الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الناحية الصوفية عند الظاهر بيبرس



هو قائد معركة عين جالوت ( 607 –  676 هـ) ، و الدارس لتاريخ التصوف ، يجد انه بلغ ذروته في عصر المماليك ويعزو اغلب الباحثين ذلك ، إلى الإخطار التي ألمت بالعالم الإسلامي في القرن السابع الهجري على  أيدي الصليبيين و التتار ، وقضاؤهم على الخلافة العباسية في بغداد سنة ( 656 هـ ) ، جعلت الكثيرين يرغبون في التوبة الخالصة إلى الله ، والزهد في الدنيا ، والعودة إلى سنة السلف الصالح ، للخلاص من الأوضاع السيئة التي ألمت بالمسلمين .
وليس من المغالاة  القول أن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس البندقداري يأتي في المرتبة نفسها التي احتملها صلاح الدين و نور الدين . وذلك للوقائع الهائلة و النجاحات العظمي التي حققها على التتار وبقايا الصليبيين ، وتوجها بالمعركة الفاصلة في التاريخ الإسلامي و العالمية ( عين جالوت 658 هـ) .
والشيء الذي نريد إلقاء الضوء عليه في هذا الجانب ، وهو العلاقة الوطيدة التي كانت قائمة بين (( بيبرس )) وبين ، شيوخ التصوف في عصره وإكرامه لهم ، قال ابن شداد : (( وأقام زوايا للمشايخ بدمشق والقدس ، وأغدق عليها أعمال البر وهذا من فرط مالهم في قلبه من المحبة والرغبة وصفاء النية وحسن العقيدة . وإذا ما ورد عليه المشايخ من أهل الحجاز و الحرم النبوي ، كان يعظمهم ويتبرك بهم )) .
ويشبه هذا الكلام قول صاحب سيرته : (( لما علم – تغمده الله برحمته - أن أفضل ما يتقرب به المتقرب إلى الله  تعظيم أوليائه ، ثابر على الوفود عليهم ، والتودد إليهم ، والقيام بحقوقهم ، و الاهتداء بلوامع بروقهم ، وصحب جماعة متأدبا بآدابهم ، ينكس راس العز لديهم بالخضوع )) .
ويبرز في طليعة هؤلاء : إلى الشهير : احمد البدوي ت ( 675 هـ ) واخو الشريف حسن ؟
يروي صاحب شذرات الذهب : (( انه بوصول السيد البدوي إلى مصر قادما من المغرب  تلقاه الظاهر بيبرس بعسكره ، وأكرمه وعظمه )) وانتسب إلى طريقته .
وفي لقاء وقع له مع أخيه الأكبر الشريف حسن ، قال له : (( سألتك بالله إلا ما أخذت علي العهد ، إني عندك ومريدك .. فكاشفة الشريف بإمارات خفية ، وجعل الظاهر يقبل قدميه ))   ولكن الذي لعب دورا مهما في حياة بيربس هو الشيخ :
خضر الكردي العدوي ت ( 675 هـ )  قال ابن كثير وغيره :    كان السلطان ينزل بنفسه إلى زاويته التي بناها له بجبل المزة في كل أسبوع مرة أو مرتين ، ووقف على زاويته شيئا كثيرا جدا .
وكان معظما عند الخاص و العام ، بسبب حب السلطان و تعظيمه له .
وكان بيربس يستشيره في أموره ولا يخرج عما يشير به ، ويأخذ معه في أسفاره وغزواته ، وأطلق يده ، وصرفه في مملكته .
وهو الذي أخبر السلطان بأنه سوف يتسلطن ، واخذ يقوي روح الجهاد لديه ، ومما يدل على ملازمة الشيخ خضر للسلطان في معاركه ، قول الشاعر المعاصر لتلك الفترة :

ما الظاهر السلطان إلا مالك الدنـ
                                  
يا بذاك لنا الملاحم تخبرُ
ولنا دليل واضح كالشمس فــــي
                            
وسط الماء لكـــل عين  تنظرُ
لما رأينا الخضر يقــــــدم جيشه
                          
أبـــــــــــــدا علمنا انه لإسكندرُ

ويحدثنا ابن عبد الظاهر ، رئيس ديوان السلطان ، عن حضور الصوفية للحروب ، وهو شاهد عيان بقوله : (( وحضر العباد ، والزهاد ، والفقهاء ، والفقراء ( الصوفية ) إلى هذه الغزاة المباركة التي ملأت الأرض بالعساكر ، وأصناف العالم ، ولم يتبعها خمر ولاشيء من الفواحش ، بل  النساء  الصالحات يسقين الماء في وسط القتال ، ويجررن في المجانيق ، وأطلق لجماعة من الصالحين الرواتب ، مثل الشيخ علي المجنون والشيخ الياس ، ومن الغنائم والحوائج . وأطلق للشيخ على البكاء جملة من المال . وبعد فتح بيت المقدس ، زار السلطان قبور الأنبياء والصحابة والصالحين ، المدفونين هناك ، ومن الإعمال التي قام بها وذكرها ابن كثير وعدها من جملة مناقبه : ( انه جدد قبة الخليل عليه السلام ، وبنى على قبر موسى عليه السلام قبة ومسجدا ، ووقف عليه وقفا ، وبنى على قبر أبي عبيدة – رضي الله عنه – مشهدا ، وقف عليه أشياء للواردين اليه ، وجدد قبر جعفر الطيار ، ووقف على الزائرين له شيئا كثيرا ، وجدد مشهد زين العابدين ... ) وختم ابن كثير كلامه : وله من الآثار الحسنة والأماكن ما لم يبن في زمن الخلفاء ، وملوك بني أيوب ، مع اشتغاله في الجهاد في سبيل الله . بعد أن رتب السلطان أمور القدس  توجه إلى الحج , وبعد أن أدى المناسك ، عمد إلى الكعبة ، فغسلها بيده ، وحمل الماء في القرب على كتفه ، وكل من رمى إليه إحرامه  غسله له بما ينصب من الكعبة الشريفة ، و يرميه إلى صاحبه ، وبعد عودته إلى دمشق (( تصدق بعشرة ألاف إردب قمح للفقراء و المساكين وأرباب الزوايا )) . يصف المؤرخون (( بيبرس )) هذا : بأنه كان ملكا ، شجاعا ، مقداما صالحا ، شديد التواضع ، متقشفا ، هو وجيشه ،  كما كان على  جانب كبير من الديانة ، وانه صاحب حال و نفس قوية . حكى ابن الفوطي أن الظاهر بيبرس قال : (( رأيت النبي قبل وصولي إلى السلطنة ، وقد قلدني سيفا . ثم رآه قبل وفاته ، فقال له أعطني الوديعة ، فأعاد إليه السيف ، فأخذه ، وتوفي بعد ذلك بأيام )) . وأخيرا لا عجب أن نجد من ألقابه : (( الأسد الضاري )) , ( ركن الدنيا والدين ) و ( صاحب الوقائع الهائلة مع الصليبيين و التتار ) التي امتدت من سنة 661 هـ حتى وفاته 676 هـ . ودفن في دمشق ، غير بعيد من سلفية ، في مرحلة الكفاح الشاق و الطويل ، ونعني بهما نور الدين وصلاح الدين رحم الله الجميع واسكنهم فسيح جناته .


المصدر:-
البطولة والفداء عند الصوفية - سعد الخطيب – ص125- 129


تأريخ النشر : 28 - 12 - 2013
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة