الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
حقيقة الدعاء وفضائله




على الرغم من أن الدعاء خضوع بين يدي الله تعالى في أكبر جوانبه , إلا أنه يحمل بين ثناياه وسيلة تربوية هامة تتمحور في تمكين المسلم من تحديد أهدافه وتعيين مراده من الله تعالى ، وبالتالي فهو يحقق حل أكبر المشاكل التربوية وخاصة الحديثة والتي تتمثل في عدم وضوح الهدف في الحياة ، فعندما يطأطئ العبد رأسه بين يدي ربه ، ويدعو بدعاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذي كان يتعوذ من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ومن دعاء لا يسمع ومن نفس لا تشبع ، ففي تلك اللحظات ينساب إلى نفسه إحساس بمقت هذه الصفات ومدى خطورتها على الفرد والمجتمع ، ويعلم حينها أن هناك علم ينفع وعلم لا ينفع فيقترب من العلم النافع ويبتعد عن العلم غير النافع , ويعلم أن القلب إذا لم يخشع كان وبالا على صاحبه فيبتعد عن كل ما يسبب قسوة القلب ويسبب عدم خشوعه ويقترب من كل ما هو سبب لخشوع القلب كالذكر وكفالة الأيتام والاستغفار بالأسحار , ويعلم أن للدعاء أسباب في استجابته فيبتعد عن أكل الحرام ويبتعد عن كل ما يسبب عدم سماع الدعاء , ويعلم أن النفس راغبة إذا رغبتها وهي لا تشبع إذا ترك لها العنان فيعمل على جمحا وتهذيبها والاقتراب من كل ما يجعلها زكية هنية رضية ، وهكذا .... فكل دعاء هو تضرع إلى الله سبحانه وتعالى من جهة , ومن جهة أخرى هو تحديد للهدف الذي يريده الإنسان وهو يشكل بذلك أهم وسائل التربية المهمة في حياة الإنسان  .ويمكن إجمال عدد من فضائل الدعاء وفوائده في النقاط الآتية  :

● توجه القلب إلى المدعو وقصده بكليته .
● رجاء إجابته للدعاء والرغبة إليه رغبة صادقة مع قطع الرجاء والأمل عن غيره .
● الخوف من عدم إجابته والخشية منه .
●التوكل والاعتماد عليه في قضاء الحاجات.
●تعظيم المدعو بأنواع التعظيم من التضرع والتذلل والخضوع والتملق والانطراح بين يديه .
● ذكر المدعو باللسان واللهج باسمه في السر والعلن ونداؤه والاستغاثة به والهتاف باسمه .
● محبة المدعو فإن النفس مولعة بمحبة من يحسن إليها .
●التواضع وإظهار الفقر والانكسار بين يدي الله تعالى والتذلل له والتبري من الحول والقوة إلا به .

شرح حديث مخ العبادة

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم قَالَ : ( الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ )
 (1) ، هو نوع من التمثيل المهم يقرب  رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من خلاله هذه العبادة المهمة , فالعبادات المختلفة تشكل جسدا يشبه جسد الإنسان وكل عضو هو عبادة ، والدعاء هو مخ هذا الجسد أي مخ العبادات كلها ذلك أن الدعاء يشكل الاستسلام المطلق لله سبحانه وتعالى فأنت عندما ترفع يديك ترفعهم محتاجا مضطرا راغبا لما في يد الله سائلا ما عنده ومستعيذا من غضبه وكل ذلك يدل على الاستسلام المطلق لله , وهو بهذه الصورة يحقق المعنى العام للإسلام الذي هو الاستسلام وبذلك يتحقق أنه مخ العبادات كلها.
وقد جاء في تحفة الأحواذي : الْمَعْنَى أَنَّ الدُّعَاءَ لُبُّ الْعِبَادَةِ وَخَالِصُهَا لِأَنَّ الدَّاعِيَ إِنَّمَا يَدْعُو اللَّهَ عِنْدَ اِنْقِطَاعِ أَمَلِهِ مِمَّا سِوَاهُ وَذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَلَا عِبَادَةَ
فَوْقَهُمَا
(2).
وجاء في فيض القدير : (الدعاء مخ العبادة) أي خالصها لأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص ولا عبادة فوقها فكان مخها بهذا الاعتبار ، وأيضاً لما فيه من إظهار الافتقار والتبرؤ من الحول والقوة وهو سمت العبودية واستشعار ذلة البشرية ومتضمن للثناء على الله وإضافة الكرم والجود
إليه
(3) .
والمتحصل مما ورد عن قوله صلى الله تعالى عليه وسلم  :( الدعاء مخ العبادة ) إن الغالب على الخلق أن لا تنصرف قلوبهم إلى ذكر الله . إلا عند إلمام حاجة أو إرهاق ملمة ، فوقتها يكون المرء ذو دعاء عريض . فالحاجة تحوج إلى الدعاء ، والدعاء عندهم يرد القلب إلى الله سبحانه بالتضرع والاستكانة ، فيحصل به الذكر الذي هو اشرف العبادات ومنـتهاها . وما نراه إن هذا الكلام صحيح إلا أنه لا يقال على الدعاء الذي وصفه حضرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بأنه (مخ العبادة) إنما يوصف به الدعاء بمفهومه العام والذي هو نوع من أنواع الأذكار والتوسل إلى الله تعالى ، أما الدعاء الذي يراد به (مخ العبادة) فهو فيما نرى يدل على نوع متخصص من الدعاء.

مفهوم الحديث الشريف في الطريقة الكسنزانية

نعتقد أن الحديث الشريف لا يدل على مطلق الدعاء ، لأن الإطلاق يشمل دعاء الغافلين ودعاء الظالمين وغيرهم . وهذا يتنافى مع المنزلة العظيمة التي نص عليها الحديث الشريف والذي عَدًّ الدعاء مخا للعبادة . ولهذا فنحن نذهب إلى القول بأن هذا الحديث يشير إلى نوع خاص من الدعاء ، وهذه الخصوصية متعلقة بالداع وعباداته ، فإن كان الداع مستوف لشروط العبودية متحققا بمرتبة الافتقار إلى الله تعالى ، كان الدعاء مخاً لعبادته ، وإلا فلا  .ومعنى هذا أن معرفة المعنى الحقيقي لمفهوم ( مخ العبادة ) متعلق بمعرفة الدعاة ومراتبهم من العبودية لله تعالى ، فقد قرر سبحانه وتعالى أنه  لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا  (4)  .

الدعاء ومراتب العبودية

إذا كان أمر الدعاء مرتبط بمراتب بالعبادة ومراتب الناس فيها فإننا نستطيع أن نقسم العباد من هذا المنطلق إلى مرتبتين رئيسيتين : مرتبة أصحاب اليمين ومرتبة المقربين  .
فأما أصحاب اليمين ، فهم عامة الناس الآخذين من الشريعة على قدر استطاعتهم . وأما المقربين ، فهم الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ، وهم الذين اجتمع فيهم الاصطفاء الإلهي وبذل غاية الجهد الإنساني للوصول إلى أرقى مراتب الكمال في الطاعة والعبادة ، وبالتأكيد ليس دعاء هؤلاء كدعاء أولئك كما تدل عليه نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة ، والفرق بين دعاء المرتبتين هو:
إن دعاء أصحاب اليمين قد يستجاب في الدنيا وقد يتم التدخل الرباني فيه فيصرفه إلى موارد أخرى لمصلحة الداعي ، وهذه الموارد يوضحها الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي عن عبادة بن الصامت : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال :  ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم  فقال رجل من القوم : إذاً نكثر . قال صلى الله تعالى عليه وسلم : الله أكثر
(5).
إن هذا النوع من الدعاء لا نستطيع أن نطلق عليه عبارة ( مخ العبادة ) لأنه على التحقيق جزء من العبادة التي يتقرب بها العبد لطاعة ربه ، ويحاول التذلل بين يبدي عظمته ، طامعاً في فضله ، خائفاً من غضبه .. فهو في هذا الموطن ليس ثمرة يحصل عليها العبد كتكريم إلهي لمنزلته ومكانته عنده ، بل هي جزءا من كلية العبادة  .أما دعاء المقربين الذين جدوا واجتهدوا في طاعة الله تعالى بالعبادة حتى أحبهم ، فأكرمهم بأن صار سمعهم وبصرهم وكل قواهم كما نص على ذلك الحديث القدسي الشريف : ( ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها .....)
(6).
إن ثمرة التكريم الإلهي على تقوى المقربين وصبرهم في الطاعة والعبادة هي أن يهبهم الله تعالى بركة ( الدعاء المستجاب ) وهو فيما نرى المعنى المراد بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( الدعاء مخ العبادة )  .
بتعبير آخر : إن من ثمار طاعة الأنبياء والأولياء والصالحين أن يجري الله تعالى على أيديهم المعجزات والكرامات استجابة لدعائهم تكريما لهم وإرشاداً لخلق الله تعالى  .

مخ العبادة ومراتب الإيمان

نرى أن عموم مراتب الإيمان يمكن أن تندرج ضمن مرتبتين هما  :
الإيمان التقليدي : وهو أن يعتقد الإنسان بوجود الله تعالى من باب تقليد الوالدين أو أهل البلد أو اعترافاً بقول علماء أمته من غير حجة ولا برهان ذاتي عنده أي لم يدخل نور الإيمان في قلبه ولم ينـزرع فيه فينشرح به صدره . وهذا الإيمان لا يعتمد عليه لأنه قريب التزلزل بتشكيك مشكك أو بمغالطة متزندق وهو معرض للشبهات والوساوس  .
الإيمان التحقيقي : هو أن ينـزرع في القلب نور الإيمان ويملأه فيشهد المؤمن بهذا النور الحقائق المحمدية و الإلهية التي تعجز الحواس الظاهرة عن إدراكها ، فيرى بنور الله ما أمر الشرع بالتصديق بوجوده من أمور الغيب على قدر إيمانه وتقواه . وهذا إيمان راسخ لا يجد صاحبه شكاً أو تردداً  أو ريباً فيه ولو خالفه أهل الأرض جميعاً فيما انطوى عليه قلبه منه .ونرى أن انتقال العبد من الإيمان التقليدي إلى التحقيقي يحصل إذا أخلص الطاعة وأثمر إخلاصه دعاءاً مستجاباً فوقتها يتحقق فعلياً بوجود ذات الله سبحانه وأنه تعالى حاضر وناظر ومحيط بكل شيء ، وذلك يكون حين يدعو فيستجاب له مباشرةً .
إن هذا الانتقال من مرتبة إيمانية إلى مرتبة أخرى قد نص عليه تعالى في قوله على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام : قال ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي
(7)، فكما هو معروف أن نبياً مثل إبراهيم عليه السلام لا شك أنه يؤمن بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى ولكنه أراد رؤية الكيفية التي يتم بها ذلك ليصل في النتيجة إلى الغاية من العبادة وهو مرتبة الإيمان التحقيقي أو ما يسمى بمرتبة الاطمئنان في الإيمان  .وهكذا هو الأمر مع عباد الله فإن عليهم الطاعة التامة والإتباع الكامل لما انزل الشارع المقدس لكي يصلوا إلى مرتبة يستجاب فيها دعائهم كما حصل مع الأنبياء عليهم السلام وكما حصل ويحصل مع الأولياء (قدس الله أسرارهم) فهذا الاستجابة تنقلهم إلى التحقق بوجوده سبحانه وتعالى وبقدرته المطلقة فيلبسهم ذلك التحقق ثوب الكمال في معرفة الله تعالى  ومحبته ، فيقوم أحدهم بين الناس إنساناً كاملاً مختصاً بكل صفات الكمال التي أرادها الله تعالى لعباده حين خلقهم ، وهذا الوصول والحصول هو مخ العبادة وثمرتها ولبها  ، هو المراد بقوله : ( الدعاء مخ العبادة ) لا الدعاء المتعارف عليه والمشهور بين عوام الناس  .ومن هذا يتضح إن أعظم ثمرة روحية للدعاء المستجاب (مخ العبادة) هي إيصال الناس إلى الإيمان التحقيقي بوجود ذات الله تعالى ، وبالتالي الإيمان الكامل بكل ما نزل من السماء على الأنبياء وما ينـزل على الأولياء إلى يوم القيامة ، وبكل الأمور الروحية في ديننا الإسلامي العظيم .




الفهرس :-
[1] - سنن الترمذي - (ج 11 / ص 220)
[2] - تحفة الأحوذي - (ج 8 / ص 268)
[3] - فيض القدير - (ج 3 / ص 721)
[4] - النساء : 95 .
[5] - سنن الترمذي - (ج 11 / ص 491) .
[6] - صحيح البخاري – (ج20 / ص158) .
[7]- البقرة : 260 .

المصدر: مكتب الإرشاد والمتابعة
تأريخ النشر : 4- 1-2014
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: منير نعمان عايد      البلد: عراقي - مقيم في الامارات       التاريخ: 04-01-2014
اللهم صل صلاة كاملة وسلم تسليماً تاما على سيدنا محمد الذي تنحل به العقد وتنفرج به الكرب وتقضى به الحوائج وتنال به الرغائب وحسن الخواتم ويستسقى الغمام بوجهه الكريم وعلى اله وصحبه وسلم تسليما في كل لمحة ونفس بعدد مافي علم الله .

الاسم: amin      البلد: iran       التاريخ: 05-01-2014
وشكرا لكم. كل جميلة عندما يكونون في ذروة نضارة وليس بحاجة إلى يد للصلاة
النواقل. ياهو!الله محبة. عندما جاء الحب إلى برنامجنا، هو محض،
انتعاش جديد ويعود ذلك إلى


ج: الأخ أمين لم نفهم ما تريد حاول الترجمة بشكل جيد وأهلا بك


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة