الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الإنجاز والإيجاز 

أيمن اللبدي
الإنجاز والإيجازعديدة ٌ تلك الملاحظات التي تتعلق بحال الفنون المشاهدة المسموعة والتي تبدأ بالمسرح وتمر بالسينما وتنتهي بالتلفاز ربما  أو كما شئت الترتيب غناء وتمثيلا وتقديما وما يؤسس لها ، ولعل حال هذه الفنون الراهن من جهة وحال الأجهزة التي ترعى هذه الفنون في معظمها من جهة أخرى لا يقل إن وضعته في مقياس لمستوى التذبذب والتردي  نتيجة عن نتيجة واقع  حال الفنون الكتابية والتشكيلية في كثير من الأوقات والأماكن ، تلك التي نلمس ونشاهد على امتداد مساحة الحرف العربي وكثافة تفاعلاته المختلفة  ، وكما يمكن للمتابع فضلا عن مواطن عربي لديه اهتمام بمثل هذا أن يلمس وبسرعة حجم هذا التشابه العجيب في المشهد العام لحالة هذه الفنون وحجم ذلك التوحد في مبررات معضلاتها ومعاناتها ، وكما لا بد أيضا لصاحب ذهن ٍ منفتح حتما أن يربط كل ذلك جملة وتفصيلا بواقع العرب والعروبة حيث أن هذه الفنون في محطة ما هي محصلة لإنجاز ترجمة فورية لحال مجتمعاتها التي تنتج والتي تتلقى أيضا.
 هذا من جانب التعميم إطلاقا ، ولكن جانب الخصوصية في الأمر هنا أن هذه الفنون المشار إليها وكذا تلك الأجهزة الإعلامية من صحف ومجلات وفضائيات بل وحتى الشبكة المعلوماتية نفسها تستقي موادها وتستند ابتداء إلى الفنون الكتابية والتشكيلية فهي المصدر الأول و المعتمد الأساس ، وكما يعنُّ لبعض من الناس التدقيق في الخواص والصفات والمسميات أيضا فإن فنون الكتابة والتشكيل هي الفنون الموَّلِدة بكسر اللام ، أما الفنون المشاهدة المسموعة فهي الفنون الموَّلَدة بفتح اللام ، فإذا كان حال المصدر حنظل إلا ما رحم ربك فإن حال النتاج أبأس وأشقى وهذا استنتاج منطقي تماما ولا أحسب الشك يأتيه من أمامه ولا من خلفه .
 وقد جمعتنا مصادفة لطيفة قبل نحو شهرين بصاحب فن مميز وخلق مميز أيضا هو الأخ العزيز  نور الشريف وهو رجل نقدر له فنا واقتدارا عاليا في الأداء وتبادر إلى ذهني أن أسأله عن واقع السينما العربية وتحديدا في مصر وقطعا أعلم أن مثل هذا السؤال يستدعي مطولات كثيرة ولكني كنت أود فعلا أن أسمع من الرجل وهو لصيق ومن أهل البيت إشارة ما تقود إلى تفاؤل أو عكسه وحيث أن الرجل ما انفك متفائلا فقد أرسل إشارة تفاؤل معللا التراجع الواقع بأنه لظروف أساسها الاقتصاد ، لكن السؤال الأهم كان حول سبب عدم وجود أعمال جديدة من وزن هارون الرشيد وعمر بن عبد العزيز ! وكانت الإجابة بسبب وفاة من كان يكتب لنور هذه الروائع ، وهذا هو ما أردته هنا شاهدا ، أي أن الفنون الكتابية مسؤولة تماما في كثير من الأوقات عن حال مستوى الفنون المرئية المسموعة لأنها من تقدم مادة العمل لها . 
 على أن ما استدعى تخصيص نافذة هذا العدد لمراقبة زاوية محددة في هذا المشهد الضبابي الكثيف هو توفر عدد خصب من جملة ملاحظات بعينها تتعرض إلى ما بعد التحصّل على الإنتاج وما هو قائم بعد ذلك من غياب الرعاية الحقيقية للنزر اليسير من التميز والإنجاز المتأتي في عدد من هذه الفنون على يدي بعض المبدعين من أبناء هذه الأمة الماجدة ، وإذا كان الحال يصدق على فنون الكتابة والتشكيل فإنه أيضا لا شك صادق على الفنون الأخرى ، والأمر لا يقف عند هذا الحد فقط بل يتعداه إلى احتفالات وحالة من الاحتفاء غير القابل للفهم في كثير من الأحيان بضد التميز في كثير من الشواهد ، وهناك عدد من المفارقات العجيبة في هذا المقام  حتى أن المتتبع للوهلة الأولى ربما ظن بمقاييس ذوقه وفكره الظنون وعمد إلى اتهام هذه المقاييس مباشرة ، ولربما أفرط فظن أنه لم يعد عصريا ولا عادت مقاييسه ربما صحيحة وهو أبسط الدرجات التي قد يقسو فيها بحكمه على ذوقه ومقاييس هذا الذوق والفهم ، ربما في ظل تناقض تلاؤمها مع هذه الضجة الكبرى من حوله .
 ولعلنا نشهد فيما نشهد مسرحية هزلة تعمد إلى توزيع حصص بعينها هنا وهناك في مهرجانات ولقاءات مختلفة هنا وهناك سنويا ، وهي تقوم بتوزيع مثل هذه الجوائز على مختلف الأصعدة ولمختلف النتاجات المستحق منها وغير المستحق ، ولا يمكن لنا بحال أن نتهم كل ما تخرج به هذه اللجان بالشطط ولكن جزءا كبيرا من أحكامها غير مفهوم ولا هو بمستساغ ، وهذا قطعا لا ينال من جهد مجتهد ولا من حرص حريص ، ولا هو نقص في بؤرة بعينها ، وهو أقرب إلى العادة منه إلى الترفع عن مغريات الانجرار وراء ما هو مطلوب ، فالحال إما توزيع حصص وكفى الله المؤمنين شر القتال ، وإما تحكيم نزيه وتنفتح أبواب السخط على من يجرؤ بمخالفة المتبع المعروف.
 وإذا ما أخذنا الفكر إلى خارج حدود حرفنا العربي أخذنا العجب اكثر مما نحن فيه والمتتبع معنا يرى تقييمات بعينها خاضعة لأهواء ومقاييس أشد مكرا وضبابية ، وقد يصاب المرء بإحباط عنيف فيركن إلى فسحة من التأمل في أحسن الأحوال إن تجاوز تلك الصدمة أو إلى حالة من الكآبة العميقة إن لم يسعفه حظه وتحمله إرادته وإيمانه بإنسانيته على تجاوز هذه المحنة القاسية على الضمائر والوجدان أيضا، ترى ماذا يحدث ؟! وهل فعلا وصلت الحالة الإنسانية إلى هذا المستوى من الانحدار ؟
 وكنا دائما نحن العرب نستسهل أن نتهم أنفسنا وربما عمدنا إلى أن نشتط قليلا فنستعذب جلد الذات والإمعان في اتهامها ، ولكن يبدو أن العدوى أو الميكروب هو أكبر وأعم ، وتخبرك اختيارات اللجان العتيدة وخذ مثلا لجوائز مثل جائزة نوبل العالمية عن مدى هذا التغييب لكل المقاييس الإنسانية والفكرية اللهم باستثناء مقاييس الأهواء الشخصية والسياسية لأعضاء هذه اللجان ومدى سيطرة المسيطرين ممن لديهم الكثير من المصالح والأولويات وعلى رأسها انحناء الهام لمصالح هؤلاء الأولى في كل ركن من هذا الكون ، وهي مصالح أبعد ما يكون عنها قيم الإنسانية قطعا.
 إذا كان هذا هو واقع جوائز الأدب والعلم فإن جوائزَ تحتفي بالفنون الأخرى وخاصة ما تقدم ذكرها هو أقسى وأشد اسودادا ذلك لأنه بالإضافة الحتمية لشبهة الأهواء تدخل عوامل أخرى أكثر رخصا وأشد سوقية ربما مما هو ملموس ويكاد لا يخفى على ذهن ولا على بصيرة، وطبعا هناك جوائز الأوسكار وما هو معروف عنها وحدث حول مثيلاتها ولا حرج ، وربما كانت جوائز الأوروبيين أقل تحيزا إذا ما أردت الحديث عن التعصب والشوفينية لدى أبناء العم سام  .
  وبالتأكيد فإن القيمة الحقيقية للجوائز مهما كانت تكمن في الجانب المعنوي لدى المبدعين في نفس الوقت الذي تكمن في جانب القيمة التسويقية عند غيرهم ممن يمنحها عرضا أو إصرارا لسبب من الأسباب ، وخطورة هذه العملية أنها إضفاء لثوب من الشرعية على تخريب هؤلاء وتزوير بليغ الأثر على الذوق العام وإضافة لمسمار على نعش الواقع المتردي للجانب الإنساني في حياة هذا الكوكب كما يرى في عصر طغيان أداة السوق وأدوات الإنتاج حتى على الجوانب الفكرية والروحية قسرا ودون تمييز لنوع المستقبل الذي سيؤدي له هكذا نهج لو استمر طويلا.
 إن خطورة الجائزة مهما كان عنوانها ومصدرها أنها تفترض أساسا أنها إعلان نتج عن ممارسة عملية نقد حقيقية ومنهجية تستند إلى شرف هذه الممارسة وهي بالتالي دعوة إلى قدوة أو اتباع في جانب منها ، وهنا ربما يتسنى فهم المعضلة والإجابة المفقودة عن السؤال المقلق لماذا الاستمرار في الانحدار اطرادا ؟ ولماذا لا تتحقق فسحة من تغيير للأفضل ؟ أنا أرى جوابا على مثل هذا السؤال هنا ولو لم يكن كل الجواب فعلى الأقل جزءا لا بأس به منه قابع في هذا الموضع ، أعطوا المستحق وحامل الإبداع فعلا لكي يبدأ تغيير حقيقي في المشهد المتهالك أو انتظروا مزيدا من الانحدارات والسفاسف.
 وعند هذا الواقع ربما سيكون الحال أفضل لو توقفت هذه المعزوفات الصاخبة غير ذات القيمة طالما أن من تحتفي به لا يعدوا ميكروبا يبشر بالفتك لا محالة بما هو قادم من مجتمعات وتجليات إنسانية فوق هذا الكوكب وليكتفي المبدعون بقيمة أعلى من كل ذلك هي احترامهم لما يقدمون ولأنفسهم وسط هذا الخضم من الأوحال الغزيرة.
المصدر :- موقع أيمن اللبدي .
http://www.allabadi.com/fann4.htm
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: haithamhanafi      البلد: damaskos sirya       التاريخ: 30-01-2011
ابقوا علما ومنبرا لهذه الامه وشكرا لكم


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة