الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
العلاج بالضوء
العلاج بالضوء

تشق أشعة ليزر طريقها في شتى حقول الطب بثبات وثقة. فمنذ اكتشاف هذا النوع من الأشعة في أواخر الستينات، اهتمت مراكز البحث الطبي بالاستفادة من هذه الأشعة الفريدة. ومن استمرار البحث الطبي والاهتمام بأشعة ليزر، تتضح كل يوم مجالات جديدة لاستخدام هذا الضوء في العلاج.
على السطور التالية نستكشف أهم الاستخدامات الجديدة لأشعة ليزر في العلاج الطبي. كلمة ليزر Laser لفظة أوائلية، مكونة من الحروف الأولى لاسم هذا النوع من الأشعة باللغة الإنكليزية. فالاسم الأم (الكامل) باللغة الإنكليزية هو Light Amplification by Stimulated Emission of Radiation. وباللغة العربية يكون: «تكثيف الضوء بحثّ انبعاث الإشعاع». (عند أخذ الحروف الأولى من كل كلمة في التسمية الإنكليزية ثم ضم هذه الحروف معاً، تتكون كلمة Laser). اكتشف أشعة «ليزر» عالم الفيزياء الأمريكي «ثيودور ميمان» Theodore Miman، في عام 1969. وكان توليد الأشعة على يدي «ميمان» من «الياقوت» ruby. ثم اتضح فيما بعد أنه يمكن توليد أشعة ليزر من المادة في حالاتها الثلاث: الصلابة والسيولة والغازية. أي يمكن توليدها من مادة صلبة مثل الياقوت، أو سائلة مثل الأصباغ العضوية (أي المحتوية على عنصر الكربون) أو من غاز مثل غاز ثنائي أكسيد الكربون. أشعة «ليزر» توصف بأنها «متجانسة» coherent. بغض النظر عن المادة المستخدمة في توليدها. ومعنى تلك الصفة (التجانس) أن جميع الأشعة الصادرة عن مادة بعينها يكون لها طول موجة واحد ودرجة شدة واحدة. إلا أن ذلك لا يعني ضمناً أن أشعة ليزر لها طول موجة ثابت كائنة ما كانت المادة المستخدمة في توليدها. إذ يختلف طول موجة الأشعة، وكذا لونها ودرجة شدتها من مادة إلى أخرى. ولكن الأشعة الصادرة عن أي مادة واحدة تكون لها خصائص ثابتة. عند توليد أشعة ليزر، يمكن إطلاقها من جهاز التوليد على هيئة شعاع دقيق (أي نحيل جداً). وبعض الأجهزة الحديثة يمكن من إطلاق الشعاع على هيئة ومضات خاطفة، تستغرق الومضة الواحدة منها جزءاً من مليون جزء من الثانية الواحدة! (بعض الأجهزة الأحدث يمكنها إطلاق ومضات من أشعة ليزر بمعدل ألف مليون ومضة في الثانية الواحدة!). والتحكم في شعاع ليزر على هذا النحو له فوائد جليلة عند التطبيق الطبي. أساس استخدام أشعة ليزر في حقل الطب هو أنها ضوء مكثف. ولأن الضوء صورة من صور الطاقة، فإن أشعة ليزر طاقة عالية. وعند تسليط الأشعة على الخلايا الحية، تنتج درجة حرارة عالية وموضعية ـ أي في الموضع الذي تسلط عليه الأشعة فحسب وليس في الجسم كله. تؤدي درجة الحرارة العالية إلى تبخير السوائل الموجودة في الخلايا وإلى تخثر البروتينات. (معظم مادة الخلايا الحية من البروتينات). وهو ما يسمى طبياً «تفحم الخلايا» cellular charring. وعلى الرغم من أن الخلايا المتفحمة تعتبر خلايا مدمرة (أي ميتة) إلا أن التفحم ليس احتراقاً. ويمتص الجسم بقايا الخلايا المتفحمة (البروتينات المتخثرة) ويبني مكانها خلايا جديدة في أسابيع قليلة.

في حقل العيون
تستخدم أشعة ليزر في طب العيون على نطاق واسع بسبب الخصائص المميزة للأشعة الفريدة. إذ يمكن توجيه شعاع ليزر إلى موضع لا يتجاوز حجم طرف دبوس الإبرة، مما يمكن من معالجة الموضع المصاب في العين دون تلف يذكر للخلايا المحيطة به. أهم استخدام لأشعة ليزر في طب العيون هو علاج أمراض الشبكية، خصوصاً تلك الناشئة عن مرض «البول السكري». إذ يؤدي البول السكري غير الخاضع للعلاج إلى مضاعفات خطيرة في العينين، تتمثل في حدوث نزيف من الشعيرات الدموية في شبكية العين، يعقبه تجلط (تخثر) الدم، وفي تكوين أوعية دموية جديدة، وفي ارتشاح سوائل من الأوعية الدموية المتهتكة. ولأن شبكية العين هي الطبقة في العين المكونة من خلايا عصبية حساسة للضوء، فإن تلك التغيرات المرضية في الشبكية تؤدي إلى تدهور تدريجي في حاسة الإبصار، قد ينتهي بالعمى. قبل اكتشاف أشعة ليزر، كانت تعالج تلك التغيرات المرضية في شبكية العين بتسليط شعاع ضوئي قوي من مصباح خاص يستخدم فيه الغاز الخامل أو النادر «زينون» xenon. والهدف من تلك الأشعة هو إحداث تخثير (تدمير) في الخلايا المريضة في الشبكية، على أمل أن تنمو خلايا جديدة (صحيحة) مكان تلك التي أتلفها المرض. بيد أن تلك الأشعة لا تقارن بأشعة ليزر، إذ تفتقر إلى كثير من خصائص أشعة ليزر. فبينما يؤدي استخدام شعاع «زينون» إلى إتلاف خلايا حية مجاورة للخلايا المريضة، فإن شعاع ليزر يمكن تسليطه فحسب على الخلايا المراد تدميرها دون إتلاف الخلايا المجاورة. لأغراض علاج أمراض الشبكية، يستخدم غاز «أرجون» argon لتوليد أشعة ليزر، التي تتميز في هذه الحالة بلون أخضر مائل إلى الزرقة (أو أزرق مائل إلى الخضرة). وقد أظهرت مئات محاولات العلاج بأشعة ليزر جدوى هذه الطريقة، وقيمتها الأكيدة في منع حدوث العمى التام. (جدير بالذكر أن مضاعفات البول السكري متى بدأت في الحدوث فلا سبيل إلى إيقافها، وإنما ينصرف الجهد الطبي إلى علاجها. لذلك فالأولى بالمريض أن لا يدخر وسعاً في التداوي قبل حدوث مضاعفات). من أمراض العيون الأخرى التي تفيد أشعة ليزر في علاجها، ارتفاع ضغط العين (أو ما يسمى «جلوكوما» glaucoma). إذ تتعطل في هذه الحالة دورة سائل العين بسبب انسداد القنوات بين القزحية وعدسة العين، فيؤدي احتباس سائل العين إلى ارتفاع الضغط فيها. وتشيع هذه الحالة بين كبار السن، حيث تنسد القنوات تدريجياً على فترات زمنية طويلة (عدة سنوات) بحيث يكون ارتفاع ضغط العين تدريجياً. ويترتب على ذلك تدهور القدرة على الإبصار تدريجياً. والمعروف أن ارتفاع ضغط العين من أكثر أسباب فقدان البصر التدريجي شيوعاً، ومن أكثرها قابلية للعلاج، خصوصاً عند اكتشاف العلة في وقت مبكر. (لا يكون الارتفاع التدريجي في ضغط العين مصحوباً بألم، ولكنه يسبب تدهوراً في القدرة على الإبصار، يعزوها المريض إلى التقدم في العمر فيهمل المراجعة الطبية!). ويعتبر استخدام أشعة ليزر في علاج هذه الحالة بديلاً للجراحة وللعلاج التقليدي بقطرة العين (حيثما تعذرت الجراحة). إذ يمكن عمل ثقوب (فتحات) دقيقة بين العدسة والقزحية، باستخدام ومضات أشعة ليزر التي تطلقها الأجهزة الحديثة. وتكون هذه الثقوب الدقيقة بديلاً للقنوات المسدودة، بحيث يعود سائل العين إلى دورته الطبيعية، فيستعيد المريض قدرته على الإبصار. (ارتفاع ضغط العين المزمن يؤدي إلى ضمور أنسجة العين، وهذا يسبب بدوره تدهور حاسة الإبصار). أما إعتام عدسة العين (أو ما يسمى «كاتاراكت» cataract) والذي يتطلب في أغلب الحالات علاجاً بالجراحة، فهو أحدث استخدامات أشعة ليزر في طب العيون. إذ يمكن باستخدام الأشعة إحداث فجوة (أو شق) في محفظة العدسة بحيث تمتص مادة العدسة المعتمة مع مرور الوقت. وهذه الطريقة تغني عن جراحة استخراج (أو استئصال) العدسة المعتمة من العين. عادة تعالج أمراض العيون المذكورة بأشعة ليزر تحت تخدير موضعي. وقد لا يحتاج العلاج إلى أكثر من جلسة واحدة، كما في حالة ارتفاع ضغط العين. ولا توجد مضاعفات تذكر لهذا النوع من العلاج، على النقيض من المضاعفات العديدة للعلاج الجراحي. (لأسباب طبية أو فنية أو (تقنية) قد يتعذر علاج بعض الحالات بأشعة ليزر).

أمراض النساء
سرطان عنق الرحم من أنواع السرطان الشائعة عند النساء، ولا يسبقه على القائمة إلا سرطان الثدي. وقد أظهر البحث الطبي أن سرطان عنق الرحم يكون مسبوقاً بتحور في الخلايا الطلائية المبطنة لهذا الجزء من الجهاز التناسلي عند الأنثى. وظاهر من البحث الطبي كذلك أن إزالة تلك الخلايا أو عنق الرحم بأكمله، قبل نشأة السرطان فيها، يحول دون الكوارث المرتبطة بالسرطان، والمتمثلة في انتشار المرض الخبيث إلى أعضاء أخرى من الجسم، وفي القضاء على المريض ببطء ولكن دون رحمة! قبل أشعة ليزر، كان العلاج المطروح هو الاستئصال الجراحي، مع ما يترتب عليه من مضاعفات الجراحة. لذلك فإن إدخال أشعة ليزر إلى مجال علاج تحور الخلايا الطلائية المبطنة لعنق الرحم يعتبر انتصاراً كبيراً على السرطان. يستخدم غاز ثنائي أكسيد الكربون لتوليد أشعة ليزر المستعملة في هذه الحالة. وعادة يتم العلاج بالاستعانة بمنظار خاص، بعد حقن المريضة بمخدر موضعي. ويكون العلاج في جلسة واحدة تستغرق دقائق قليلة. وتصل نسبة النجاح إلى خمسة وتسعين في المائة. في الأجهزة الحديثة تولد أشعة ليزر من عنصر «نيوديميم» neodymium بدلاً من ثنائي أكسيد الكربون. وسبب ذلك أن شعاع ليزر الناتج عن غاز أكسيد الكربون منظور لمسافة قصيرة، الأمر الذي يجعل استخدامه محدوداً. كما أن الشعاع الناتج عن عنصر نيوديميم يخترق الأنسجة بدرجة أكبر من شعاع ليزر الناتج عن غاز ثنائي أكسيد الكربون. وهذا مفيد في علاج تحور الخلايا الطلائية في عنق الرحم، حيث يلزم تدمير الخلايا المتحورة إلى عمق عشرة ملليمترات لتحقيق أفضل النتائج. توليد أشعة ليزر من عنصر نيوديميم فتح آفاقاً جديدة لعلاج أمراض النساء بالضوء. فعند بعض النساء يحدث نزيف شديد من بطانة الرحم أثناء الدورة الشهرية، إلى الحد الذي يمكن أن يؤدي إلى فقر دم مزمن بسبب كثرة الدم المفقود كل شهر. وبسبب إخفاق العلاج الطبي لهذه الحالة، كان الحل المطروح هو الاستئصال الجراحي للرحم. وهذه جراحة كبرى لها مضاعفاتها الجراحية والنفسية. إلا أن أشعة ليزر أتت بحل مثالي يوفر على المريضة عناء الجراحة ومضاعفاتها. إذ يمكن باستخدام شعاع ليزر الناتج عن نيوديميم كي (تخثير أو تدمير) بطانة الرحم، دون اللجوء إلى استئصاله. ويكفي هذا النوع من العلاج لإيقاف النزيف من الرحم. وقد جرب العلاج بأشعة ليزر في الولايات المتحدة، بنسبة نجاح بلغت خمسة وتسعين في المائة. ويجري في الوقت الحالي في مدينة «غلاسجو» في بريطانيا بحث مستفيض للنظر في استخدام أشعة ليزر في علاج حالات أخرى عند النساء.

استخدامات أخرى
يستخدم شعاع ليزر الناتج عن غاز ثنائي أكسيد الكربون في علاج أمراض الحلق، مثل إزالة الأورام الصغيرة، وحلمات الأحبال الصوتية التي قد توجد عند بعض الأطفال. وتعتبر أشعة ليزر في هذا الحقل أفضل بكثير من الجراحة. إذ تكون الجراحة مصحوبة بنزف دموي شديد بسبب غنى تلك المنطقة من الجسم (الحلق) بالأوعية الدموية، بينما تؤدي أشعة ليزر إلى التحام الأوعية الدموية المسببة للنزيف، نتيجة قدرة الأشعة على تخثير الخلايا الحية. كما أن الألم في الحلق بعد العلاج بأشعة ليزر أقل من الألم بعد الجراحة التقليدية. وقد أجريت دراسات على استخدام شعاع ليزر المولد من نيوديميم على علاج قرحة المعدة والاثني عشر. كما تجرى حالياً دراسات لتقييم استخدام أشعة ليزر في علاج أورام الأوعية الدموية والحالات المشابهة. فضلاً عن ذلك، هناك اتجاه متزايد نحو استخدام أشعة ليزر كبديل للمبضع (المشرط) في العمليات الجراحية التقليدية. يضاف إلى الاستخدامات الطبية الجديدة لأشعة ليزر مكسب من نوع آخر، هو زيادة شعبية العلاج بالضوء السحري، باعتباره وسيلة مأمونة من وسائل العلاج وبتكلفة معقولة. ولا يزال المستقبل مفتوحاً أمام استخدامات أكثر للعلاج بأشعة ليزر.

المصدر :- مجلة الكويت.
http://archive.kuwaitmag.com/index.jsp
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: محمدصالح      البلد: سوريا       التاريخ: 21-09-2009
شكرا جزيلا وجزاكم الله خير الجزاء


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة