الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
مشروعية الاستعانة والتوسل والوسيلة من صريح الكتاب وصحيح السنة ح(1)


د. علي جمعة مفتي الديار المصرية
وحتى يسارع المتردد عن إقناع بالانقياد لما اجتمعت عليه الأمة والأئمة الرواد كان من المفيد إيضاح قضية النسب والإضافات بما جرت به السنة وصرحت به الآيات، ولعل من أبرز القضايا التي يجعلها أصحاب الفكر الجامد ذريعة في التكفير أو الإكفار قضية نسب الأفعال التي استأثر بها الحق سبحانه كالخلق والإيجاد والإماتة والإحياء والرزق والعطاء والتدبير والتثبيت والنصر والتأييد والحفظ والكلاءة وغيرها من أفعال الباري سبحانه ، ونسبة هذه الأفعال إلى الله بمقتضى ما هو موصوف به من الصفات الدالة عليها كالخالق والرزاق والمحيي والمميت والحفيظ والمعطي ، موضع اعتقاد جميع المسلمين .
بيد أن العبد تارة يشهد آثارها من وراء أسبابه وإمكاناته فلا يملك إلا أن يرد الأمر فيها لله ، ومن حيث نسبة الفعل إليه وتارة يشهد العبد آثارها في مظاهرها من الخلق فلا يملك إلا أن ينسبها إليه ظاهراً مع شهود أثر فعله سبحانه فيها بحكم تدبيره باطناً .
وهذا في نظر العقلاء ليس بمشرك إنما المشرك من ينسب الأمور إلى مظاهرها في الخلق جاحداً قيامها بالحق . هذا وقد دلت نصوص الشريعة باستقرائها في مواطنها من الكتاب والسنة على أن الشأن الواحد قد ينسب إلى مصدره تارة على وجه الحقيقة وهو الله رب العالمين خالق كل شيء ، وتارة ينسب إلى مظهره على وجه التسبب المجاز المبني على التخويل من قبل الله سبحانه .
لذا يجب على المسلم أن يكون عند حكمه مستوعباً لنصوص الشريعة وتأويلاتها واعتباراتها حتى لا يفكر إنسان بأمر له في الشرع وجه صحيح معتبر :
1- نسبة الخلق إلى الله لا تقوم إلا على الحقيقة المطلقة اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الزمر: 62 ، ونسبة الخلق إلى من سواه كـ عيسى (عليه السلام) فيما حكاه الله على لسانه أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ آل عمران : 49 قائمة على وجه التخويل والإذن من الله وبهذا الاعتبار قال سبحانه : فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ المؤمنون : 14.
2- ونسبة الإماتة والإحياء إلى الله لا تقوم أيضاً إلا على الحقيقة المطلقة والآيات الدالة على ذلك كثيرة .
أما نسبة الإماتة أو الإحياء إلى غيره سبحانه فلا تقوم إلا على التسبب أو التخويل فالأول كوصفنا للسم بأنه مميت والثاني كقول الله تعال : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ السجدة : 11 ، ويقول الله تعالى : مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا المائدة : 32 ، فنسبة الإحياء هنا أي في قوله : وَمَنْ أَحْيَاهَا محمول على وجه من وجوه المجاز .
3- ونسبة العطاء إلى الله لا تقوم إلا على الحقيقة المطلقة فهو سبحانه المعطي وفي حديث الصحيحين : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي .
ونسبة العطاء إلى الخلق لا تكون إلا على وجه التسبب كما في قوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ، وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى النجم : 34 ، وقوله : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى الليل : 7 .
4- ونسبة القسم إلى الله لا تقوم إلا على الحقيقة المطلقة فهو سبحانه الذي قسم
لخلق رزقه أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الزخرف : 32 ، هذا وقد نسب القسم الذي نبينا () في الحديث المذكور سابقاً وفي القرآن فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا الذاريات : 4 .
5- ونسبة الرزق إلى الله سبحانه أيضاً لا تقوم إلا على الحق المطلقة إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ الذاريات : 58 ، وقد ينسب إلى مظاهره في الخلق باعتبار أنهم متسببون فيه أو وسائل في حصوله أو تحصيله ومن ذلك قول الله تعالى : وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ النساء : 5 ، وقوله تعالى : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ النساء : 8 ، فنسب سبحانه الرزق إلى من خاطب في الآيتين على وجه التسبب ونفاه عن الخلق في جانب تأكيد الحقيقة المطلقة حيث قال جلت قدرته : وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ الحجر : 20 ، وباعتبار النسبتين قال سبحانه : وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ المائدة : 114 ، وفي السنة ورد ما يوافق صنيع القرآن فعن بريدة (رضي الله عنه) قال : قال رسول الله () : من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول .
6- ونسبة التدبير إليه سبحانه لا تكون إلا على الحقيقة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ الرعد : 2 ، ثم نراه سبحانه قد خول من هذا الأمر ما شاء لمن شاء فقال سبحانه : فالمدبرات أمراً النازعات : 5 .
7- ونسبة التثبيت إليه سبحانه لا تكون إلا على الحقيقة يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ إبراهيم : 27 ، ثم خول سبحانه ما شاء من هذا الشأن لمن قال الله في حقهم : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا الأنفال : 12 .
8- وكذلك النصر وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ آل عمران : 126 ، في جناب الحقيقة وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ الأنفال : 72 ، في جانب التسبب .
9- وكذلك الحفظ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يوسف : 64 ، في جانب الحقيقة ثم أسند الله الحفظ إلى بعض ملائكته فقال لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الرعد : 11 ، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ الطارق : 4 .
10- وقال سبحانه مؤكداً الأمر في جانب الحقيقة لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا الشورى : 50 ، وفي جانب التخويل قال على لسان جبريل : قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا مريم : 19 .
11- وقال سبحانه أيضاً في جانب تأكيد الحقيقة قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا الزمر : 44 ، ثم خول منها ما شاء لمن يريد في آيات كثيرة مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ البقرة : 255 .
12- وقال سبحانه في جانب تأكيد الحقيقة فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا فاطر : 10 ، ثم نراه سبحانه فقد ألبس من شاء لبستها فقال : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ المنافقون : 8 ، إذا كان الحق سبحانه هو مصدر كل شيء فله أن يخول ما شاء لمن شاء بمقتضى حكمته واختياره فهو مالك الملك ولكنه يؤتيه من يشاء كما في قوله : قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آل عمران : 26 .
وعليه فلا يجوز تكفير مسلم بنسبه هذه الأفعال لغير الله ما دام يعتقد أن الشأن فيها لله وحده الذي قَدَّرَ فَهَدَى الأعلى : 3 ، و رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى طه : 50 .
وقيام الاشتراك في كل هذه الأفعال لا يعني المزاحمة لله في فعله واختياره كما لا يعني المنازعة له فيما تفرد به من حكم مشيئته أو إرادته إذ لا تتحرك ذرة في الكون إلا بعلمه ولا يقع في الملك أو الملكوت شيء إلا بسبق اختياره وتعلق إرادته : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ القصص : 68 ، و يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ الرعد : 2 ، ولله در شيخنا أبي الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني (رضي الله عنه) حيث قال : فالوجود على تفاصيله صورة ما عليه العلم القديم فلم تحدث الأشياء لأنفسها اختيارات أو تدبيرات أو حركات مضادة لما عليه صورت ، ولا منازعات لما عليه جبلت : فالأمر واحد والحكم العالي تنوع حسب الشواكل والاستعدادات والسابقيات ، والكون أحقر من أن ينازع ربه وأذل من أن يدبر لنفسه وأدون من أن يقاوم جلال جبروت خالقه جل سلطانه ، فالحكم لله العلي الكبير .
إذن من طلب من المخلوق ما خوله الله من وظائف الحياة وأسبابها فما أخطأ سبيل الرشد هذا مع ضميمة استحضارنا واستشعارنا لقيام تدبيره تعالى وظهور أثر إرادته فيما ينفعل لنا منها وهذا ما أكده الحق سبحانه في قوله : وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ الأعراف : 134 ، والآيتان بحكم منطوقهما توجهاننا إلى أن بني إسرائيل لم يطلبوا من موسى (عليه السلام) كشف الرجز عنهم على أنه مالك للأمر وإنما طلبوا منه ذلك على أنه متسبب فيه وهذا ظاهر من قولهم ادع لنا ربك فيجب حمل المراد في قولهم لئن كشفت على ما يقتضيه قولهم ادع لنا من التسبب .
ثم إن الحق تبارك وتعالى قد أكد على قيام تسبب سيدنا موسى (عليه السلام) في كشف الرجز عنهم بأن أتى بضمير الجمع في قوله :   فلما كشفنا عنهم الآية ولا شيء في ذلك مما قد يتوهمه البعض من الشركة في طلب الرجز أو العذاب . ونجد في القرآن أيضاً أن نسبة الأمر إلى المتسبب فيه ليس من باب الغلو أو الدعوى إذ يقول سبحانه : وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يوسف : 45 .
والمتأمل في هذه الآية يرى أن السجين قد نسب تأويل الرؤيا إلى نفسه ، وهذا مخالف للواقع إلا أنه أفصح عن تسببه في الأمر بقوله فأرسلون أي إلى من يملك مقاليد التأويل تخويلاً من الله وهو يوسف (عليه السلام) .
وقد سبقت الإشارة إلى قول الله تعالى حكاية لقول جبريل (عليه السلام) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا مريم : 19 ، فنسبة هذا الأمر إلى جبريل لا بد أن تقوم مع اعتبار قوله إنما أنا رسول ربك ونرى الحق سبحانه وتعالى يؤكد على مشروعية الاستغاثة بمن يملك أسبابها وإذا في قوله تعالى : فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ القصص : 15 ، والحكاية في الآية ليست حاكية قولية فيقول قائل : الله يحكى قول من قال بما فيه من هنات وإنما الحكاية في الآية حكاية حالية يحكى فيها الحق تبارك وتعالى حالة الاستغاثة : فالقول في الآية لله وليس للمستغيث ، ومن ذلك قول أم إسماعيل عندما سمعت صوتاً وهي تبحث عن الماء ليشرب ولدها : أغث إن كان عندك غواث . وعليه فالخطب في التوسل إلى الله بالوجهاء من عباده أهون منه في تلك الأمور التي لا يشهد العبد فيها إلا فعل الخلق من حيث إنها مظاهرها مع ذهوله عن قيامها بالشأن الواحد وهو فعل الله وتدبيره .
إذ صورة التوسل هي أن يتوجه العبد إلى ربه بوجيه من وجهائه أو عبد من خاصته أو أصفيائه . وفي هذه الحالة لا يرى المتوسل فعلاً لغير الله الذي سأله وألح عليه بأهل الكرامة عنده ، فأي شرك في هذا ووجهة العبد في الدعاء واحدة وإن تعددت الوسائل إليها . وإذا أجاز الله لنا تعدد الوسائل في طلبه سبحانه بما شرع لنا من العبادات والتكاليف والقربات وندبنا إليه على لسان رسوله () من الطاعات والقربات فكيف لا يجوز تعددها في تحصيل مطالب العبد في الحياة الدنيا المخلوقة لله بأسبابها ووسائلها .
ولنعلم أن من اتخذ الأنبياء والصالحين وسيلة إلى الله لجلب خير منه عز وجل أو دفع ضر كذلك فهو ليس إلا سائلاً الله وحده أن يسير له ما طلب أو يصرف عنه ما شاء متوسلاً إليه بمن توسل به وهو في ذلك آخذ بالسبب الذي وضعه الله لنجح العبيد في قضاء مآربهم وللوصول به إلى قضاء حوائجهم منه عز وجل سالك مسالك السنن الإلهية التي أمر الله عباده بسلوكها جار على الناموس الذي وضعه الله للناس في استنزال رحمته واستدفاع نقمته . ومن أخذ بالسنن التي وضعها الكريم وسلك السنن التي أمر الجواد بسلوكها لنيل جوده فما سأل السنن ولكن سأل واضعها . وما عبد السنن وإنما عبد من أمر بسلوكه تبارك وتعالى فقول القائل يا رسول الله أريد أن ترد عيني أو أن يزول عنا الجدب أو أن يذهب مرضي فمعنى ذلك كله طلب هذه الأمور من الله بواسطة شفاعة رسول الله () وهو كقوله : ادع لي بكذا واشفع لي في كذا لا فرق بينهما إلا أن هذه أصرح في المراد من تلك ومثلهما في ذلك أو أوضح قول المتوسل : اللهم إني أسالك بنبيك تيسير كذا من الخير أو دفع كذا من الشر فالمتوسل في ذلك كله ما سأل حاجته إلا لله عز وجل .
وبهذا نعلم أن احتجاجهم على منع التوسل بقوله () : إذا سألت فاسأل الله إنما هو دائر بين التلبيس على المسلمين وبين الجهالة بما هو معلوم من مراد المتوسلين أو هو مغالطة في حمل الحديث على ما هو ظاهر الفساد من أنه لا يصح لأحد أن يسأل غير الله شيئاً ، فإن من فهم هذا من الحديث الشريف فقد أخطأ الخطأ كله .
ويكفي في بيان هذا الخطأ : أن الحديث نفسه إنما هو جواب منه () لسؤال ابن عباس راوي الحديث بعد تشويق رسول الله () له أن يسأله ، فإنه قال له : يا غلام ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ فأي تحريض على السؤال أجمل من هذا ؟ فقال ابن عباس : بلى ، فأجابه () بهذا الحديث الذي منه هذه الجملة . ولو أننا سلمنا لهم وجاريناهم على هذا الوهم لما صح على مقتضاه أن يسأل جاهل عالماً ولا واقع في مهلكة غوثاً ممن توقف نجاته على إغاثته ولا دائن مديناً قضاء ما عليه ولا مستقرض قرضاً ، ولما صح للناس يوم القيامة أن يسألوا النبيين الشفاعة ، ولا صح لنبي الله عيسى أن يأمرهم بسؤالها سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام كما في حديث الشفاعة ، فإن قالوا : إن الممنوع إنما هو سؤال الأنبياء والصالحين من أهل القبور في برازخهم لأنهم غير قادرين ، قلنا لهم : بل هم أحياء سامعون قادرون على الشفاعة والدعاء ، والمنكر لذلك أخف أحواله أنه جاهل بما كان يلحق بالمتواتر من سنته () ، والدال على أن موتى المؤمنين لهم في حياتهم البرزخية العلم والسماع والرؤية والقدرة على الدعاء وما شاء الله من التصرفات ، فما الظن بأكابر أهل البرزخ من النبيين وسائر الصالحين ؟ وفي حديث الإسراء والمعراج بل المشهور ما فعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع خيرهم () من الصلاة خلفه والدعاء له في السموات حتى إن الأمة ما ظفرت بتخفيف خمسين صلاة إلى خمس صلوات في كل يوم وليلة بشفاعته () المتكررة إلا بعد إشارة كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) بها عليه .
وبهذا يتبين أنه ليس المقصود من الحديث ما توهموه فإنه فاسد واضح الفساد كما رأينا ، وإنما المقصود منه الترهيب من سؤال الناس أموالهم بلا حاجة طمعاً فيها والترغيب في القناعة بما يسر الله من الخير وإن كان قليلاً ، والتعفف عما لا تدعو الحاجة إليه مما بأيدي الناس ، وأن يستغني بسؤال الله من فضله مما بأيدي الناس ، وفي الأحاديث الصحيحة الكثيرة ما يوضح هذا المعنى مقوله () : إنما المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل ذا سلطان أو في أمر لا يجد فيه بداً وقوله () : مسألة الغنى شين في وجهه يوم القيامة  وقوله () : الذي يسأل من غير حاجة كمثل الذي يلتقط الجمر .
فالمعنى إذاً أنك إذا رأيت في يد أحد من المال ما أعجبك وطمحت إليه بنفسك فلا تسأله ما في يده واستغن بسؤال الله من فضله عن سؤال العبد ، فالحديث إرشاد إلى أدب ترقى به النفس إلى مقام أهل القناعة وتتنزه به عن السقوط في مهاوي الطمع وأدناس أهله ، وأين هذا من سؤال الله بأنبيائه وأوليائه أو سؤال أنبيائه الشفاعة للسائلين فيما جعل الله شفاعتهم فيه من أقوى أسباب النجاح ؟ لكن الإنسان إذا ركب الهوى شط به في مجاهل الأوهام وخرج به عن جادة صحيح الأفهام .
وقد حض الله عباده على الرفق بالسائل أياً كان هذا السائل يقول تعالى : وأما السّائِلَ فَلا تَنْهَر الضحى : 10 ، وفي قول الحق جل في علاه لحبيبه المصطفى () : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ البقرة : 186 ، فقد أقر جل شأنه سؤال العباد لرسول الله () ولم يقل سبحانه وإذا سألني وكما هو معلوم فإن العبرة ليست بقرب الله فهو أقرب من حبل الوريد وإنما العبرة هي بقرب العبد قرباً صالحاً لأن يستجيب الله له ولا أدل على ذلك من أن العبد وهو في موطن القرب في الصلاة قد لا يعبأ الله به ولا ينظر إليه إن لم يكن مستوفياً ومتحققاً بشروط القرب من طهارة البدن والقلب وحضور العقل واستحضار عظمة الله وصدق رسول الله () إذ يقول : لا يكتب للرجل من صلاته ما سهى عنه . بل قد أمر الله بالسؤال طلباً للعلم والمعرفة على إطلاقه ، يقول تعالى : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ النحل : 43 ، وأما قوله تعالى : لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا البقرة 273 ، فهي لا تعني نفي السؤال ولكنها تفيد التجمل في الطلب عند السؤال وعندما يرقى بنا مولانا (::جل::) معلماً ومهذباً قائلاً : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ الأحزاب : 53 ، فهو كناية عن الحياء في أرقى صورة مع الإقرار بمشروعية السؤال .
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: عبد الكريم نجم      البلد: فلسطين       التاريخ: 26-09-2012
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف و الوحي و الرسالة و الحكمة و على آله و صحبه و سلم تسليما

وكيف لانستمد من حضرة الرسول الاعظم صلى الله تعالى عليه و سلم وورثته الكرام قدست اسرارهم وهم الدالين عليه عز وجل ، و الهادين لهديه ، و المبشرين برحمته و غفرانه ،( فاسئل به خبيرا ) الاية.

بل كيف لا نستمد منهم مددا لا ينقطع حتى في الجنة مرورا بشقاء الحياة الدنيا و اهوال القيامة و يوم العرض و السؤال و هو عز و جل فد اشار اليه صلى الله تعالى عليه ان حبه لنا عز و جل مرتبط بحبنا و طاعتنا و اتباعنا له عليه الصلاة و السلام، وانه عليه الصلاة و السلام اشار الى احبائه الذين يأتون من بعد اصحابه يهدون لهديه و يحببون الناس به و باتباعه عليه افضل الصلاة و السلام ، ومن غيرهم مشايخنا الكرام قدست اسرارهم سلالة العترة المحمدية، من تنير قلوبنا قسماتهم النورانية و كمالاتهم الربانية و رحمتمهم العندية

فمن استمد من شيخه فقد استمد من رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم، فهو مستمدحقا من الله بجاه الرسول و احبابه
وصلي اللهم على سيدنا محمد الوصف و الوحي و الرسالة و الحكمة و على آله و صحبه و سلم تسليما


الاسم: شريف تجاني      البلد: السودان الخرطوم       التاريخ: 31-10-2012
لكم وافر الشكر موضوع رائع جدا وجزاكم الله كل خير


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة