الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الأسئلة الخمسة يوم القيامة




ما من مخلوق مكلف من الإنس والجن إلا وسيسأله الله سبحانه عن خمسة أمور هي محور الغاية من خلقه وجامعة لكل ما يصدر منه من خير أو شر ، قال اللـه سبحانه : 
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ  (1) .
وقال جل وعلا :  فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  (2) ، وعن أبي برزة رضي الله عنهقال : قال رسول الله  ذات يوم ونحن حوله جلوس :  لا والذي نفسي بيده لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيما أفناه ، وعن علمه ما فعل به ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن جسمه فيما أبلاه ، وعن حبنا أهل البيت  فقال عمر رضي الله عنه : وما آية حبكم من بعدك ؟ قال : فوضع يده على رأس علي وحوالي جنبه ، قال : 
آية حبنا من بعدي حب هذا (3)
كيف لا وقد قال عن الإمام علي كرم الله وجههفي حديث رواه ابن عباس رضي الله عنه قال : كنت أنا وأبي العباس بن عبد المطلب جالسين عند رسول الله   إذ دخل علي بن أبي طالب فسلم فرد عليه رسول الله وبش به وقام إليه فاعتنقه وقبل بين عينيه وأجلسه عن يمينه فقال العباس يا رسول الله أتحب هذا ؟ فقال النبي يا عم رسول الله والله لله أشد حباً له مني ، إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب هذا  (4) وعلى العكس من حبه ، يقول الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله إلا ببغض علي (5) . ومع كل ما نعلمه من مناقب إمامنا علي كرم الله وجهه إلا أننا نعلم جيداً أن القصد ليس حصر الحب والبغض في الإمام علي لشخصه ، وإنما فيمن يرث رسول الله من الأئمة الأطهار من أهل بيته إلى يوم القيامة ، وكما قال المصطفى : حب علي حسنة لا تضر معها سيئة  (6) أي من يحب علياً أو من يرثه الحب الصادق فإنه سوف يتبعه واتباعه إنما هو اتباع الحق ، كما جاء عن أم سلمة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله يقول :
علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا على الحوض  (7).
فالسؤال الأول عن العمر فيم يفنيه المرء ، ذاك لأن العمر هو البضاعة ، ورأس المال فمن ضاعت بضاعته ، وانتهى رأس ماله دون أن يحقق الربح فهو من الخاسرين . قال اللـه تعالى :
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ  (8)
فهو القاهر فوق عباده ليبعثهم للوقوف بين يديه للسؤال عما قدموه وعما فعلوه للسؤال عن القليل ، والكثير ، والصغير والكبير ، والحقير والعظيم ، فالأيام تمر والأشهر تجري وراءها تسحب معها السنين ، وتجر خلفها الأعمار وتطوى الحياة جيلا بعد جيل وبعدها سيقف الجميع بين يدي الملك الجليل والعمر يولي وسنسأل عن كل ساعة ، عن كل يوم ، عن كل أسبوع ، عن كل سنة ، عن عمرنا كله فيما أفنيناه ، يقول سيدنا الحسن البصري قدس اللـه سره : " يا ابن آدم إنما أنت أيام مجموعة فإن مضى يوم مضى بعضك ، وإن مضى بعضك مضى كلك . ولذا كان دائماً يقول: " ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وينادي بلسان الحال ويقول يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة . وكان عبد اللـه بن مسعود رضي اللـه عنه يقول : " واللـه ما ندمت على شئ كندمي على يوم طلعت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي ".  العمر هو البضاعة الحقيقية ، وواللـه ما منحنا هذه البضاعة الكريمة للهو واللعب والملذات والشهوات ، وواللـه ما للهو خلقنا بل خلقنا لغاية كريمة ولغاية عظيمة . قال جل وعلا : 
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ  (9) هذه هي الغاية التي خلق اللـه لها الخلق ، ومن أجمل ما قيل في قول اللـه تعالى فى حق نبي اللـه يحيى عليه السلام  وَأتينَاهُ الحكْمَ صَبِياً  (10)
قال جمهور المفسرين : أي آتاه اللـه الحكمة وهو طفل صغير فذهب إليه يوماً بعض أترابه من زملائه قبل أن يوحي اللـه إليه بالنبوة فقالوا : يا يحيى هيا بنا لنلعب ! فقال نبي الله يحيى عليه السلام : واللـه ما للعب خلقنا واللـه ما للهو والعبث خلقنا . قيل لإبراهيم بن أدهم رضي الله عنه : يا إبراهيم كيف وجدت الزهد في الدنيا ؟! فقال :
بثلاثة أشياء ، قيل : وما هي ؟! قال : رأيت القبر موحشاً وليس معي مؤنس ، ورأيت الطريق طويلاً وليس معي زاد ، ورأيت جبار السماوات والأرض قاضياً وليس معي من يدافع عني ، فالدنيا كلها إلى زوال ، والعمر كله إلى فناء ، ويوم أن نام السلطان الفاتح محمد بن ملك شاه على فراش الموت ، وكان من السلاطين الأثرياء الأغنياء قال : اعرضوا عَلَيَّ كل ما أملك من الجواري والغلمان ، والنساء والأموال والجواهر ، بل وليخرج الجند جميعاً ، فخرج الجيش عن بَكْرَة أبيه ، فنظر السلطان إلى هذا الملك العظيم وبكى وقال : واللـه لو قَبِلَ مني ملك الموت كل هذا لافتديت به  !! وقال لقمان الحكيم لولده : أي بُنَيَّ إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة ، فأنت إلى دار تقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها ، ولقي الفضيل بن عياض رجلاً فقال الفضيل : كم عمرك ؟! قال الرجل : ستون سنة ، قال الفضيل : إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى اللـه توشك أن تصل ، فقال الرجل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، قال الفضيل : هل عرفت معناها ، قال : نعم عرفت أني لله عبد وأني إلى اللـه راجع ، قال الفضيل : يا أخي من عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع ، عرف أنه موقوف بين يديه ، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول ، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً ، فبكى الرجل وقال : يا فضيل وما الحيلة ؟! قال الفضيل : يسيرة ، قال : ما هي يرحمك اللـه ؟، قال : أن تتقي اللـه فيما بقي من عمرك يغفر اللـه لك ما قد مضى ، وما قد بقي من عمرك .
والسؤال الثاني عن علم الإنسان ماذا عمل به ؟! فنحن منذ كنا صغاراً ونحن نستمع إلى خطب الخطباء ومواعظ الوعاظ ومحاضرات الدعاة والمصلحين أو بعض الاحيان  نقرأ الكتب الدينية ونتعلم منها الكثير ، ولكن السؤال هو ماذا عملنا من كل ما تعلمنا ؟ عند ذاك سنرى البون الشاسع بين القول والعمل ، سنرى فجوة خطيرة بين القول والعمل ، وهذه الفجوة هي سبب من أسباب النفاق ، قال تعالى :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ  (11) فقد قال أحد العارفين بالله سهل التستري رضي الله عنه وهو ينبه إلى موضع العمل من العلم فيقول : « الدنيا كلها جهل موات إلا العلم منها ، والعلم كله حجة على الخلق إلا العمل به ، والعمل كله هباء إلا الإخلاص منه ، والإخلاص خطب عظيم لا يعرفه إلا الله عز وجل حتى يصل الإخلاص بالموت » فالعلم أغلى ما يطلب في هذه الحياة بلا شك ، ولا نزاع فلا سبيل إلى معرفة اللـه ، ولا سبيل إلى الوصول إلى رضوان اللـه فى الدنيا والآخرة إلا بالعلم الشرعى ، العلم يبذل له المال ، العلم يبذل له العمر ، العلم يبذل له الوقت كله ، فإن أغلى ما يضحى له هو العلم ، ولم يأمر اللـه نبيه بطلب الزيادة من شيء إلا من العلم ، كما قال تعالى آمراً نبيه المصطفى وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (12) وقال عليه الصلاة والسلام :  من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم  (13) ، ومن آتاه اللـه العلم آتاه الحظ الوافر ، وآتاه الخير كله ، فإن اللـه يعطي الدنيا من يحب ، ومن لا يحب ، ولكن اللـه لا يعطي الدين إلا لمن يحب ، ومن يرد اللـه به خيراً يفقه في الدين ، وإذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ، هذا العلم إن لم يحرك قلوبنا وجوارحنا للعمل ، ولخشية اللـه وتقواه فلا خير فيه ، ولا بركة له ، فما ثمرة العلم إن لم يورثنا عملا صالحاً ؟! ما ثمرة العلم إن لم يقربنا من اللـه سبحانه وتعالى ؟! وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أن النبي قال :  يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه (أي أمعاءه) ، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول : بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه  (14) لذا كان الحبيب المصطفى يستعيذ من علم لا ينفع فيقول في دعاءه :
اللـهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن دعوة لا يستجاب لها ، أو ومن دعاء لا يسمع  (15) .
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : " إنني أخاف أن يقال لي يوم القيامة أعلمت أم جهلت ؟ فأقول : علمت فلا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها فتقول الآمرة : هل ائتمرت ؟ وتقول الزاجرة : هل ازدجرت ؟" ليس العلم بكثرة الرواية ، ولكن العلم الحقيقي هو الذى يورثك خشية اللـه هو الذى يورثك العمل . كان سيدنا علي كرم الله وجهه يقول : 
يا حملة العلم اعملوا به فإن العالم من علم ثم عمل ، ووافق علمه عمله ، وسيأتي أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم يخالف علمهم عملهم ، وتخالف سريرتهم علانيتهم يقعدون جلفاء يباهي بعضهم بعضاً ، حتى إن أحدهم ليغضب على جليسه إن تركه ، وجلس إلى غيره ، أولئك لا ترفع أعمالهم تلك إلى اللـه عز وجل .
إن اللـه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً صواباً ، لذا قال مالك بن دينار : " إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا" . وقال ابن السماك : كم من مُذَكِّر لله وهو ناس لله !! وكم من مُخَوِّف من اللـه وهو جريء على اللـه !! وكم من مُقَرِّب إلى اللـه وهو بعيد عن اللـه !! وكم من تالٍ لكتاب اللـه وهو منسلخ عن آيات اللـه !!
أما السؤال الثالث فهو عن المال من أين اكتسبه المرء وفيما أنفقه ؟! المال كما هو معلوم أنه نعمة من أعظم النعم ، فهو زينة الحياة الدنيا مع الأولاد ، قال جل وعلا :  الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  (16) ولكن الملاحظ في هذه الآية أن اللـه قد قدم المال على الأولاد ، فالمال زينة ونعمة عظيمة ، ولكن لا يعرف قدر هذه النعمة إلا من عرف الغاية من المال ، فما أكرمها من نعمة إن حركتها أيدي الصالحين والشرفاء ، وإن المال نعمة لا يعرف قدرها إلا صالح تقي ، فهو قد خبر الوظيفة الحقيقية للمال ، وعرف أن المال ظل زائل وعارية مسترجعة ، وأن اللـه مَنَّ بها عليه ، وزينة زَيَّنَهَ بها ، والسؤال الذي سنسأله عن المال هو من أين اكتسبناه وفيم أنفقناه ؟! سؤالان يملأن القلب بالخوف والوجل ويجعلان العبد يسأل نفسه ألف مرة قبل أن يحصل على هذا المال ، لذا يقول سيد المرسلين
لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا (17) ، ويجب أن نعلم أن المال الذي سنتركه ليس مالاً لنا وإنما هو مال ورثتنا كما في الحديث الشريف قال : أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله  ؟ قالوا : يا رسول اللـه ما منا أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه ، قال :  فإن ماله ما قدم ومال ورثته ما أخر  (18) ويقول أيضاً :  يقول العبد : مالي مالي ، وإنما له من ماله ثلاث : ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى ، أو اعطى فأقنى ، وما سوى ذلك ، فهو ذاهب وتاركه للناس  (19) .
والسؤال الرابع عن جسم الإنسان فيما أبلاه ، قال الله تعالى : 
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (20) فالسمع والبصر والفؤاد سيسأل عنهن  ما وعت من اعتقاد ، هل امتلأن بحب اللـه ورسوله والمؤمنين ؟ وسيشهد هذا الجسم كله بما قدم وبما صنع وبما فعل ، بل ستشهد على الإنسان رجله ويده وجوارحه عامة قال تعالى :  الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (21) سيسألنا ربنا هل أبلينا جسمنا في عمل الدنيا والآخرة ، أم في عمل الدنيا فحسب ؟ فلا حرج أن يبلي الإنسان جسمه في عمل الدنيا وفي عمل الآخرة , إذا كانت غايته أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وإنما الخطأ والحرج أن يفنى وأن يبلي جسمه وحياته كلها في عمل الدنيا فقط ليضيع بذلك حق اللـه وعمل الآخرة ، فلا بأس أن نتاجر ونعَمِّر ونبنِ ونجمع المال من الحلال ، ولكن بشرط أن لا ننسى حق الكبير المتعال . فلقد ورد في الأثر :
( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً )
فلا حرج أن نجمع بين الأمرين ، ولكن لا نجعل همنا جله للدنيا وننسى الآخرة ، فنتمنى يوم القيامة الرجعة والعودة إلى الدنيا لا لنعمل للدنيا مرة أخرى بل لنعمل للآخرة ، فمثل هكذا إنسان يبغضه الله ، قال : إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب في الأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بالدنيا جاهل بالآخرة  (22) مع أننا لو أفنينا جسمنا كله ليلاً ونهاراً من أجل الدنيا ونسينا عمل الآخرة فلن نحصل من الدنيا إلا ما قدره الرزاق لنا ؛ لأن من كانت الآخرة همه جعل اللـه غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همه جعل اللـه فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر اللـه له ، فلننظر للصالحين ومقاييسهم في الدين ، فهذا إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أتى إليه رجل فقال له : ساعدني في البعد عن معصية اللـه ، كيف أترك معصية اللـه جل وعلا ؟ فقال له إبراهيم : تذكر خمساً فإن عملت بها لن تقع في معصية اللـه ، وإن زلت قدمك سرعان ما ستتوب إلى اللـه جل وعلا ، قال : هاتها يا إبراهيم ، قال إبراهيم : أما الأولى إن أردت أن تعصي اللـه جل وعلا فلا تأكل من رزق اللـه ، قال : كيف ذلك والأرزاق كلها بيد اللـه ؟ قال : فهل يجدر بك أن تعصي اللـه وأنت تأكل من رزقه ، قال يرحمك اللـه يا إبراهيم : هات الثانية ، قال إبراهيم : أما الثانية إن أردت أن تعصي اللـه جل وعلا فابحث عن مكان ليس فى ملك اللـه واعصٍ اللـه عليه ، قال : كيف ذلك والملك ملكه والأرض ملكه والسماء ملكه ؟! قال : ألا تستحي أن تعصي الملك في ملكه ؟ قال يرحمك اللـه هات الثالثة ، قال : أما الثالثة إن أردت أن تعصي اللـه جل وعلا فابحث عن مكان لا يراك اللـه فيه ، قال : وكيف ذلك واللـه يسمع ويرى ؟! قال : ألا تستحي أن تعصي اللـه وأنت على يقين أن الله يراك ؟ قال : يرحمك اللـه هات الرابعة ، قال : إذا جاءك ملك الموت فقل له أجلنى ساعة حتى أتوب إلى اللـه وأدخل في طاعته ، قال : كيف ذلك يا إبراهيم ؟! واللـه جل وعلا يقـــول : فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ، قال : فهل يجدر بك وأنت تعلم ذلك أن تسوف التوبة وعمل الطاعات ؟ قال : يرحمك اللـه هات الخامسة ، قال : أما الخامسة إذا جاءتك زبانية جهنم لتأخذك إلى جهنم فإياك أن تذهب معهم ، فبكى الرجل وعاهد اللـه عز وجل على الطاعة .
ويأتي السؤال الخامس عن حب أهل بيت رسول الله ، وهو أهم الأسئلة ؛ لأنه قطب مدارها ، فحوله تدور جميع الأسئلة الأربعة السابقة ؛ ذاك لأن أهل بيت النبي هم الذين لم يسألنا نبينا وحبيبنا محمد الأجر على رسالته التي أنقذنا بها من الشرك والظلام إلى نور الهداية والإيمان إلا المودة فيهم ، على عكس جميع الأنبياء والمرسلين من قبله ، فكل الأنبياء يقولون :
  وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (23 ) والمودة معناها استمرارية وتواصل المحبة وتلازمها في عباداتنا لله تعالى ، إذ لا يقربك من مطلوبك إلا حبك وقربك لحبيب مطلوبك ، فهم عين الوسيلة إليه سبحانه ، قال الله تعالى :  قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى  (24) وهم أهل بيت رسول الله وأقرباؤه وأحباؤه ، ونحن مأمورون بحبهم والتقرب إليهم ، قال
وأحبوا أهل بيتي لحبي ( 25)
وبعدما أمرنا بحبهم أوصانا فيهم فقال :  تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما  ( 26)
فحبهم هو حب رسول الله وحب رسول الله هو حب الله عز وجل ، ومن الحب يأتي الإتباع وهو المراد والغاية من حبنا لله وحب الله لنا قال تعالى :  قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ( 27) مما يعني أن أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام هم الإمتداد الروحي والحي للرسالة النبوية الغراء ، وهم عدل القرآن العظيم ، فحبهم يدعونا لاتباعهم ، واتباعهم يستدعي حب الله لنا ، وهذا هو الغاية من الدين الحنيف .
                                                                                      

مكتب الإرشاد والمتابعة 
في الطريقة العلية القادرية الكسنزانية




الفهرس :-
  1- الزلزلة : 7-8 .
  2- الحجر : 92 .
  3- فوائد العراقيين لأبي سعيد النقاش – ص48 .
  4- مختصر تاريخ دمشق لابن منظور – ج5ص396 .
  5- جزء علي بن محمد الحميري – ص39 .
  6- ينابيع المودة للقندوزي الحنفي – ص43 .
  7- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي– ج4ص141 .
  8- المؤمنون : 115 .
  9- الذاريات : 56 .
  10- مريم : 12 .
 11 - الصف : 3 .
 12 - طه : 114 .
  13- الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي – ص20 .
  14- صحيح مسلم – ج14ص261 .
  15- صحيح مسلم – ج13ص251 .
  16- الكهف : 46 .
  17- صحيح البخاري – ج1ص130 .
  18- صحيح البخاري – ج20ص72 .
  19- صحيح مسلم – ج14ص208 .
  20- الإسراء : 36 .
  21- يس : 65 .
 22 - السنن الكبرى للبيهقي – ج10ص194 .
  23- الشعراء : 127 .
  24- الشورى : 23 .
  25- شعب الإيمان للبيهقي – ج1ص478 .
  26- السنن الكبرى للنسائي – ج5ص45 .
 27 - آل عمران : 31 .

تأريخ النشر : 26 - 2 - 2014
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة