الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الرحمة 


 إعداد علاء محسن 

خلقتنا ربنا لنعبدك ونأتمر بأمرك ، وننتهي بنواهيك ، لكننا خطاءون بطبعنا ، تستهوينا أنفسنا ، وتشغلنا من دونك دنيانا ، فننسى الغاية من وجودنا ، فنقضي أيامنا وليالينا نلهث وراءها ، حتى إذا آذنت شمسنا بالمغيب ، وأذنت أيامنا للرحيل ، ندمنا على ما فعلنا وبكينا ، ورجونا أيامنا أن تعود بنا القهقرى . ولكن هيهات ، فما فات ليس بآت ، والأيام تمضي إلى حيث يشاء الله ، ونحن مما جنت أيدينا تتضاءل أمام آثامنا حتى تضيق علينا الأرض بما رحبت ، وتضيق علينا حتى أنفسنا وإذا بحديثك القدسي يبعث في قلوبنا الأمل ، وإذا بكلماتك النورانية تهدئ من روعنا ، وهي تتردد في كياننا كما حدثنا به حبيبنا وقال : يقول الله تعالى : يا عبدي لم تقنط ؟ أليس أنا الذي أظهرتك ، ولأماني طوقتك ، مالك تتجاهل عليّ كأنك ما عرفتني ، وتتنحّى كأنك ما وافقتني .عبدي : إن استقلتنا أقلناك ، وإن تبت إلينا قبلناك ، وإن عزمت على قصدنا أدنيناك ، وإن اضطرب دليلك أريناك ، وإن عاديت نفسك في حب وُدِّنا والَيْناك ، وإن بكيت لضرّ دوائك داويناك ، وإن بكيت لضرّك شفيناك ، وإن بكيت خشية أحضرناك ، وإن بكيت خوفاً أمَّنّاك ، وإن بكيت أسَفاً على ما فاتك من حقوقنا عوَّضناك ([1]) .
وساعتها تنجاب عن نفوسنا الظلمات ، وتتغشانا بفضلك الرحمات ، ويتردد في آذاننا الحديث النبوي الشريف الذي نزداد به أمناً وأماناً ، والذي قال فيه نبينا : إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون ، وبها يتراحمون ، وبها تعطف الوحوش على ولدها ، وأخَّر الله تسعاً وتسعون رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة .
( إن رحمتك ربنا لا تحيط بمداها العقول ، ولا تحدّها الحدود ، فقد وسعت أرضك وسماءك ، وبرّك وبحرك ، وإنسك وجنك ، وزرعك وضرعك ، وحسبنا رحمة ورأفة وشفقة وكرماً وجوداً أنك مننت علينا بنبي الرحمة ، رحمت به الوجود ، وأرسلته إلينا هادياً ومبشراً ونذيراً ، فنعمت به الإنسانية ، لما تبعت النور الذي أنزل معه ، ولما آمنت به وصدقته واتبعت سنته واهتدت بهديه . وحسبنا ما جاء في كتابك الكريم مبيناً مقام نبيك العظيم الرحمة المُهداة والنعمة المُسداة : وَما أَرْسَلْناكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ . ([2]).
وإن أعظم رحمة وهبت للوجود هي حضرة الرسول الأعظم والنبي الأكرم سيدنا محمد ، فإن الله تعالى قال : وَما أَرْسَلْناكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ فقد رحم به القلوب فانتبهت وعرفت ، ورحم به الأرواح فشاهدت وعشقت ، ورحم الله به النفوس فتزكّت وخضعت ، ورحم به الأجسام فركعت وسجدت ، رحم الله العوالم فعرفت الحرية والمساواة ، وكشف الستار عن الجمال الإلهي فدخل المؤمنون في معية الله ، فرسول الله هو مظهر الرحمة الجامعة الكلية .

خلقه رحمة للعالمين :

كان في كمال خلقه رحمة للعالمين . وكان مرآه العام أمناً وأماناً للناظرين ، ومودة وحناناً وطمأنينة للقلب وسلاماً للمؤمنين ، وألفة للروح ووئاماً لمن أنعم الله عليه من المهتدين .
وصفت كتب السيرة محاسنه الظاهرة وقالت : بأنه كان عظيم الهامة ، ربعة مقصدا ، معتدل الخلق ليس بالطويل البائن ، ولا بالقصير المتردد ، بادنا ، ليس بالجسيم ، رحب الصدر ، بعيد ما بين المنكبين .
وبأنه كان مشرق الوجه ، أبيض مشرباً بحمرة ، أزهر اللون ، ليس بالأبيض الأمهق([3]) ، ولا بالآدم([4]) ، ووصفته بأنه كان أدعج([5]) العينين ، أشكل([6]) أهدب([7]) الاشفار ، أكحل من غير كحل .
وقالوا إن عنقه كان في صفاء الفضة ، وأن أسنانه كانت مثل حبات اللؤلؤ ، وأن ساقيه كانتا مثل جمار النخل .
ووصفوا قدميه بالاستواء ، إذا وضعهما نبا عنهما الماء ، ولأن صورته الشريفة استأثرت بمشاعرهم ، فقد آثروه على أنفسهم ، ووصفوه ببصائرهم قبل أبصارهم ، ورأوا في محاسنه الظاهرة محاسنه الباطنة .
وصفته عاتكة بنت خالد الخزامية لما مر عليها ليلة هجرته ومعه الصديق أبو بكر رضي الله عنه ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق ، ودليلهم عبد الله بن أريقط . وصفته لزوجها وقالت : ( رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة ، حسن الخلق ، لم تعبه ثجلة([8]) ، ولم تزر به صعلة([9]) قسيماً وسيماً ، في عينيه دعج([10]) ، وفي أشفاره وطف([11]) ، وفي صوته صحل([12]) ، أحور([13]) ، أزج([14]) ، أقرن([15]) ، إذا صمت فعليه الوقار ، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء ، حلو المنطق ، كلامه فصل ، لا نزر([16]) ولا هذر([17]) كان منطقة خرزات نظم يتحدرن ، أبهى الناس وأجملهم من بعيد وأحسنهم من قريب ، لا تشنؤه عين من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظراً ، وأحسنهم قدّاً ، له رفقاء يحفّون به ، إذا قال استمعوا لقوله ، وإن أمر تبادروا لأمره ) .
ووصفته ربيع بنت معوذ رضي الله عنها وقالت : ( لو رأيته لرأيت الشمس طالعة ) . ولقد صدقت الصحابية في وصفها ، فقد كان رسول الله كالشمس لما أشرقت بهديه ظلمات النفوس ، واهتدت بنور رسالته القلوب ، ورأت بما أوحى إليه الحق فاتبعته ، والباطل فاجتنبته .
لقد أحبه الصحابة رضوان الله عليهم ، وتيّمنوا بآثاره في الحرب وف السلم ، في الحياة وفي الموت ، وتعلقوا بآثاره حتى أنهم اقتسموا شعره يوم حلق رأسه في العمرة ، فأخذ خالد بن الوليد رضي الله عنه شعرة فجعلها في قلنسوته ، يتيمَّن بها في غزواته ، كما وأن أنس بن مالك رضي الله عنه أوصى بوضع شعرات تحت لسانه بعد موته تبركاً بها .
وفعل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه مثل ذلك وهو في سجن المأمون ، وأوصى بأن يجعل بعد موته شعرة في كل عين ، والثالثة تحت لسانه اقتداءً بأنس بن مالك رضي الله عنه .
هؤلاء الذين أحبوه واتبعوه ، رأوا آيات الرحمة في مرآه العام ، فأوحت إليهم بمحاسنه الباطنة وكمالاته الخفية .
وصدق الله الرحمن الرحيم الذي قال في كتابه الكريم : وَما أَرْسَلْناكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ .
لقد رحمت يا نبي الرحمة الكون كله إنسه وجنه ، زرعه وضرعه وطيره .
ورحمت برحمة من الله من صاحبك ومن عاداك ، ومن اتبعك واهتدى بهداك .
وكما رحمت يا رسول الله من اقتدى بقدوتك ، واستن بسنتك في دنياك ، ادخرت لهم الشفاعة يوم يلقونك في أخراك .. فأنت يا رسول الله في ظهر الغيب رحمة وفي الدنيا رحمة وفي الآخرة رحمة ، صلى الله تعالى عليك وسلم .

أقوال الأئمة العارفين بالله في الرحمة :

الشيخ محمد الكسنـزان الحسيني ( قدس الله سره) يقول : الرحمة : هي نور المعرفة بالله تعالى ، يقول سبحانه : آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا .
والرحمة : هي صفةٌ إلهيةٌ تجسدت في الصورة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، فتكوّنت بالهيئة النبوية المحمدية ، ولأنها مطلقة أخبر عنها سبحانه بأنها مُهداة للعالمين .
ويقول قدس الله سره : يقول تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ ، وكونه رحمة للعالمين يقتضي أنه موجود مع العالمين ، قبل القبل ، وبعد البعد ، بإذن الله تعالى ، فقد جعله بالنسبة للوجود أجمع السراج الذي ينير وجوده ومعرفته ، يقول تعالى : يا أَيُّها النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذيراً . وَداعِياً إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنيراً .
ويقول قدس الله سره : حضرة الرسول الأعظم سيدنا محمد : هو نور الله تعالى ، أرسله سبحانه رحمه للعالمين ، أي : للإنس والجن والأشجار والأحجار وكل شيء حتى الملائكة . وهو عندنا عين الرسالة وأصلها ، ولهذا فنحن نصلي عليه ونقول : اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .
ويقول قدس الله سره : إن حضرة الرسول الأعظم  : هو القرآن ، فمن أراد رؤيته فلينظر في القرآن ، ومن أراد الزيارة ، زيارة الرسول فليزر القرآن ؛ لأن الزيارة التقديس ، والعمل بالمكتوب ، والطاعة .
الشيخ أحمد بن فارس يقول : من أسمائه الرحمة ، قال الله جل ثنائه : وَما أَرْسَلْناكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ ، وقال رسول الله : يا أيها الناس إنما أنا لكم رحمة مهداة . والرحمة في كلام العرب العطف والإشفاق ؛ لأنه كان بالمؤمنين رحيماً ، كما وصفه الله جل ثناؤه فقال : عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنينَ رَؤوفٌ رَحيمٌ . فكان من الرأفة والرحمة بالمكان الذي لا يخفى .
الشيخ أبو عبد الله الجزولي يقول : الرحمة : هو المرحوم به العالم ، وأن كل خير ونور وبركة شاعت وظهرت في الوجود وتظهر في أول الإيجاد إلى آخره ، إنما ذلك بسببه )([18]) .



الفهرس :-

[1] - حديث قدسي رواه ابن مسعود رضي الله عنه .
[2] - محمد حسن عبد الله ـ رحمة الله للعالمين صلى الله تعالى عليه وسلم ص 13 – 14 .
[3] - الشديد البياض .
[4] - الأسمر
[5] - شديد سواد الحدقة .
[6] - شديد بياض العين .
[7] - كثافة وطول شعر الأجفان .
[8] - عظم البطن .
[9] - صغر الرأس .
[10] - شدة سواد حدقة العين .
[11] - كثرة شعر الحاجبين .
[12] - بحة في الصوت .
[13] - شدة بياض العين .
[14] - دقيق طرف الحاجبين .
[15] - بين الحاجبين شعر خفيف .
[16] - قليل .
[17] - كثير .
[18] - الشيخ محمد الكسنزان – موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان ج 9 ص 182 .

تأريخ النشر 2- 10 - 2013
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: عبد الكريم نجم      البلد: فلسطين       التاريخ: 02-10-2013
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف و الوحي و الرسالة و الحكمة و على آله و صحبه و سلم تسليما

يا امام الانبياء نستمدك دوما ، فأنت وسيلتنا العظمى لطاعة الخالق سبحانه و تعالى

كفانا فخرا ان هديتنا من رب العزة كانت امره لنا بالصلاة عليك وان نسلم تسليما

وبحبنا لك نحب مشايخنا فهم ادلائنا اليك فلا وصول اليك الا بهم، ولا نجاة لنا الا بك

وصلى اللهم على سيدنا محمد الوصف و الوحي و الرسالة و الحكمة و على آله و صحبه و سلم تسليما

الاسم: بلال ديالى / تكية ديالى الرئيسية      البلد: العراق       التاريخ: 03-10-2013
إن الرحمة صفة من صفات الله تبارك وتعالى، ومن عظيم رحمة الله I أنه أرسل محمدًا وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. رحمةً للبشريَّة كلها، فكان الرسول الرحمة؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهو ما أخبر به تعالى بقوله: {
ولذلك كان الرسول الرحمة رسول الله كثيرًا ما يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ". فكانت رحمة رسول الله عامَّة للناس جميعًا، وخاصَّة كذلك لأُمَّته، ولننظر إلى حديث رسول الله الذي قال فيه: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ، فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا". فهذه رحمة غير مسبوقة، لا يماثلها أو يقترب منها رحمة في العالم.
فالرحمة التي ظهرت في كل أقوال وأعمال رسول الله لم تكن رحمة مُتكلَّفة، تَحْدُث في بعض المواقف من قبيل التجمُّل أو الاصطناع، إنما كانت رحمة طبيعيَّة تلقائيَّة مُشاهَدة في كل الأحوال، برغم اختلاف الظروف وتعدُّد المناسبات، حتى إن هذه الرحمة غلبت على كل أخلاقه فصارت أبرزها، وليس هذا عجيبًا؛ فإن المتدبِّرَ في القرآن الكريم يجد أن أبرز الصفات الأخلاقية التي وردت في رسول الله كان خلق الرحمة.

الاسم: ليث احمد ياسين      البلد: العراق / ديالى / بعقوبة / تكية ديالى الرئيسية       التاريخ: 03-10-2013
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما
ألحمد لله الذي خصنا وأرسل إلينا رسـولا عظيما , ما كانت الرحمة الا خصلة مشعَة من خلقه الكريم ((صلى الله تعالى عليه وأله وسلم )) ,فقد تعجز الاسطر بذكر المناقب والمواقف التي حوت هذه الصفة الفاضلة ,,لتترسخ وبقوة في أذهان وقلوب الاجـيال المتعاقبة ..فمن تلك المواقف الجديرة بالذكر هي وصيته (صلى الله تعالى عليه واله وسلم))الى الصحابة في المعارك والفتوحات الإسلامية بأن لايؤذوا شيخـا أو طفلا ولا يقطعـوا شجرة.. إذ كانت الرحمة بحـق, شـعارا غالـب الحضـور في روح ونفس كل من اهتدى وسار على نهج الرسالة المحـمَـديــة الخـالدة.. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة