الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الإحساس بقيمة الآيات الكونية 

الكونـ لكي يتحقق الإحساس بقيمة الآيات الكونية لابد من أربعة أمور هي :
1ـ لابد أن تشعر بالمقارنة بين البشر وبين الكون ، أو بين البشر وبين الكرة الأرضية ، أو بين البشر وبين الشمس مثلا ، وهذه المقارنة من حيث الحجم ومن حيث القدرة ، فمن حيث الحجم يتبين مدى ضآلة حجم الإنسان بالنسبة إلى حجم الكرة الأرضية أو الشمس أو الكون ، ومن حيث القدرة فالشمس تستطيع أن تبتلع الكرة الأرضية بمن عليها من البشر ومثلها مليون مرة ، والزلازل والبراكين والعواصف والفيضانات وغيرها تستطيع أن تنسف آلاف البشر في لحظة واحدة ، والبشر يعيشون في خطر دائم ومن الممكن أن ينسفوا في لحظة ، والبشر جميعا محمولون على كرة تطير بهم في الفضاء وكأن الكرة الأرضية تفعل بهم ما تشاء فهي أعظم في حركتها وسرعتها من قدرة البشر ، والإنسان لا يستطيع أن يصنع ماء أو هواء أو جبل ولا يستطيع أن يصنع ذبابة التي أحقر الحشرات ، بل إنه لا يستطيع أصلا أن يصل إلى شيء من مليارات الكرات الأرضية ( الكواكب ) في مليارات المجرات ، بل إن النجوم الموجودة في السماء على ضخامتها مجرد زينة ، ومليارات الكرات الأرضية موجودة بلا بشر فالإنسان يفتخر بالأرض التي عليها ويظن أنها ملكه فما هي بشيء أمام الكواكب الأخرى : (( لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أكبر مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ))(1) .
2ـ ثم تشعر بالمقارنة بين عظمة الكون وعظمة الخالق ، فإذا كان الكون عظيما إلى هذه الدرجة فما بالك بعظمة الخالق ، فالكون ما هو إلا مخلوق لا حول له ولا قوة ، ففي الحديث : (( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ))(2) ، وفي حديث آخر : (( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة ))( 3) .
3ـ ثم تشعر بالمقارنة بين ضآلة البشر وعظمة الله ، فإذا كانت قيمة البشر ضئيلة أمام عظمة الكون ، فما بالك بقيمة البشر أمام عظمة الله وقدرته وهيمنته عليه .
4ـ فينشأ عن ذلك الشعور بالخوف والخضوع والحب والرجاء .
ـ إذن من لم يعرف عظمة الكون بالمقارنة مع قدرات الإنسان وإمكانياته لم يعرف عظمة الخالق وضعف الإنسان .
ـ إن نظرة واحدة متأملة في الكون وحقائق الأشياء قد تضع في النفس من الإيمان ما يغير حياة الإنسان مائة وثمانين درجة ، مثلا كأن ينظر إلى الكرة الأرضية وهي هباءة بين الأجرام فيعرف الإنسان معرفة حقيقية بضآلة حجمه ، في حين لو تعلم الإنسان كل علوم الدين والدنيا طوال عمره فلن يتكون في نفسه شيء من مشاعر الإيمان ( خوف المهابة والحب وخوف العقاب ورجاء الثواب والخضوع ) .
ـ ونوضح ذلك من خلال الأمثلة التالية :
ـ مثال (1) :
ـ هل تصدق أننا نعيش وسط النجوم ؟! ، نحن نعيش وسط النجوم وهذا الأمر يحتاج إلى تصور ذهني وتخيل لمكان الكرة الأرضية بالنسبة للنجوم ، فالكون عبارة عن فضاء تسبح فيه نجوم هائلة العدد ، وكل نجم تدور حوله بعض الكواكب ، ومن بين هذه النجوم والكواكب الهائلة العدد في الكون يوجد نجم اسمه الشمس وكوكب اسمه الأرض ، فكوكب الأرض هو كرة معلقة في الفضاء يحيط بها النجوم من كل اتجاه ، فالنجوم ليست فقط فوق الأرض ولكنها تحيط بالكرة الأرضية من كل اتجاه .
ـ إذن نحن نعيش في الفضاء على ظهر كرة تسبح بنا في الفضاء وحولنا النجوم من كل اتجاه ! .
ـ تخيل لو أن الكرة الأرضية لم تعد معلقة في الفضاء وسقطت فأين تذهب ؟ ، إن تحت الكرة الأرضية فضاء ونجوم ! .
ـ عندما صعدت سفن الفضاء في الفضاء البعيد التقطت صورة للأرض وحولها الشمس والنجوم ، فكانت الأرض عبارة عن نقطة زرقاء باهتة وسط النجوم ( والصورة التوضيحية تبين ذلك ) .
ـ إن هذه الدنيا التي نعيشها بكل ما فيها ليست إلا حياة ضئيلة جدا موضوعة على نقطة زرقاء باهتة وسط الفضاء والنجوم ، فالأرض ومن عليها من البشر مجرد جزء صغير جدا من منظومة كبيرة جدا هي الكون حيث هناك إله يحكم هذا الكون ويتحكم فيه كيف شاء وكل هذا الكون ملك له ، فيتكون شعور بضعف البشر وعجزهم وشعور بمدى عظمة هذا الكون واتساعه فلا يقدر البشر على إيجاد شيئا منه ولا التحكم فيه وبالتالي الشعور بمدى قدرة وعظمة خالق الكون .
ـ مثال (2) :
ـ تصور وضعك مع حركة الأرض حول نفسها ، وحدوث الليل والنهار ، فهذا يؤدي إلى الشعور بأن هناك قوة أعلي من الإنسان تفعل به ما تشاء ، وتؤدي إلى الشعور بضآلة الإنسان ، وبالتالي الشعور بالاستسلام  والخضوع للخالق .
ـ تخيل لو أنك كنت بالليل وقمت بعمل ثقب في الكرة الأرضية فسيصل إليك نور الشمس ! .
ـ مثال (3) :
هل تصدق أن هناك نارا هائلة جدا معلقة في الفضاء وأننا ندور حولها مثلما يدور الفراش حول النار المشتعلة ؟! ، إن الشمس عبارة عن كتلة من النار هائلة مشتعلة في الفضاء ونحن الآن ندور حولها على ظهر مركبة فضائية تطير بنا في الفضاء المظلم هي الأرض في رحلة تستغرق عام كامل ، ففي اللحظة التي تقرأون أنتم فيها هذه السطور تدور الأرض في مدارها حول الشمس في رحلة طولها 950 مليون كم نقطعها في سفر سنة ثم تبدأ من جديد دون توقف ، وحر الصيف وبرد الشتاء يحدث بسبب اقترابنا أو بعدنا عن نار الشمس أثناء هذه الرحلة .
فنحن نسير الآن بسرعة 108 ألف كيلو متر في الساعة ( 30 كم في الثانية ) ، ويمكنكم أن تعرفوا ضخامة هذه السرعة على النحو التالي : إن أقصى سرعة يمكنكم أن تصلوا إليها عند قيادة سيارة عادية هي 200 كيلو متر، يعني أن الأرض تدور حول الشمس بسرعة تبلغ 540 مرة بحجم سرعة السيارة ، ويمكن أن نفهم الأمر بشكل أوضح من خلال هذا المثال أيضا : فسرعة الرصاصة تبلغ 1800 كيلو متر في الساعة ، وسرعة الأرض في دورانها حول الشمس تبلغ 60 مرة حجم سرعة الرصاصة•فبسرعة الأرض الهائلة هذه ، تكون قوة جاذبية الشمس غاية في الأهمية ، فلو أنه حصل نقص في قوة جاذبية الشمس فإن الأرض تضيع في الفضاء بسرعة غير عادية ، وذلك يمثل نهايتها ، والعكس أيضا صحيح ، بمعنى أنه لو حدثت زيادة في قوة جاذبية الشمس فإن الأرض تتجه نحو الشمس بسرعة هائلة وتذوب وتتبخر ، وبالتأكيد فنحن أيضا سوف نتبخر معها ، ولو كانت جاذبية الأرض أقل مما هي عليه الآن لطاشَ كلّ شيء ولطشنا نحن أيضا في الفضاء .
ـ فنحن الآن نطير في الفضاء حول هذه النار في دورة كل عام ، إن في هذا شعور بالرهبة والخوف ، والشعور بأن هناك قوة أعلي من الإنسان تفعل به ما تشاء ، وغياب الإحساس بقدر مدى ضآلة الإنسان ، وبالتالي الشعور بالاستسلام  والخضوع للخالق .
ـ مثال (4) :
ـ عندما صعد العلماء إلى القمر رأوا الأرض صغيرة وكأنها القمر بالنسبة لهم ، تخيل نفسك هناك علي سطح القمر وتشير إلى الأرض من بعيد: هناك بيتي وأولادي وأهلي في انتظاري حتى أعود ، إن الآخرة مثل ذلك ، وانظر كيف أن الأرض كرة معلقة في الفضاء ! .
ـ مثال (5) :
ـ الضوء يقطع المسافة بيننا وبين أقرب نجم إلينا في مدة أربع سنوات وربع ، ومنها ما يبعد عنا مسافة يقطعها الضوء في مائة سنة ، ومنها ما يسافر منها الضوء إليها في ألف سنة ، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في مدة مليون سنة ، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في (340) مليون سنة ، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في مدة ملايين السنين !! [ سرعة الضوء (300) ألف كيلومتر في الثانية ] : (( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ))(4) .
ـ وأيضا تأمل أن الفضاء كله ظلام ، والنور موجود فقط في قشرة طفيفة على الأرض ، وتدبر أن الكون لا نهاية له ، وهذا مضاد وخارق للأسباب التي يعرفها الإنسان ، وهذا يعني أن هناك من يستطيع خرق الأسباب .

ـ الفرق بين التصديق النظري والتصديق الحقيقي بالحقائق العلمية  :
ـ إذا علم الإنسان حقائق علمية مثل اكتشاف أن الأرض كرة معلقة في الفضاء أو دوران الأرض حول نفسها أو دورانها حول الشمس ، وكل هذه أمور عجيبة ومذهلة وأعجب من السحر ولكن لا يشعر بخطورتها إلا من كان له إحساس بقيمة هذه الحقائق العلمية .
ـ فإذا لم يشعر الانسان بالتعجب والتحير ويشعر بضآلة الإنسان أمام عظمة هذا الكون وأنه أشد ضآلة أمام خالق الكون فيشعر بالخضوع والاستسلام لله فإنه بذلك يكذب بمشاعره أن الأرض كرة في الفضاء أو أنها تدور حول الشمس ، وذلك رغم التصديق النظري التام بكل الحقائق العلمية ، فهو يتغافل عن خطورة هذه الأمور ويتجاهلها وهو في الحقيقة لا عقل له .
ـ إذن فالذي يتعامل مع هذه الحقائق العلمية كمعرفة نظرية فقط هو في الحقيقة يُكَذِّبْ بهذه الحقيقة غير موقنا بها يقينا حقيقيا ، فهو يتغافل ويتجاهل هذه الآيات من آيات الله الدالة عليه ، فإذا كان تعامله كذلك مع كل ما يعرفه ويراه من آيات الله من أرض وسماء وزرع وجبال وكائنات فهو قد كفر بآيات الله رغم يقينه النظري التام بآيات الله تعالى أي أنه لا يوقن بها يقينا حقيقيا .

الهوامش :-
(1) - غافر : 57.
(2) - تحقيق الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 8125 في صحيح الجامع .
(3) - التخريج : صحيح ( السلسلة الصحيحة  ج : 1 ، ص : 223 ، برقم : 109 )
(4) - الواقعة : 75، 76.
المصدر :- كتاب هل أنت حي أم ميت ؟! للدكتور حسني البشبيشي .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: هجيرة      البلد: الجزائر       التاريخ: 16-11-2013
الاستدلال بشواهد اكثر


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة