الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا



في آداب المريد مع الشيخ ح3


محمد بن أحمد

ومن شرط المريد أن لا يبقى في نفسه مقدار لشيء إلا لشيخه خاصة ، ويجب على المريدين أن لا يدخلوا على الشيوخ ولا يقعدوا بين أيديهم إلا على طهارة ظاهراً وباطناً مسلمين مستسلمين هكذا شأنهم ، وكان الشيخ أبو مدين  يقول ما دخلت في ابتداء حالي على شيخ حتى أغتسل وأطهر ثوبي وعصاي وجميع ما علي وأطهر قلبي من علومي ومعارفي وحينئذ أدخل فإن قبلني وأقبل علي فتلك سعادتي وإن أعرض عني وتركني فالعيب مني والشؤم علي .
ومن آداب المريدين أنهم إذا شاهدوا عاصياً في حال عصيانه ثم زال عن تلك المعصية فإنهم لا يعتقدون فيه الإصرار ويقولون لعله تاب في سره أو لعله ممن
لا تضره المعصية لاعتناء الباري في عاقبة أمره ،
ولا يعتقدون في أحد سوء البتة ، ولا يعيرون أحداً
ولا يشمتون به ، ومن ظن أن نفسه خير من أحد من غير أن يعرف مرتبته ومرتبة ذلك الأخير بالغاية لا بالوقت ، فهو جاهل بالله مخدوع لا خير فيه ، ولو أُعطي من المعارف ما أُعطي ، ولم يكن هذا من شأن القوم رضي الله عنهم .
 وكل من دخل على شيخ ليختبره فهو جاهل فإن الشيوخ لا يختبرون البتة
ولا يطلب منهم الكلام على هواجس النفس وإنما يراد منهم ما ذكرناه من معرفة الأمراض والأدواء لا غير ذلك والمكاشفات أحوال المريدين لا أحوال العارفين فأدب المريد مع الشيخ أن يكون مسلوب الاختيار
لا يتصرف في نفسه وماله إلا بمراجعة الشيخ وأمره .
 وفي مجلسه ينبغي أن يلزم السكوت ولا يقول شيئاً بحضرته من كلام حسن إلا إذا استأذن الشيخ ووجد من الشيخ فسحة له في ذلك وشأن المريد في حضرة الشيخ كمن هو قاعد على ساحل البحر ينتظر رزقاً يساق إليه فتطلعه إلى الاستماع وما يرزق من طريق كلام الشيخ يحقق مقام إرادته وطلبه واستزادته من فضل الله ، وينبغي أن يكون إلى مشتبه من أحواله ليستكشف عنه بالسؤال من الشيخ ، على أن الصادق لا يحتاج إلى السؤال باللسان في حضرة الشيخ بل يبادئه بما يريد لأن الشيخ يكون مُسْتَنطَقاً نَطَّقهُ الحق وهو عند حضور الصادقين يرفع قلبه إلى الله ويستمطر ويستسقي لهم فيكون لسانه وقلبه في القول والنطق مأخوذين إلى مهم الوقت من أحوال الطالبين المحتاجين إلى ما يفتح عليه لأن الشيخ يعلم تطلع الطالب إلى قوله واعتداده به كالبذر يقع في الأرض فإذا كان البذر مفسوداً لا يريع ، فأحسن أحوال المريد مع الشيخ السكوت والخمود والجمود حتى يبادئه الشيخ بما فيه الصلاح قولاً وفعلاً ، وينبغي للمريد أن لا يحدث نفسه بطلب منزلة فوق منزلة الشيخ ، بل يحب للشيخ كل منزلة عالية ، ويتمنى للشيخ عزيز المنح وغرائب المواهب ، وبهذا يظهر جوهر المريد بحسن الإرادة فإرادته للشيخ تعطيه فوق ما يتمنى لنفسه ويكون قائماً بأدب الإرادة ، فمن لزم الأدب يبلغ مبلغ الرجال ، فهكذا ينبغي أن يكون المريد مع الشيخ .
ولا ينبسط برفع الصوت وكثرة الضحك وكثرة الكلام إلا إذا أبسطه الشيخ ، والوقار إذا سكن القلب عقل اللسان ، وقد ينازل بعض المريدين من الوقار مع الشيخ مالا يستطيع المريد أن يشبع من النظر إلى الشيخ .
قال السهروردي قدس الله سره وقد كنت أحم ( اصاب بالحمى )، فيدخل علي عمي وشيخي أبو النجيب السهروردي فيرشح جسدي عرقاً وكنت أتمنى العرق لتخف الحمى عني وكنت أجد ذلك عند دخول الشيخ علي ويكون في قدمه بركة وشفاء وكنت ذات يوم في البيت خالياً وهناك منديل وهبه لي الشيخ وكان يتعمم به فوقع قدمي على المنديل اتفاقاً وتألم باطني وهالني الوطئ بالقدم منديل الشيخ وانبعث من باطني من الاحترام
ما أرجو بركته .
وقال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى لم أدخل على الأستاذ أبي علي الدقاق وقت بدايتي إلا صائماً وكنت أغتسل قبله ، وكنت أحضر باب مدرسته غير مرة فأرجع من الباب احتشاماً منه أن أدخل عليه فإذا تجاسرت مرة ودخلت كنت إذا بلغت وسط المدرسة يصحبني شبه خدر حتى لو غرز فيَّ إبرة مثلاً لعلي كنت لا أحس بذلك ، ولا أذكر أني في طول اختلافي إلى مجلسه ثم كوني معه بعد حصول الوصلة جرى على قلبي أو خطر ببالي عليه اعتراض إلى أن خرج رحمه الله من الدنيا . وصحب رجل رجلاً مدة ثم بدا لأحدهما المفارقة فاستأذن صاحبه فقال بشرط أن لا تصحب أحد إلا إذا كان فوقنا وإن كان أيضاً فوقنا فلا تصحبه لأنك صحبتنا أولاً ، فقال الرجل زال من قلبي المفارقة .
ووجد حاشية من كلام القرطبي المفسر رضي الله عنه قال من لم تجتمع برؤيته لم تنتفع بصحبته ، ومن لم يأخذ كلام شيخه بالقبول خرج نور الاقتداء من قلبه ، ومن لم ير شيخه نائباً عن الحق فيما يأمره به لا يصل إلى الحق ، ومن تأدب مع شيخه يَسُرَ عليه الأدب مع الحق ، آدابك في مجالسة شيخك جمع همتك وإصغاء سمعك ، كل من أهله الحق لمعرفته أخرج له عالماً يقتدي به ، من مات شيخه قبل كماله تعين عليه لقاء المشايخ ، لا ينبغي للمريد كتمان حاله عن شيخه فإن فعل ذلك فقد خانه والله لا يحب الخائنين ، من خطر بباله اتهام شيخه على أحواله عظمت محنته ، ومن سافر عن شيخه قبل تمكن أحواله تفرقت همته وانقطع . شيخك من دلك على الحق وعرفك بابه . شيخك من ينزل إليك ليعرفك . شيخك المتصرف في ذاتك المشرف على حركاتك ، انتهى كلام القرطبي .
قال ابن عطاء الله رحمه الله تعالى : لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله،  ثم الشيخ إذا شكا إليه مريد من أخيه فله أن يعاتب أيهما شاء فيقول للمعتدي لم اعتديت وللمعتدى عليه ما الذي أذنبت حتى اعتدي عليك وسلط مثلك عليك وهل لا قابلت نفسه بالقلب رفقاً بأخيك وإعطاء للفتوة والصحبة حقها فكل منكما جان وخارج عن الجمعية فيرد إلى الدائرة  ويعود إلى الاستغفار
ولا يسلك طريق الإصرار .
 روت عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله   يقول :( اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا ،  وإذا أساءوا استغفروا) .
وقال السهروردي : قال ابن عطاء في قوله لا ترفعوا أصواتكم زجر عن الأدنى لئلا تخطىء أحد إلى ما فوقه من ترك الحرمة .
قال سهل بن عبد الله :
لا تخاطبوه إلا مستفهمين .
 وقال أبو بكر بن طاهر :
لا تبدؤه بالخطاب ولا تجيبوه إلا على حدود الحرمة ،
ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ، أي :
لا تغلظوا له في الخطاب ،
ولا تنادوه باسمه يا محمد
يا أحمد كما ينادي بعضكم بعضاً ، ولكن فخموه واحترموه وقولوا يا نبي الله يا رسول الله .
قال السهروردي ومن هذا الخطاب يكون حال المريد مع الشيخ فحق المريد عمارة الظاهر والباطن بالأدب مع الشيخ وينبغي للمريد كلما اشكل عليه شيء من حال الشيخ يذكر قصة موسى عليه السلام  مع الخضر يفعل شيئاً ينكره موسى عليه السلام فإذا أخبره الخضر عليه السلام بسره يرجع موسى عليه السلام عن إنكاره ، فما ينكره المريد لقلة علمه بحقيقة ما يوجد من الشيخ فللشيخ في كل شيء عذر بلسان العلم والحكمة ، سأل بعض أصحاب الجنيد مسألة من الجنيد فأجابه ، فعارضه في ذلك ، فقال الجنيد : وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون .
وقال بعض المشايخ : من لم يعظم حرمته من تأدب به حُرِمَ بركة ذلك الأدب ، وقيل من قال لأستاذه لِمَ  لا يفلح .
 ومن الأدب أن لا يكتم عن شيخه شيئاً من أحواله ومواهب الحق عنه وما يظهر له من كرامة وإجابة ويكشف للشيخ عن حاله
ما يعلمه الله منه وما يستحي من كشفه يذكره إيماءً وتعريضاً فإن المريد متى
ما انطوى ضميره على شيء ولا يكشفه للشيخ تصريحاً أو تعريضاً يصير على باطنه منه عقدة في الطريق وبالقول مع الشيخ تنحل العقدة وتزول .
قال الشيخ جبريل الخرمابادي رحمه الله ويتعين ربط القلب بالشيخ من طريق الإرادة والمحبة والمحكومية فتعلم أنك في حمايته وولايته وظل رعايته في جميع الأوقات متمسك بهذه الطريقة بأمره وإرشاده والله تعالى يحفظ أوقاتك وأحوالك بواسطته ويكون باطنك متوجهاً إليه فالأصل اتصال الباطن وقوة الرابطة حتى لو قام أرواح الأولياء بأسرها أن يتصرفوا فيك لا تمكنهم لئلا تصير من قبيل مذبذبين بين ذلك .
وإياك أن تعترض عليه في شيء من أقواله وأفعاله وتنظر لها بالإرادة وحسن الظن وتراعي الأدب ظاهراً وباطناً فإنهم قالوا الاعتراض على الشيوخ سم قاتل ، وإن رأيت من الشيخ ما يتراءى عندك أنه غير مشروع فاتهم نفسك واحمله على قصور علمك ونظرك فإن الشيخ يكون له فيه دليل وبرهان قصر فهمك عن إدراكه ، واعلم أن الشيخ أولى برعاية الشريعة منك وأشد اهتماماً به من غيره وكلما خطر لك شيء من هذا الجنس تذكر قصة موسى والخضر عليهما السلام ليندفع الاعتراض والحق أنك لو طلبت لصحته وجهاً وتفكرت لظفرت به غالباً ولكن النفس لا تساعدك على هذا بل تغطي عليك وجه الصحة وإن كان واضحاً بيناً وتلقنك وجه الفساد ، وتزيِّنه وإن كان خفياً ضعيفاً لتستوفي حظها ، فلو صدر منك ذلك الفعل بعينه أقمت على صحته دلائل مثل الجبال الرواسي وتساعدك النفس فيه ، وفوق ما ذكرنا من الاعتراض أن يكون مسلماً بالظاهر معترضاً بالقلب فتنقطع الرابطة ويقع بينه وبين الشيخ مفارقة معنوية فلا ينفعه التسليم باللسان مع وجود الإنكار في الباطن إذ الرابطة أمر معنوي لا يتعلق باللسان وإنما يتعلق بالقلب فإذا تمكن الإنكار فيه زال اتصال الباطن والمحكومية وهذا هو المعنى من الرابطة فلا يبقى بين قلب المريد وقلب الشيخ علاقة فينسد طريق الفيض الذي كان يصل إلى قلبه من قلب الشيخ فلا يسري إلى باطنه من أحوال الشيخ ، وينقطع عنه مدد الشيخ فيكون بعيداً عن الشيخ في الحقيقة وإن كان قريباً ، فكم بينه وبين من يكون بعيداً في الصورة قريباً في الحقيقة هيهات ، ورب بعيد الدار غير بعيد ، ويكفيك قصة أويس وثعلبة فإن أويساً لم تحجبه المسافة الصورية عن الحضرة النبوية لكمال يقينه ومحبته وحتى قال فيه سيد المرسلين محمد  (إني أجد نفس الرحمن من جانب اليمن وثعلبة لم يشم رائحته مع وجود الصحبة) حتى قال له رسول الله  (ويح ثعلبة ثم ويح لثعلبة ، ومثل هذه الصحبة لا تزيد إلا شقاوة على شقاوة) ، ورداً على رد فيعود الأمر على موضوعه بالنقض ، ومثل هذا المريد يكون مع الشيخ باللسان وبالقلب مع النفس والشيطان فيدخل تحت صاحب القميصين لا يجد حلاوة الإيمان فيعد من جملة الخداعين والمنافقين في الطريقة ، والمريد إنما يتعلق بإرادة الشيخ ليتخلص من الكفر الباطني ويشفى من المرض الخفي القلبي وإلا فهو مسلم شرعاً لا شك في إسلامه ، والمعترض بالقلب المسلم بالظاهر يزيد مرضاً على مرضى فمثله كمثل من سقاه الحكيم شيئاً من المشروبات فاستعمل برأيه عقيبه شيئاً تناوله بعد ذلك المشروب من السموم القاتلة فمن الملوم ؟ وإذا حققت وجدت ترك الاعتراض على الشيخ وقاية ترك الاعتراض على الله تعالى لأنه إذا كان مسلماً للشيخ مطيعاً لحكمه ظاهراً وباطناً فإن حصل عليه خاطر الاعتراض على الله تعالى فالشيخ يخرجه عن هذه الورطة بحسن تربيته وإرشاده وإن كان في قلبه نوع إنكار واعتراض على الشيخ فإن وقع في مضيق الاعتراض على الله تعالى كيف يخرج عنه ؟ ومن يأخذ بيده ؟ فيحصل غرض النفس إذ مقصودها من الاعتراض على الشيخ غير أن تنقطع الرابطة فإذا أدخلت عليه خاطر الاعتراض على الله تعالى وأراد الشيخ أن يعبره عن هذه العقبة لا ينفذ فيه تصرفه ولا ينجع كلامه فيه فيزل قدم المريد وينحرف عن جادة الطريقة إذ الثبات ليس إلا بقوة ولاية الشيخ ومحكومية المريد ، فيكون الأمر كما تحب النفس وتشتهي .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة