الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الأسوة الحسنة




 لقد  بذل الإنسان في جهده أقصى ما يتصور من طاقته من أجل مقاومة الهوى ، ومع ذلك يجد النتيجة غير مرضية ، فيظن أو يتخيل أن الوصول إلى الغاية الحميدة الكاملة من الأخلاق أمر مستحيل . ومثل هذا الشعور في مثل هذه الناحية قاتل ، لأنه يثبط الهمة ، ويقعد بصاحبه عن بذل المزيد من الجهد ، بل عن مواصلة ما يبذله من الجهد ، وبالتالي تنهدم الناحية الخلقية بطريقة تلقائية لا تكاد تظهر للوعي والإدراك .
وعلاج ذلك لا يمكن أن يتم إلا إذا اقتنعنا يقيناً بإمكان تحقيق هذا المستوى الذي نصبوا إلى تحقيقه ، فتقف بيننا وبينه المشقات والعقبات والصعوبات ، فإذا اقتنعنا بإمكان تحقيقه ، هان علينا تحمل المشقات والصعوبات ، وبذل العزم والجهد لتخطي الحوائل والعقبات .
ولا شيء يفيد الإقناع واليقين كرؤية الشيء ماثلاً متحققاً ، وفي موضوع الأخلاق الكريمة الفاضلة فإن تحققها إنما يتم عن طريق وجود النموذج التام أو المثل الكامل .
من أجل ذلك كانت بشرية الرسول عنصراً هاماً في وضع هذا المثل الكامل رأى العين ، لأنه لو كان ملكاً ـ مثلاً ـ ولو لم يكن بشراً ، لأمكن مثلي ومثلك أن يدعي انه لا طاقة له بما يطيقه الملك ، أما والمثل الذي تحققت فيه هذه الغاية إنسان من نوع البشر ، فإن الحجة على إمكان الوصول إلى تحقيق الغاية الأخلاقية حجة قائمة أمام المرء في كل حين .
ومن أجل ذلك أيضاً كان وصف القرآن للرسول بأنه : ( على خلق عظيم ) ومن أجل ذلك كان نص القرآن الكريم على أنه أسوة حسنة لمن أراد أن يتأسى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ( 1) .
إن وجود نموذج أخلاقي بشري هو أعظم حافز لمن يريد أن يبوئ للأخلاق في نفسه محلاً كريماً ، أن يبذل جهده وأن يظل على جهاده ، لأن أمله في تحقيق غايته ليس مستحيلاً ، كما أنه ليس بعيداً ، والتهمة في تحقيق هذه الغاية لم تعد في استحالتها أو بعدها ، ولكن في قصور الجهد المبذول من أجلها ، وذلك يدفعه إلى بذل المزيد من الجهد .
وسواء عليه حقق في نفسه المثل الأعلى أو قاربه ، فإن فرداً يجعل هذا غايته ، ومجتمعاً تعيش أفراده على هذا المستوى الأخلاقي ، لهو فرد عالي الهمة عظيم الخير والبر ، وهو مجتمع حضاري على أرقى وأسمى ما تعرف الحضارة من مستويات .
ولا يصح أن يحتج أحد بكمال الرسول وعجزنا عن متابعته ، بعد أن أمرنا بمتابعته والتأسي به ، لأن كماله دافع لا مانع ، وحافز لا مثبط .
على أن مثل هذه الحجة قد تعز بعض الضعاف من أجل ذلك لم يضربه الله وحده مثلاً لنا ، بل جعل كل أنبيائه ورسله أسوة ومثلا ، من ذلك ما ذكره في شأن إبراهيم عليه السلام ، ومن كان معه خاصة في قوله : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ( 2) وفي قوله : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ (3 ) ، بل أمرنا بالاقتداء بالأنبياء جميعاً من خلال أمر الرسول بذلك حيث يقول تبارك وتعالى بعد ذكر عدد كبير من الأنبياء : أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثم يقول : أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ( 4) .
وكل فرد يستطيع أن يحقق في نفسه قدراً أكبر من التأسي بهؤلاء المثل للبشرية العالية ، يصبح بدوره أسوة وقدوة لمن لم يبلغ مبلغه ، وتصبح هنالك سلسلة من الأسوة الحسنة ، تتفاوت درجاتها في مراقي الكمال .
وهكذا تقوم الأسوة الحسنة بعمل هام في تقريب الأخلاق الإسلامية من مجال التطبيق ، بل في وضع الأخلاق الإسلامية في صورة عملية تضفى عليها ثوباً من الوحدة الشاملة الثابتة الأركان .
لذلك كانت مكانة السنة بالنسبة للأخلاق الإسلامية لا تقل عن مكانتها بالنسبة للشريعة والقوانين .
وإذا كان تحقيق مثل هذا النموذج في ذات الإنسان بهذه المثابة من المشقة واحتياج الجهد ، فان للفرد أن يستعين على نفسه بتأثير الجماعة حوله ، وأن يساهم بجهده في التأثير الجماعي ليساعد الآخرين في جهادهم لأهوائهم .
ذلك لأن شعور الفرد بأن المجتمع حوله لا يسمح له بالانحراف ، وأنه حين ينحرف يتعرض للنقد والمؤاخذة صراحة ، أو يتعرض لأن تتناوله النظرات بالاستنكار وعدم الرضا ، هذا الشعور يجعل من السهل عليه أن يقاوم رغباته ونزواته وهواه.


الهوامش :-
1- الأحزاب 21 .
2 - الممتحنة 4 .
3- الممتحنة 6 .
4 - الأنعام 89 - 90 .

المصدر:-
 الدكتور عبد الفتاح عبد الله بركة – التصوف والأخلاق ص 42 .

تأريخ النشر : 6- 7 - 2013
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: خليفه اقبال شاهدوست      البلد: ايران بانه       التاريخ: 11-11-2013
كل عام وأنتم بخير يا أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم

نسأل الله تعالى بجاه حبيبه المصطفى أن يرزقكم سؤلكم من الخير وأن ينصر الإسلام والمسلمين إنه على كل شىء قدير بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير وأسأله تعالى بجاه محمد ورسالته أن يُعطف قلب نبيه محمد علينا وأن يرزقنا جميعاً رؤيته في المنام وأن يرزقنا صحبته في الجنان عليه الصلاة والسلام . ءامين.

يا محمداه ، وامحمداه، واغوثاه، واشوقاه، أغثنا بإذن الله. نحبك يا رسول الله نفديك بأبائنا وأمهاتنا . أنت طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها ، أنت من تُحل به العقد وتُفك به الكُرب وتُقضى به الحوائج وتُنال به الرغائب وحسن الخواتيم ويُستسقى الغمام بوجهك الكريم الجميل . أنت يا سيدي بدر التمام وشمس دين الإسلام ومصباح دار الظلام ومفتاح دار السلام، أنت رؤوفٌ رحيم حنون عطوف كريم جواد شجاع . اشتقنا للقائك أيها القائد العظيم يا من علمت الدنيا الحضارة وكنت لمن إتبعك بشارة ماذا أقول وقد قال ربُ العزة في محكم التنزيل ( بالمؤمنين رؤوف رحيم ).


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة