القيام لأهل الفضل والصلاح

د. علي جمعة/ مفتي الديار المصرية
يقول الله تعالى : ولا تنسوا الفضل بينكم نعم ولا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذووه ومن ثم كان القيام لأهل الفضل والصلاح إنما هو من باب التوقير والإجلال . قال الإمام النووي في الأذكار وأما إكرام الداخل بالقيام فالذي نختاره أنه مستحب لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية مصحوبة بصيانة ، ويكون هذا القيام للبر والإكرام والاحترام لا للرياء والإعظام ، وعلى هذا الذي اخترناه استمر عمل السلف والخلف . وما احتج به في هذا الجزء وجد مجملاً في عدة أحاديث منها :
1- عن أبي سعيد ( ) أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد فأرسل النبي ( ) إليه فجاء فقال ( ) : قوموا إلى سيدكم . 2- عن كعب بن مالك في حديث توبة الله عليه حين تخلف هو وأصحابه عن رسول الله ( ) في غزوة تبوك قال : وانطلقت إلى رسول الله ( ) حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ( ) جالس وحوله الناس ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله ، فهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ، ولا أنساها لطلحة . 3- وأخرج مالك في قصة عكرمة بن أبي جهل أنه لما فر إلى اليمن يوم الفتح ورحلت امرأته حتى أعادته إلى مكة مسلماً ، فلما رآه النبي ( ) ، وثب إليه فرحاً ، ورمى عليه رداءه . 4- عن أبي هريرة ( ) قال : كان النبي ( ) يحدثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه قد دخل . 5- عن السيدة عائشة رضي الله عنها ، قالت : ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ولا هدياً برسول الله ( ) من فاطمة بنت رسول الله ( ) قالت : وكانت إذا دخلت على النبي ( ) قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه ، وكان النبي ( ) إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها . فقد ورد عن الإمام أحمد ( ) أنه أتاه أبو إبراهيم الزهري فسلم عليه ، فلما رآه أحمد وثب قائماً وأكرمه ، فلما مضى قال له ابنه عبد الله : يا أبت أبو إبراهيم شاب تعمل به هذا العمل وتقوم إليه ؟ فقال : يا بني لا تعارض في مثل هذا ، ألا أقوم إلى ابن عبد الرحمن بن عوف . وعن أبي هشام الرفاعي قال : قام وكيع لـ سفيان ، فأنكر عليه ، فقال : أتنكر علي قيامي وأنت حدثتني عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ( ) قال : قال رسول الله ( ) : إن من إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة المسلم فأخذ سفيان بيده فأجلسه إلى جانبه . ذكر الإمام أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب آداب الصحبة قوله : ويقوم لإخوانه إذا رآهم مقبلين ولا يقعد إلا بقعودهم ، وأنشد :
فلما بصرنا به مقبلاً حللنا الحبا وابتدرنا القياما فلا تنكرن قيامي له فإن الكريم يجلّ الكراما
وأما احتجاج المانعين بقول رسول الله ( ) : من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار فهو مُتعيّن في جانب من يحب ذلك ويأمر به ، كما قاله الخطابي فيما حكاه العجلوني ، قال : معناه أن يأمرهم بذلك ، ويلزمهم إياه عن طريق الكبر والنخوة ، ثم قال: وفي حديث سعد دلالة على أن قيام المرء بين يدي الرئيس الفاضل والوالي العادل وقيام المتعلم للمعلم ، مستحب غير مكروه . وقد أجاب الطبري عن الحديث بأن فيه نهياً لمن يقام له عن السرور بذلك ، وليس فيه نهي لمن يقوم له إكراماً له . وقال النووي : إن الأصح والأولى بل الذي لا حاجة إلى ما سواه أن معناه : زجر أن يحب قيام الناس له وليس فيه تعرض للقيام بنهي ولا غيره ، وهذا متفق عليه ، قال : والمنهي عنه محبة القيام ، فلو لم يخطر بباله فقاموا له أو لم يقوموا فلا لوم عليه ، فإن أحب ارتكب التحريم سواء قاموا أو لم يقوموا . قال : فلا يصح الاحتجاج به لترك القيام ، فإن قيل : فالقيام سبب للوقوع في المنهي عنه قلنا : هذا فاسد لأنا قدمنا أن الوقوع في المنهي عنه يتعلق بمحبة ذلك خاصة . وقال البيهقي في شعب الإيمان : وهذا القيام يكون على وجه البر والإكرام كما كان قيام الأنصار لـ سعد وقيام طلحة لـ كعب ابن مالك ، ولا ينبغي للذي يقام له أن يريد ذلك من صاحبه حتى إن لم يفعل حنق عليه وشكاه أو عاتبه.
المصدر : كتاب سبل الخيرات للفوز بالباقيات الصالحات – ص 195 – 198
|