفكرة الجمال دائما مقترنة بالحب فالإنسان  يبحث عن الجمال لكي يحب الجمال ولعل العشق حالة من الحب متقدمة على الحب نفسه .لأن العشق فاتحة الهوى و الهوى هو الجنون في الحب . وللحب عند المتصوفة درجات تبدأ بالحب وتنتهي بالهوى فما هو الحب عند المتصوفة؟ 
يمثل الحب عند المتصوفة حالة تختلف عن الحب الحسي الذي هدفه تحقيق الجنس وبقاء النوع وهذه أيضا مرتبطة بالحب النفسي الذي هو ظاهرة سامية تعلو ظواهر الحس.إن بقاء النوع خطوة كبرى في سبيل الخلود الإنساني على هذه الأرض والخلود الإنساني هو مطمح الإنسان وغاية وجوده لأنه موجود ليبقى .إن البقاء الفردي مستحيل وإن كان يعمل الإنسان جاهدا ليتوج الوجود الفردي خلودا لم يستطع حتى الآن أن يحقق هذا الهدف ولا أظن أنه قادر على تحقيقه لأن الوجود الإنساني كحادث لابد أن يكون له نهاية طبقا على المستوى الفردي ونهايته الموت والموت فناء ويعتقد الإنسان أنه لابد أن يعيش حياة ثانية يمني نفسه أنها ستكون حياة أفضل من حياته في هذه الدنيا ولقد ركزت الديانات كلها السماوية منها والوثنية أن الحياة الثانية لابد آتية بعد لموت وتحدثت أيضا بعض الفلسفات عن شكل من إشكال الحياة الثانية وهذه الحياة الثنية طموح الإنسان وتطلعه نحو الخلود. 
والحب الصوفي أكثر رفعة وسموا من الحب الحسي لأنه حب نفسي يقع في موقع القلب مصدر كل العواطف السامية.لقد أحب العاشقون من النساء ليلى ولبنى و بثينة وعزة وغيرها من الجميلات ولكن المحبوب الصوفي هو الأسمى و الأشرف والأجمل والأكمل وهو الله الذي إذا وصف الجمال فينسبه إليه وإذا وصف الكمال فهو الكمال الذي يضم في ربوعه الجمال وغيره من القيم فكل قيم الحق تنطوي تحت قيمة الكمال فالحق وحده هو الموصوف بالكمال .والحق وحده هو المحبوب والحق وحده هو كل شيء فدرجة الحق هي الأول ومظهره الآخر وحقيقته الباطن وصورته الظاهر وعلمه علم الكمال علّم الإنسان ما لم يعلم وأنزل عليه الكلمة الأولى التي هي بداية الخلق وأنعم عليه بمعرفة الحق ومن عرف الحق حق معرفته وجد نفسه مرآة الحق وصورته يقول جلال الدين الرومي:
إن عبد الله هو طل الله
يت هذا العالم والله حي 
تشبث بذيله واذهب بلا وجل
 حتى تنجو من آفات آخر الزمان
 كيف مد الزمان نقش الأولياء
الذي هو دليل نور شمس الله
ولا تسري في هذا الوادي بغير هذا الدليل
 وقل كما قال الخليل :إني لا أحب
واذهب وابحث في الظل عن الشمس
وتمسك بذيل الملك شمس التبريزي
فإذا لم تعرف الطريق إلى هذا الفرح والعرس
فاسأل ضياء الحق حسام الدين 

(نقلا عن كتاب تاريخ التصوف الإسلامي :د.قاسم غني:ترجمة صادق نشأت)
يقول جلال الدين الرومي:
  كل من سار في الطريق من غير رشد 
ضل بسبب الغيلان ووقع في البئر
لأنه هو الذي يضلك عن سبيا الله
ولا يكسر هذا الهوى شيء في العالم 
 مثل ظل الأصحاب 
 قال النبي لعلي:يا علي
 إنك أسد الحق والبطل المغوار
ولكن لا تثق باسديتك     
واستظل بظل نخل الرجاء 
كل من قدم طاعة...  
فإنما هي التقرب إلى الذات
التي لا يقال لها لماذا؟ 
وأنت تقرب بعقلك وسرك
لا كهؤلاء معتمدا على كمالهم وبرهم
 
(نقلا عن كتاب :تاريخ التصوف في الإسلام :د.قاسم غني . ترجمة:صادق نشأت) 
فالحب الإلهي أساس الحب وهي الطريقة الصوفية في الوصول لله وخير من عبّر عن الحب الإلهي الشاعر الصوفي ابن الفارض حيث يقول: 
إن الغرام هو الحياة فمت به 
حبا فحقك أن توت وتعذرا
 
وكذلك قوله: 
هو الحب فأسلم بالحشا ما الهوى سهل
                              فما اختاره مضني به وله عقل 
وعش خالا فالحب راحته عنا
                              وأوله سقم وآخره قتل 
ولكن لدى الموت فيه صبابة
                              حياة لمن أهوى عليّ َ بها فضل     
نصحتك علما بالهوى والذي أرى
                              مخالفتي فأختر لنفسك ما يحلو    
وإن شئت أن تحيا سعيدا فمت به
                               شهيدا والا فالغرام له أهل     
فمن لم يمت في حبه لم يعش به
                              ودون اجتناء النحل ما جنت النحل

يقول جلال الدين الرومي في كتاب (كليات شمس تبريز) :
ما التدبير ايها المسلمون فإنني لا أنا               
لا أنا بالمسيحي ولا باليهودي ولا بالمجوسي ولا المسلم 
ولا أنا بالشرقي ولا بالغربي ولا بالبري ولا بالبحري  
ولا أنا من عناصر الطبيعة ولا أنا من الأفلاك الدوارة   
ولا أنا من تراب ولا أنا من هواء ولا من ماء ولا من نار 
ولا أنا من العرش ولا أنا من الفرش ولا انا من الكون ولا أنا من المكان 
ولا أنا من الهند ولا من الصين ولا من البلغار ولا من السكسون 
ولا من بلاد عراقين ولا من خراسان      
ولا من الدنيا ولا من العقبى ولا من الجنة ولا من النار      
ولا من آدم ولا من حواء ولا من فردوس رضوان
 مكاني في اللامكان وعلامتي أن ليس لي علامة
 لست جسما ولا روحا بل أنني روح من روح الحبيب
جردت نفسي م الإثنينية فوجدت العالمين وحدة واحدة
إنني أبحث عن واحد أقول واحدا وأعرف واحدا وادعوا واحدا  
هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن   
لا أعرف إلا هو ولا أقول إلا يا من هو ولا أعلاف سوى هو
إنني ثمل من روح العشق وقد ذهب العالمان من يدي
ولا أملك شيئا سوى الشطارة والتسول
 إذا تنفست يوما في العمر بعيدا عنه
 فإنني نادم على ذلك الوقت وتلك الساعة
وإذا أسعدني الوقت يوما مع الصديق في الخلوة  
أضع العالمين تحت قدمي وأرقص طربا  
ياللعجب أيها الأحباب أي طائر أنا إذا أطير وأنا في البيضة
فانا بكليتي عشق وروح في جسم من الماء والطين
إلا يا شمس تبريز إنني ثمل في هذه الدنيا   
بحيث لا يداويني شيء سوى السكر التسول
  
ويقول أيضا :
كل من اطلع على سرنا
قل له افتح عينيك وسارع ألينا  

ثم يتابع القول :
ضع كأس الخمر على كتفي حتى  
اخلع هذا الدلق الأزرق اللون   
ولو كان ذلك سببا لسوء السمعة عند العقلاء
ولكنا لا نطلب حسن السمعة ولا سوءها
لا نطلب الطاعة ولا العهد ولا الصلاح مني أنا ثمل 
فإنني اشتهرت بتجرع كؤوس الشراب من يوم السبت 
إنني من تلك أللحطة التي توضأت فيها من ينبوع العشق  
كبرت التكبيرات الأربع على كل ما في الوجود
لا تطلب منا سوى طاعة المجانين  
فإن شيخ مذهبنا يرى العقل ذنبا 
لا تطلب منا الصلاح والتوبة والتقوى يا حافظ 
لأنه لا يوجد أحد في الخليع والمجنون صلاحا   
إذا كنت من مريدي طريق العشق فلا تفكر في سوء السمعة 
فقد رهن شيخ صنعان الخرقة في بيت الخمار     
ما أحلى وقت ذلك القلندري اللطيف إذا كان له   
في أطوار السيرة ذكر تسبيح الملائكة في حلقة الزناد 
كان لي دلق يستر مائة عيب مني  
فالخرقة صارت رهنا للخمر والطرب وبقي لي الزنار
أنا الذي طرق طريق التقوى في الليالي بالدف والصنج 
فإذا أظهرت رأسي الآن فماذا يكون                     
ما قيمة دلق حافظ
اصبغه بالخمرة ثم جيء به من السوق وأنت جدّ سكران
لو فكرت في لوم الأدعياء ... لم تذهب عني صفة السكر والعربدة
إن زهد الإباحية المبتدئين بالتعلم طريق للمقايضة
فأي إصلاح أفكر فيه أنا الذي أصبحت فضيحة للعالم
أي شأن في المصلحة للماجن المحرق للعالم
فالعمل الذي ينبغي له التدبير والتأمل هو أمر المملكة

فأبن الفارض يوضح مدى الصعوبة التي يلاقيها المحب في حبه وربطه بالجنون فمن يختار الحب كأنه يختار الجنون فأول الحب مرض به وآخر قتل به ولكن اللذة بالموت.والسعادة الكبرى هي أن يموت المحب بالحب وهذا الموت هو الشهادة في رأي ابن الفارض وفي رأي المتصوفة جميعا.
ابن الفارض يتغنى بالخمرة الإلهية التي قد سقيها فأسكرته وأذهبت عقله وأخذته إاى حيث لا يصحو منها وهو إذ يطلب هذه الخمرة ويسعى من أجل السكر بها وإنما يبلغ منتهى السعادة واللذة وكم يتلذذ الصوفي بألمه يقول ابن الفارض :
يا أهل ودي هل لراجي وصلكم
                              طمع فينقم باله استرواحا
 مذ غبتم عن ناظري لي أنة
                              ملأت نو احي أرض مصر نواحا 
وإذ ذكرتم أميل كأنني
                              من طيب ذكركم سقيت الراحا 
وإذا دعيت إالى تناسي عهدكم
                              ألفيت أحشائي بذاك شحاحا

فابن الفارض يشرب الراح كلما ذكر الحبيب وعلى ما يبدو أن من أصول الوصال أن يعيش المريد في سكر لكي لا ينسى عهد الحبيب ولكي تبقى أحشاؤه متعلقة به لكي لا يغيب الحبيب عن ناظريه فعند غيابه يملأ أرض مصر صراخا ونواحا وبكاء ولكن ما هي هذه الخمرة التي يسعى إليها أبن الفارض ليشربها ويسعى المتصوفون إلى حاناتها ليقيموا جلسات الذكر.فعندما تكون الخمرة بقصد النسيان فالمخمور ينسى نفسه فخمرة الصوفية ليست من أجل النسيان وإنما من أجل التذكر ويصبح التذكر والحضور شيئا واحدا لأن التذكر يحصل في حالة الغياب وبقصد الاستعادة فالتذكر الصوفي تذكرة واستعادة وحضور في حالة واحدة وفي آن واحد أما خمرية أبن الفارض فهي المشهورة في الشعر الصوفي وبين المتصوفة حيث يقول فيها : (13)  
شربنا على ذكر الحبيب مدامة
                               سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم 
لها البدر كأس وهي شمس يديرها
                              هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
ولولا شذاها ما أهديت لحالها
                              ولولا ثناها ما تصورها الوهم 
ولو خصبت من كأسها كف لامس
                               لما ظل في الليل في يده النجم
 
المصدر :من كتاب الصوفية وسبيلها إلى الحقيقة- من ص 192 إلى ص205.
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: روعه      البلد: لبنان       التاريخ: 16-02-2008
جزاكم الله خيرا على هذا العمل والجمال يشمل جمال العرضي وجمال الكمال الذّي يظهر حكمه الله في هذا الوجودوالحياه شكرا

الاسم: imane      البلد: maroc       التاريخ: 21-02-2008
جزاكم الله خيرا على هذا العمل والجمال يشمل جمال العرضي وجمال الكمال الذّي يظهر حكمه الله في هذا الوجودوالحياه شكرا

الاسم: عمر الريسوني      البلد: الرباط / المملكة المغربية       التاريخ: 19-01-2011
لااله الا الله الحليم الكريم
والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين وآله الأطهار والصالحين



الشوق تذكار للقلوب واستنارته بالفرح لقرب الحبيب

فيستلذ العبد في خلوته بذكر الحبيب ويحل الأنس بالقلب لله

وعلامة المحبة تمكنها في قلب المحب وظهورها

على لسانه فاذا ألف الخلوة بمناجاة حبيبه استغرقت

حلاوة المناجاة العقل كله حتى لا يقدر أن يستوعب

ما سوى الله والنطق بالمحبة على قدر ما في القلب

منها ، وأهل التحقيق ممن جعلهم الله أهلا لتوحيده

وافراد تجريده الذابين عن ادعاء ادراك تحديده

مصطنعين لنفسه مصنوعين على عينه فألقى عليهم

محبة منه يعلمون يقينا أنه لا يمكن تحريم نعيم الله

بسبب الجهل أو فساد الادراك وأن السر والكرامة

له حقائقه في الدين كما للعقل والشرع وما يجمع بينهما

استقاء الحكمة فواحدة ، وروح من المعاني ترتقي

بهذا الدين أعلى سموا وتهذيبا للنفوس والأخلاق والعمل على اقامة

أسس هذا الدين الحق المتين على أساس من الهدى والتقى والعدل والاحسان


الاسم: عمر الريسوني      البلد: المملكة المغربية       التاريخ: 20-04-2011
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله الأطهار
وكافة المرسلين وعباده الصالحين
السعيد من عبادك من نظرت اليه يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين
تقدست وتباركت وتعاليت وأنت القريب القريب من أولياءك وأحبابك
أهل العرفان وبصراء العلم لهم معرفة بكمال رحمة الله ، فصفات الرحمة
من انعام المنعم على خلقه الذي تعرف على خلقه بتعرفاته ، ولولا أن
تعرف عليهم بصفات انعامه ما عرفوه ، وهو سبحانه الذي تعرف على كل شيء
خلقه بعلمه وتدبيره فما جهله شيء وسعته رحمته وعلمه ، ولقد سألت
الولية الصالحة رابعة أحبابها يوما سؤالا عميقا وقالت : من يدلنا على حبيبنا ؟
فأجيبها بوركت يا رابعة فانه الحبيب الذي لا يعدله حبيب الذي يتذلل له
المتذللون ويتضرع له المتضرعون من عباده وهو الذي تبارك اسمه ، واذا رأيتم العبد يكثر من ذكر
ربه فذلك من حبه لربه والله أذن له في ذلك ولم يحجبه عنه وأن هذه المعرفة قدرها
عزيز عند الله يلهمها أولياؤه فانظروا الى الكافر فهو عبد أعمى أبى أن يعرف ربه ولا يستسيغ
علما ولا يرى قربا لأنه يرى الأشياء بماديتها ، وبصيرته عمياء لا روح فيها ، ولا يرى الا
ظاهرا من الحياة الدنيا ، ولا يذكره عبد من عباد الله في نفسه الا ذكره في ملأ من
ملائكته ولا يذكره في ملأ الا ذكره في الرفيق الأعلى ، وانما الأشياء برحمة الله
يا رابعة فهو قرة العيون ومنية المشتاقين
وهو الذي يشوق أحبابه اليه وهو منتهى سرائر القلوب
اليه تتحرك الأشواق منعمة بذكره ولا تمل حلاوة
ذكره ألسنة الخاشعين ولا تكل من الرغبات مدامع
المحبين فتحننه أيقظ أشواقهم لمحبته
وهو الذي يقيمهم بصدق المحبة بين يديه ويلبسهم كسوة
من صفات رحمته بعطفه وحنانه
فتجلت فيهم معاني الحق بخلة الأحباب
فان كنت من تهوى عزيزا فتذلل تكسب عزة ، فكم عزة نالها العبد من الذل ومن
يرحم الذليل يا رابعة الا العزيز ، فمن رحمته أن ألبس عبده كسوة من صفات رحمته وحنانه
فجعله رحمة للمنقطعين وشفاء لمرضى المحبين وجعله مطهرا اذ قدسه في بحر جلاله
بزلال وصاله عن غبار الامتحان وحرزا للعصيان ويجعله
تقيا معرضا عن غيره مقبلا عليه
بنعت الشوق الشديد الممزوج بلهفة الحنين الذي يوجب له الانبساط والدلال ، وأدنى
مراتب المحبة هي حب الصورة أو الجسد بينما الحب الغامر الهامس في القلوب هي
المحبة المعرفية فالشوق تذكار للقلوب ومن صدق ظفر بمواهب الحق له بالمنن
وعلامتها كشف الغطاء واحياء القلب وتحقيق المحبة .
والمستغرق هو في شهود وغبطة بالموجود الواجب ولا حال بين العبد والمعبود الا الفرح
بالموجود الواجب والحزن على الجائز المفقود ، وكلما غلب المعنى
على الحسي كان العبد أقرب
الى الوصول ، فالله تعالى أمد عبده بمواهب ليعرف أنه الله ، والعلم كل العلم أنه الله
وهو الواجب وغيره الجائز ، فكيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر اليه ، أيكون
لغيره من الظهور ما ليس له عميت عين لا تراه رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم يجعل
له من حبه نصيبا ولم ينهل من روحه ورحمته ، وأي ران على القلوب مع ظهور أنواره .
محبكم : عمر الريسوني

الاسم: رشدي م حسن      البلد: مصر       التاريخ: 28-04-2013
اقول للساده القراء الكرام ...................ادخلو الي علم سادتنا الكبار بشيخ مربي لان البحرعميق الهمنا الله وباكم حلاوه الحب لله


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة