الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
حلاوة الإيمان

حلاوة الايمانبقلم علم الدين ثامر فاضل الهاشمي
عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) عن سيدنا النبيّ (( صلى الله عليه وسلم )) قال : من سرّه أن يجد طعم الإيمان ، فليحب المرء لا يحبه إلا لله عزّ وجل .[1]
قال العلماء : معنى حلاوة الإيمان استلذاذه الطاعات وتحمله المشاق في رضا الله ورسوله ، وإيثار ذلك على عرض الدنيا .
ومحبة العبد لله سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك مخالفته وكذا محبة رسول الله ((صلى الله عليه وسلم )) . 
عن أنس ( رضي الله عنه ) عن النبيّ (( صلى الله عليه وسلم )) قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر ، كما يكره أن يقذف في النار .[2]
لا تصح محبة الله تعالى ورسوله حقيقة وحب الأدمي في الله ورسوله (( صلى الله عليه وسلم )) وكراهته الرجوع في الكفر ، إلا لمن قوي بالإيمان يقينه واطمأنت به نفسه وانشرح له صدره وخالط لحمه ودمه وهذا هو الذي وجد حلاوته .   
قال القاضي عياض ( رحمه الله تعالى ) : والحب في الله من ثمرات حب الله ، وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب .
ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها ، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقاً .
وهذه المعاني كلها متصورة في النبيّ (( صلى الله عليه وسلم )) لما جمع من جمال الظاهر والباطن وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعيم والإبعاد من الجحيم .    
وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصور في حق الله تعالى ، فإن الخبر كله منه سبحانه وتعالى ، قال مالك وغيره : المحبة في الله تعالى من واجبات الإسلام .
أي : من كان الله ورسولهُ ( برفعهما ) أحبَ إليه ( بالنصب على أنه خبر كان ) مما سواهما . يعم ذوي العقول وغيرهم من المال والجاه وسائر الشهوات .
وأن يحب المرء . أي وثانيتها : أن يحب المرء ، وفي رواية لمسلم : من كان يحب المرء لا يحبه إلا لله . استثناء مفرغ أي لا يحبه لغرض وعرض وعوض ولا يشوب محبته حظ دنيوي ولا أمر بشر ، بل محبته تكون خالصة لله تعالى فيكون متصفاً بالحب في الله وداخلاً في المتحابين لله .
وأن يكره . أي ثالثتها : أن يكره أن يعود في الكفر أي يرجع أو يتحول ، وقيل : أن يصبر بدليل تعديته بفي على حد أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا الأعراف / 88 ، فيشمل من لم يسبقه له كفر أيضاً .
وقال الإمام النووي ( رحمه الله تعالى ) : قوله : يعود أو يرجع . معناه يصير ، وقد جاء العود والرجوع بمعنى الصيرورة ، وأن يُقذف ( بصيغة المجهول ) أي يلقى . [3]  
وعن أنس بن مالك ( رضي الله عنه ) : قال رسول الله ((صلى الله عليه وسلم)) : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين .[4]
فلا يكون المؤمن مؤمناً حتى يقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق ، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله .
والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات ، قال الله تعالى : قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ التوبة / 24 ، وقال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ آل عمران / 31
فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه ، أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله ويكره ما يكرهه الله ورسوله ، ويرضى ما يرضي الله ورسوله ، ويسخط ما يسخط الله ورسوله ، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض ، فإن عمل بجوارحه شيئاً يخالف ذلك ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه ، دل ذلك على نقص محبته الواجبة ، فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة .
قال أبو يعقوب النهرجوري : كل من ادعى محبة الله تعالى ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطل ، وكل محب ليس يخاف الله فهو مغرور .
وقال يحيى بن معاذ : ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده .
وسئل رويم عن المحبة فقال : الموافقة في جميع الأحوال ، وأنشد : ولو قلت لي مت متّ سمعاً وطاعة ، رجاء لداعي الموت أهلاً ومرحباً .
ولبعضهم :
تعصي الإله وأنت تزعم حبه     هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته        إن المحب لمن يحب مطيع

فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله ، وقد وصف الله عزّ وجل المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه الكريم ، فقال تعالى :
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ القصص / 50 ، وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء ، وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه .
وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعاً لما جاء به الرسول (( صلى الله عليه وسلم )) ، فيجب على المؤمن محبة الله ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموماً ، ولهذا كان من علامات وجوده حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وتحريم موالاة أعداء الله ومن يكرهه الله عموماً ، وبهذا يكون الدين كله لله ومن أحب لله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ، ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصاً في إيمانه الواجب ، فيجب عليه التوبة من ذلك والرجوع إلى إتباع ما جاء به الرسول (( صلى الله عليه وآله وسلم )) من تقديم محبة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومراداتها كلها .
قال وهيب بن الورد : بلغنا والله أعلم أن موسي ( عليه السلام ) قال : يا رب أوصني . قال : أوصيك بي . قالها ثلاثاً حتى قال في الأخرى : أوصيك بي أن لا يعرض لك أمر إلا آثرت فيه محبتي على ما سواها ، فمن لم يفعل ذلك لم أزكه ولم أرحمه .
والمعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق أنه الميل إلى خلاف الحق ، كما في قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ص / 26 ، وقال تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) النازعات وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقاً فيدخل فيه الميل إلى الحق وغيره ، وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه .
وعن صفوان بن عسال قال : جاء أعرابي جهوري الصوت قال : يا محمّد ، الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم . فقال رسول الله (( صلى الله عليه وسلم )) : المرء مع من أحب [5]. ولما نزل قوله تعالى   تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ الأحزاب / 51 .
وفي حديث سيّدتنا عائشة ( رضي الله عنها ) للنبيّ (( صلى الله عليه وآله وسلم )) قالت : ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .[6]
وقال سيّدنا عمر ( رضي الله عنه ) في قصة المشاورة في أسارى بدر : فهوى رسول الله (( صلى الله عليه وآله وسلم )) قال أبو بكر ولم يهو ما قلت [7]. وهذا كله مما جاء في استعمال الهوى بمعنى المحبة المحمودة ، وكلام مشايخ القوم وإشاراتهم نظماً ونثراً يكثر في هذا الاستعمال ، ومما يناسب معنى الحديث من ذلك قول بعضهم :
إن هواك   الذي      بقلبي      صيرني سامعاً مطيعا 
 أخذت قلبي وغمضُ عيني    سلبتني النوم والهجوعا
فذر فؤادي وخذ رقادي        فقال : لا بل هما جميعا[8]
وذكر بعضهم في تفسير قوله تعالى وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ المدثر / 4 ، أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي ( نفعنا الله تعالى ببركاته ) قال : رأيت رسول الله (( صلى الله عليه وسلم )) في النوم ، فقال : يا أبا الحسن طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله تعالى في كل نفس . فقلت : يا رسول الله وما ثيابي ؟ قال : إن الله كساك حلة التوحيد ، وحلة المحبة ، وحلة المعرفة . قال : ففهمت حينئذ قوله تعالى وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ .
لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية والهمم العالية وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية .[9]  

الهوامش :-

[1] - رواه أحمد : ج2 / 298 .
[2] - صحيح البخاري : ج1 / 14 .
[3] - تحفة الأحوذي : ج2 / 312 ، 313 .
[4] - صحيح مسلم : ج1 / 67 .
[5] - سنن الترمذي : ج4 / 596 .
[6] - صحيح البخاري : ج4 / 1797 .
[7] - صحيح مسلم : ج3 / 1385 .
[8] - جامع العلوم والحكم : ج1 / 389 ، 390 .
[9] - السيرة الحلبية : ج1 / 424 .

المصدر :- مشاركة من الكاتب .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: نور عدنان      البلد: العراق /بغداد       التاريخ: 25-10-2010
وفقنا الله وإياكم لكل خير وبارك في شيخنا الحاضر محمد الكسنزان ونسأل الله ان يننصر من نصر الدين قال تعالى (وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم)صدق الله العظيم اللهم ثبت اقدامنا على الصراط المستقيموإياكم اللهم امين


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة