الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
ضوابط تغيير المنكر

 

د. علي جمعة مفتي الديار المصرية

إن كلمة المنكر تشمل المكروه والمحرم فكل منها ينكره الشرع وإن كان المكروه لا عقاب عليه في كراهة التنزيه وعقابه أخف من الحرام في كراهة التحريم وإنكار المكروه الأول مندوب لا واجب .
أما المعروف الذي يؤمر به فهو يشمل الواجب والمندوب وإن كان ترك المندوب لا إثم فيه وترك الواجب فيه إثم فالأمر بالواجب واجب والأمر بالمندوب سنة .
وشرط المنكر أن يكون ظاهراً بغير تجسس لأن الله عز وجل نهى عن التجسس وأمر الستر ولا يجوز التجسس حتى للإمام الحاكم والمحتسب المأذون له في تغيير المنكر كما قال الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية إلا إذا غلب على ظنه واستسرار قوم بالمعصية لأمارة وآثار ظهرت ولو لم يتجسس لانتهكت حرمة يفوت استدراكها كما لو أخبر ثقة بخلو رجل برجل ليقتله وهنا يجوز التجسس حتى لغير المحتسب .
ومن شروط إنكار المنكر أن يكون المنكر بغير اجتهاد فلا ينكر الأمر المختلف في حرمته وكراهته مثلاً لأن كل مجتهد مصيب كما هو المختار عند أكثر المحققين لكن يندب الإنكار إذا لم يترتب عليه محظور حتى لو كان محتسباً له سلطة فلا يحمل الناس على ما يوافق مذهبه هو ما دام الأمر فيه خلاف ومن هنا نرى خطأ كثير من الجهال في الحماس الشديد لإنكار مكروه أو أمر مندوب أو لما فيه خلاف من الأحكام .
فلقد قال النبي () لمن سأله عن الفرائض فأقسم ألا يزيد عليها ولا ينقص : أفلح إن صدق ولم ينكر عليه تركه للتطوع .
إن بعض المنكرين والآمرين بالسنة يرتكبون آثاماً عندما لا يستجاب لهم منها هجر المخالفة ومخالفته ومخاصمته فوق ثلاث ليال وهذا محرم بالحديث الصحيح المعروف .
ومنها أيضاً عدم إلقاء السلام وعدم زيارته أو عيادته في مرضه أو معونته عند الحاجة ولهذا يفوت عليه ثواب كبير بل قد يجر ذلك إلى غيبته أو الدس والوقيعة به أو إيذائه في ماله أو منصبه إذا كان يملك ذلك .
وهكذا يفوت الجهل على الجاهل خيراً كثيراً ويوقعه في آثام ما كان أغناه عنها لو أنه عرف أصول الدعوة إلى الله .
ولقد صدقت فراسة باب مدينة العلم الإمام علي  فكم وكم أثقل كاهل هذه الأمة العالم المتهتك والجاهل المتنسك ومن هنا نوجه النصح إلى الخطباء والوعاظ والموجهين عامة :
ألا ينكروا على الناس أمراً لم يجمع على أنه منكر بل الطريق الأمثل أن يكون فيه حوار هادئ تستبين فيه وجهة النظر وألا يشتطوا في الانتصار لمذهبهم وتخطئة من لا يقول بمثل قول أحدهم فإن في ذلك تعصباً والتعصب ممقوت وفيه بلبلة لأفكار العامة حين يسمعون من خطيب شدة الإنكار على أمر ومن خطيب آخر عدم الإنكار عليه فضلاً عن الدعوة إليه وفيه زعزعة لثقة الناس بالعلماء وقد يلجئون إلى مصادر أخرى يزدادون بها حيرة وبلبلة فيكون ذلك سبباً للانحراف الذي يجب أن نحول دونه .
وإذا كنا نوجه هذا العمق العلمي المطلوب في المسائل الدينية :
فعليه ألا يثير جدلاً حول هذه الآراء غير المجمع عليها وألا يتشبث لمجرد الهوى وانتصاراً للنفس بفكره على أنه هو الصواب وحده وما بعده خطأ .
ونؤكد الوصية بأن يكون المتصدى للدعوة العامة واسع الأفق مطلعاً على المذاهب والآراء المختلفة فالعلم الناقص علم منحرف وهو شر على صاحبه وعلى من يأخذون عنه وعلى المجتمع بأسره . وفي المعرفة الصحيحة والاطلاع الواسع راحة للنفس وهدوء للأعصاب وحل لكثير من المشكلات المعقدة والقضايا المستعصية وصون للوحدة من التفت وللمجتمع من الضياع وفرصة لإظهار سماحة الإسلام وعطائه الثرى الدائم الذي يصلح للتطبيق في كل زمان ومكان .
إن الجمود على رأي من الآراء غير القاطعة يجعل الإسلام منعزلاً وسط هذا العصر المملوء بالتيارات والآراء والمبتكرات الجديدة التي أفادت منها الإنسانية كثيراً . فما دامت الأصول الثابتة للدين قائمة فهي العمد الأساسية التي يقوم عليها بناء الإسلام وما الفروع إلا مكملات يمكن أن تتغير فيها وجهات النظر بقصد زيادة الدين كمالاً فوق كمال أو على الأصح بقصد إظهار ما فيه من كمال أصيل ينبغي إبرازه بصورة تتناسب مع العصر .
ومما يجدر أن نذكر به : أن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد في أدائه من الحكمة والموعظة الحسنة وإن اقتضى الأمر المجادلة فيجب أن تكون بالتي هي أحسن كما قال تعالى : ادع إلى سبيل ربك . . بالتي هي أحسن   وقال النبي () : إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغداة والروحة و.. الدلجة   وفي رواية سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا فلن يشاد الدين أحد إلا غلبه الدين فلا تشددوا على أنفسكم وإن خير الأعمال أدومها   فلنستوعب هذا التوجيه النبوي الكريم واستعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في وقت نشاطكم وفراغ قلوبكم بحيث تستلذون العبادة ولا تسأمون وتبلغون مقصودكم كما أن المسافر الحاذق يسدد في هذه الأوقات ويستريح فيصل إلى مقصده بغير تعب .
ولقد نعى الإسلام على المتشددين الذين بتشددهم ينفرون الناس من الدين لأنهم بهذا يحرفون الحقائق من حيث لا يعلمون . ولقد روى ابن مسعود (رضي الله عنه) أن النبي () قال : هلك المتنطعون   قالها ثلاثاً والمتنطعون هم المتشددون في غير موضع التشديد ولقد كان رسول الله () يتعهد الصحابة بالموعظة مخافة السآمة عليهم وهذا منهج عظيم في التربية العلمية والأخلاقية الإسلامية وعن أبي عبيد الله جابر بن سمرة () قال : أصلي مع النبي () الصلوات فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً ، فهو (:صت::) المعتدل في الصلاة لا يطيل فيمل الناس وفيهم الضعيف والمريض وصاحب الحاجة ولا يتعجل بحيث يفقد الصلاة خشوعها وخضوعها وتهذيبها .
وبين الإفراط والتفريط يقع المخطئون في الخطأ فإنهم مرحلة دقيقة لأنها المرحلة المستقيمة التي يسير عليها أتباع رسول الله () . وعن ابن عباس (رضي الله عنه) قال : بينما النبي (() يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا : أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي () : مروه فليستظل وليتكلم وليقعد وليتم صومه   وعن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنه) عنها أن النبي () دخل عليها وعندا امرأة قال : من هذه ؟ قالت : فلانة تصلي بالليل تذكر من صلاتها قال : مه عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا وكان أحب الدين إليه ما داوم صاحبه عليه   . وصدق الله العظيم : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر
بشرى النبي () لأمته بأنها لن تشرك من بعده أبداً لقد ابتلى المؤمنون في هذه العصور الأخيرة بمحن وبلايا وزلازل نفسية شديدة حتى شك المنافقون والذين في قلوبهم مرض في وعد الله الكريم بالنصر والتأييد لأهل الحق وقالوا : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا . ولكن المؤمنين الصادقين ما زادهم ذلك إلا إيماناً وتسليماً ونوراً وثباتاً وطمأنينة وفرحاً وسروراً بثواب العاملين وجوائز الصادقين ورضي رب العالمين ورضي سيد المرسلين () وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . ومن أعظم تلك المحن ما يجري على الساحة اليوم من تكفير ونقد وردود تحولت إلى عناد شخصي وانتصار ذاتي وعداء ظاهر وانتهاك للأعراض والحرمات وتلمس للمعائب وتتبع للعورات والهفوات ونشر للعثرات وستر للفضائل والخيرات . يقول الأستاذ الدكتور طه جابر فياض الأستاذ السابق للفقه وأصوله في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية : بدأنا نرى شبابً ينتسبون إلى السلفية وآخرين ينتسبون إلى أهل الحديث وفريقاً ينتسبون إلى المذهبية وآخرين يدعون اللامذهبية وبين هؤلاء وأولئك تتبادل الاتهامات المختلفة من التكفير والتفسيق والنسبة إلى البدعة والانحراف والعمالة والتجسس ونحو ذلك مما لا يليق بمسلم أن ينسب أخاه إليه بحال فضلاً عن أن يلعنه للناس بكل ما لديه من وسائل غافلين أو متغافلين عن أن ما يتعرض له الإسلام من محاولات استئصال أخطر على الأمة من تلك الخلافات وإذا كان للأئمة المجتهدين أسباب أختلاف تبرر اختلافهم وتخفف منها وتساعد على وضعها ضمن ضوابط الاختلاف فإن أرباب الاختلاف من المعاصرين لا يملكون سبباً واحداً من أسباب الاختلاف المعقول فهم ليسوا بمجتهدين وكلهم مقلدون بمن فيهم أولئك الذين يرفعون أصواتهم عالياً بنبذ التقليد ونفيه عن أنفسهم وأنهم يأخذون الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة دون تقليد وهم في الحقيقة يعكفون على بعض كتب الحديث ويقلدون كاتبيها في كل ما يقولون في الحديث ودرجته ورجاله ويتابعونهم في كل ما يستنبطونه من تلك الكتب أو ينقلونه من الفقهاء .
ومن عجب أن غاية ما يفعلونه هو تقليد علمائهم ممن يدعون الاجتهاد في الفقه والحديث وترك تقليد الأئمة السابقين إذ تراهم ينقلون مثلاً الحديث وترك تقليد الأئمة السابقين إذ تراهم ينقلون مثلاً الحديث وحكم العلماء السابقين عليه تصحيحاً أو تضعيفاً ثم يؤيدون ذلك بكلام المعاصرين وينقلونه قضية مسلمة لا شك فيها أليس هذا هو التقليد بعينه ؟ بل هو التقليد الأعمى فإنها لا تعمى الأبصر ولكن تعمى القلوب التي في الصدور   ثم قال الأستاذ الدكتور الفياض وكثير منهم من ينتسب لنفسه العلم بالرجال ومعرفة مراتب الجرح والتعديل وتاريخ الرجال وهو في ذلك لا يعدو أن يكون قد درس كتاباً من كتب القوم في هذا الموضوع أو ذاك فأباح لنفسه أن يعتلى منبر الاجتهاد وحق له أن يتعالى على العباد .
وحرى بمن نال نصيباً من العلم أن ينهاه علمه عن أن يكون من الجاهلين وأن يرتفع عن توزيع الألقاب واتهام الناس ويدرك خطورة ما تتعرض له عقيدة الأمة فيعمل على الذب عنها ويحرص على جمع القلوب وما دام الجميع يقلدون ويأخذون عن أئمتهم أقوالهم على اختلافهم وإن زعموا غير ذلك فلا أقل من أن يلتزموا بآداب الاختلاف التي في كنفها تربى كرام الأئمة من السلف ولما كان الإيمان والكفر محلهما القلب ولا يطلع على ما في القلوب غير الله سبحانه وليست كل القرائن الظاهرة تدل يقيناً على ما في القلب فأكثر دلالتها ظنية والإسلام نهى عن اتباع الظن في أكثر من نص في القرآن والسنة وطلب الحجة والبرهان على الدعوى وبخاصة في العقائد وتطبيقاً لذلك نعى على اسامة بن زيد قتله لرجل ألقى إليه السلام وأمر بالتبين فقال سبحانه : يا ايها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيا الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام . .  إن الله كان بما تعملون خبيراً   . وقد كرر الأمر بالتبين لأهميته .
هذا موقف النبي () من ذلك موضح في شرح النووي على صحيح مسلم ج – 2 ص 106 بخصوص القصاص والدية والكفارة وقال الله تعالى في حادثة أخرى : يا ايها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ . . ما فعلتم نادمين   ويقول النبي () إذا كفر الرجل أخاه باء بها أحدهما   وفي رواية أيما امرئ قال لأخيه يا كافر باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه   وفي رواية أخرى من دعا رجلاً بالكفر وقال : عدو الله وليس كذلك إلا حار أي رجع عليه   ويقول أيضاً () : ثلاث من أصل الإيمان : الكف عمن قال لا آله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بجهل   إن الكافر الحقيقي من انعقد قلبه على الكفر واقتنع به ولا شبهة له وهو من قال الله فيه : ولكن من شرح بالكفر صدراً   أي اقتنع به واستراح له .
ومن المعلوم أيضاً أن الحدود تدرأ بالشبهات ومنها عقوبات لا تصل إلى درجة القتل فكيف نتعجل بالحكم على رجل بالكفر دون أن نتأكد منه ؟ !
نسب إلى الإمام مالك (رضي الله عنه) أنه قال : من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهاً ويحتمل الإيمان من وجه حمل على الإيمان .
ويقول سيدنا عمر (رضي الله عنه) : إن ناساً كانوا يؤخذون بالوحى في عهد رسول الله () وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه ولم نصدقه إن قال إن سريرته حسنة .
وعن أبي سعيد الخدري قال : بعث علي (كرم الله وجهه) وهو باليمين إلى النبي () بذهبية فقسمها على أربعة فقال رجل : يا رسول الله اتق الله فقال () ويلك أولست أحق أهل الأرض أبن يتقى الله ؟ ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد : ألا أضرب عنقه ؟ فقال () : لا لعله أن يكون يصلي   فقال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه يا رسول الله ، فقال () : إني لم أومر أم أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم   .
ولقد قال رسول الله () في شأن الأخذ بظواهر المسلمين وحسن الظن بهم : من شهد ألا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم   ونهى () عن قتال من لهم مسجد أو يؤذن فيهم فعن أنس (رضي الله عنه) قال : كان رسول الله () إذا غزا قوماً لم يغز حتى يصبح فإذا سمع آذاناً أمسك واذا لم يسمع آذاناً أغار بعدما يصبح .
وفي رواية سمع () رجلاً يقول الله أكبر الله أكبر فقال على الفطرة ثم قال الرجل : أشهد أن لا آله إلا الله فقال () : خرجت من النار   .
وعن عصام المزني قال : كان النبي () إذا بعث السرية يقول : إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم منادياً فلا تقتلوا أحداً   . يقول الشوكاني : فيه دليل على جواز الحكم بالدليل لكونه () كف عن القتال بمجرد سماع الآذان وفيه الأخذ بالأحوط في أمر الدماء لأنه كف عنهم في تلك الحال مع احتمال ألا يكون على الحقيقة .
فهل غابت هذه النصوص عمن يسارعون إلى الحكم بالكفر على الناس على الرغم من وجود الظواهر التي تجعل الإنسان يتحرج عن إساءة الظن بهم فضلاً عن أن يرمى مجتمعهم كله بالكفر وفيه المساجد مفتوحة والآذان مرفوع بأعلى الأصوات ؟ هدانا الله جميعاً سواء السبيل . ولله الدرجة ابن القيم حيث يقول :
ولهم نصوص قصروا في فهمها
فأتوا من التقصير في العرفان
الكفر حق الله حق رسوله
لا بالهوى أو برأي فلان
من كان رب العالمين وعبده
قد كفراه فذاك ذو كفران
ولعل من أسباب صبغة عقول هؤلاء بالفساد وإصرارهم على العناد هو اعتقادهم بقول من ضل فأضل وأفتى بالقول بوجوب الاجتهاد وتحريم التقليد على كل واحد وهذا القول يجافي المعقول قبل أن يخالف المنقول فإن الناس خلقوا على درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الله وإنما العلم بالتعلم وهذا الوجود مبنى على أن الصغير يرجع إلى الكبير والجاهل يرجع إلى العالم والضعيف يرجع إلى القوي وقد قال () : قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإن شفاء العي السؤال   قاله () في قوم أفتوا مجروحاً أن يغتسل ويغسل جرحه ولا يتيمم فمات .
وقال تعالى : ولو ردوه إلى الرسول أو أولي الأمر منهم الذين يستنبطونه منهم   وقال أيضاً : فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون   فعله الأمر بالسؤال هي الجهل والأمر المقيد بالعلة يتكرر بتكررها ومعلوم أن العلماء كانوا وما زالوا يستفتون فيفتون ويتبعهم الناس ثقة بدينهم وأمانتهم ولمزيد معرفتهم حتى شاع ذلك وملأ البقاع ولم ينكره أحد فكان إجماعاً .
ولو أوجبنا على كل واحد أن يؤهل نفسه للأخذ من الكتاب والسنة وهذا مما لا يجب لأدى الأمر إلى إبطال المعايش والصنائع ولكان تكليفاً بما لا يطاق . يقول تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة . . . لعلم يحذرون   . فهذه هي سنة الله في البشر أن يرجع الناس في كل شيء إلى العارفين به المتخصصين فيه ولو لم يفعلوا ذلك لأختلت أمورهم وفسد نظامهم ولأصبح العالم فوضى ولكان الهلاك أسرع إليه من السلامة .
وانظر لو اجتهد كل إنسان برأيه في الطب أو ذهب المريض إلى من لا يحسن علاجه فماذا تكون النتيجة ؟ وكيف يكون الحال إذا ألقينا الأمور إلى الجهال الأغرار أو الجبناء الأغمار أو خولنا كل أحد حرية الرأي ورسم الخطط لإدارة الأوطان والدفاع عنها ؟ أفلا تكون النتيجة خراب البلاد وهلاك العباد ؟ وقديماً قالوا ثلاث بهم ذهاب العمران :
أنصاف العلماء : يخربون الأديان
أنصاف الساسة : يخربون الأوطان
أنصاف الأطباء : يخربون الأبدان .
وقل مثل ذلك في التجارة والزراعة وفي كل حرفة من الحرف وصنعة من الصنائع وها أنت ذا ترانا إذا أردنا طبيباً لمرض من الأمراض لم يقنعنا أن نذهب إلى طبيب عام بل نذهب إلى الطبيب المختص بذلك الفرع الذي وجه عنايته إليه علماً منا بسعة العلم وأن الأمور تشتبه وأن الجهل غريزة في البشر والضعف طبيعة في الإنسان وشعوراً بأنه لا يكاد يخلص من سلطان الوهم وظلمات المشكلات والمتشابهات إلا من قتل العلم بحثاً وأحاط بمناجي التفكير خبراً .
هذا كله مركوز في الطباع يعرفه الجاهل والعالم والصغير والكبير والرجل والمرأة فليت شعري هل أصبحت الشريعة أهون من ذلك كله ؟ وفيها ما فيها من الأسرار الدقيقة والمشكلات الخفية . والمتعارضات القوية والمرجحات المختلفة والمنسوخات المتروكة والمطلقات المقيدة والعمومات المخصصة والمفاهيم المعطلة والمجملات التي قد يخفى بيانها والظواهر التي تخفى إشارتها وتبعد غايتها ومواقع الإجماع والاختلاف ومباحث القياس المتشعبة ومسالك العلل الخفية وقوادحها المترامية إلى أقوال الصحابة المتعددة وآرائهم المعتمدة والصحابة رضي الله عنهم أجمعين كلهم عدول وأسوة حسنة وما يحتاج إليه ذلك كله من دقة الفهم وإصابة الرأي وأهلية الحكم وسعة الأطلاع وطول الباع بعد معرفة اللغة العربية وفنونها إلى آخر ما ذكره الفقهاء في مباحثهم الطويلة العريضة ولا سيما شروط الاجتهاد فلا بد إذا من الرسوخ في جميع الأبواب والإحاطة بمظانها وما عسى أن يكون فيها من مقيد ومخصص ومعارض ومرجح إلى غير ذلك وإن من أول شروط الاجتهاد نور البصيرة وصفاء الذوق وقوة الإخلاص وشدة الخوف والمراقبة واتهام النفس الذي يبعث على شدة التحري ومزيد الاحتياط ولا يكفى في ذلك سعة العلم ولا كثرة الاطلاع .
وكم قد رأينا من كبار الحفاظ من هو أكثر حديثاً من بعض المجتهدين ولكن لم يسمح له دينه أن يدعى الاجتهاد علماً منه بأنه لم يخلق له ولا وجد فيه استعداده الذي يعرف به روح الشريعة في كل شيء وذوقها في أحكامها ومراميها وقد قالوا : إن المحدث كالصيدلي والمجتهد كالطبيب والفقيه كالطبيب والعالم كالصيدلي . والحمد لله فقد حفظ الله هذه الأمة على لسان نبيها () من أن تتردى في براثن الشرك الأكبر منذ أن عرفت معنى التوحيد الذي جاء به رسول الله () وقد أكد رسولنا الكريم () ذلك كما بينا في كثير من الأحاديث الشريفة ونستزيد منها :
عن عقبة بن عامر () أن النبي () خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال : إني فرطكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي آلان وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي ولكن أخاف أن تتنافسوا فيها  
وعن عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) أن النبي () قال : كفوا عن أهل لا آله إلا الله ولا تكفروهم بذنب فمن أكفر أهل لا آله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب   .
عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله () : إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينهم   ونحن نجد هذا المسلك الأعوج في هذه الجماعات التي تتأول القرآن في تكفير المسلمين كإطلاقهم الحكم في قوله تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم    فيمن يزور أضرحة الصالحين أو يتوسل بهم إلى الله وكذلك يطلقون عليهم الحكم في قوله تعالى : وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى   مع أن الآيتين قد نزلتا في عبدة الأصنام من مشركي الجاهلية والأمثلة في هذا السبيل كثيرة من خلال أفكارهم التي كفروا بها من كفروا وسفكوا بها آدم من سفكوا وحاربوا بها من حاربوا حتى في بلاد الحرمين الشريفين والتي فيها قبلة المسلمين ويحكم فيها بشرع الله ولذا قال ابن عباس (رضي الله عنه) : لا تكونوا كالخوارج يؤولون آيات القرآن في أهل القبلة وإنما نزلت في أهل الكتاب والمشركين فجهلوا علمها فسفكوا الدماء وانتهبوا الأموال وشهدوا على أهل السنة بالضلالة فعليكم بالعلم بما نزل في القرآن .
ويقول الطحاوي فيمن نطق بالشهادتين : هم أهل القبلة ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك ونذر سرائرهم إلى الله تعالى وذلك لأنا قد أمرنا بالحكم بالظاهر ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به من علم .
وقال حجة الإسلام الإمام الغزالي : والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا آله إلا الله محمد رسول الله خطاً والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من آدم مسلم . هذا وقد انعقد الإجماع على منع تكفير أحد من أهل القبلة إلا بما فيه نفي الصانع القادر جل وعلا أو شرك جلى لا يحتمل التأويل أو إنكار النبوة أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة والمعلوم من الدين بالضرورة كالتوحيد والنبوات وختم الرسالة بـ محمد () والبعث في اليوم الآخر والحساب والجزاء والجنة والنار فهذا مما يكفر جاحده ولا يعذر أحد من المسلمين بالجهل به إلا من كان حديث عهد بالإسلام فإنه يعذر إلى أن يتعلمه ثم لا يعذر بعده .
   
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة