الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الاصطلام عند الصوفية ما هو وما حقيقته



مكتب الارشاد والمتابعة

الاصطلام لغة « اصطلمه : استأصله »(1) ، « الاصطلام : الوله الغالب على القلب ، وهو قريب من الهيمان »(2) .وفي الاصطلاح الصوفي يقول الشيخ السراج الطوسي : « الاصطلام : هو نعت غلبة ترد على العقول ، فيستلبها بقوة سلطانه وقهره »(3) .
والشيخ الأكبرابن عربي يقول :« الاصطلام : هو نعت وَلَه يرد على القلب، فيسكن تحت سلطانه حذرالمكر »(4) .ويضيف الشيخ قائلاً : « الاصطلام في اصطلاح القوم ، وله يرد على القلب سلطانه قوي ، فيسكن من قام به تحته ، وهو أن العبد إذا تجلى له الحق في سره في صورة الجمال ، أثر في نفسه هيبة ، فإن الجمال نعت الحق تعالى ، والهيبة نعت العبد ، والجمال نعت الحق ، والأنس نعت العبد ، فإذا اتصف العبد بالهيبة لتجلي الجمال ، فإن الجمال مهوب أبداً ، كان عن الهيبة أثر في القلب ، وخدر في الجوارح ، حكم ذلك الأثر اشتعال نار الهيبة ، فيخاف لذلك سطوته فيسكن .وعلامته فيه في الظاهر : خدر الجوارح وموتها ، فإن تحرك من هذه صفته فحركته دورية حتى لا يزول عن موضعه ، فإنه يخيل إليه أن تلك النار محيطة به من جميع الجهات ، فلا يجد منفذاً فيدور في موضعه كأنه يريد الفرار منه إلى أن يخف ذلك عنه بنعت آخر يقوم به . وهو حال ليس هو مقام »(5) . ويقول الشيخ كمال الدين القاشاني : « الاصطلام : هو نعت وله يرق على القلب فيسكن تحت سلطانه . فإن دام ذلك بالعبد حتى سلبه عن نفسه وأخذه عن حسه بحيث لم يبق منه اسماً ولا أثراً ولا عيناً ولا طللاً ، حتى صار مسلوباً عن المكنونات بأسرها ، فما دام العبد كذلك فهو ممحو الآثار ، فلهذا لا يجري عليه أحكام التكليف ولا يوصف بتحسين ولا يختص بتشريف »(6) . والشيخ محمد بن وفا الشاذلي يقول : « الاصطلام : هو ملاحظة الجلال ، بلواحظ الوقار ، على بساط الأدب ، في مقام المعرفة ، بعظمة قدرة الملحوظ »(7) . والشيخ ابن عباد الرندي يقول : « الاصطلام : نعت الحيرة ، ومحل القهر ، وصفة الدهشة »(8) . والشيخ عبد الكريم الجيلي يقول : « الاصطلام : هو الجذب »(9) . والشيخ أحمد زروق يقول : « الاصطلام : هو الغيبة عن الشاهد بالشهود ، لما يواجه القلب من عظمة المشهود ، حتى لا يبقى فيه متسع لغيره »(10) . وعن حقيقة الإصطلام يقول الشيخ محمد بن وفا الشاذلي : « حقيقته : [ الاصطلام ] النفس فيما لا يرى شيئاً يتعاظمه من النعوت الكاملة عندها . أما غايته : إجلال يوجب للنفس الإحجام عن الإقدام على الأخبار به وعنه مع الاعتراف بالعجز عن الجبرية »(11) . في مراتب الاصطلام يقول الشيخ أبو العباس التجاني : « مراتب الاصطلام : أوله : ذهول عن الأكوان وهو المعبر عنه بالسكر . ووسطه : فناء عن الأكوان مع علمه بفنائه . وأعلاه : فناء عن الأكوان ، وفناء عن فنائه . والمرتبة العليا منه : أن يشهد نفسه عين ذلك الوجود ، وهو المعبر عنه بالسحق والمحق »(12) . أما الاصطلام الذاتي فيقول عنه الشيخ عبد الكريم الجيلي : « هو غيبوبة العبد عن وجوده ، يجاذب من الحضرة الإلهية الذاتية ، فيذهب عن حسه ويفنى عن نفسه ، وهذا هو مقام السكر »(13) . ويقول الشيخ عيسى بن الشيخ عبد القادر الكيلاني عن المصطلم : « هو المأخوذ عن إحساسه بالكلية »(14) . ويقول القشيري : يقال : الصوفي : المصطلم عنه بما لاح له من الحق (15) . ويقول القشيري : سمعت الأستاذ أبا عليَّ الدَّقاق ، يقول : أصول القوم في جوار دوام التمكين نتخرج على وجهين : أحدهما : مالا سبيل إليه ؛ لأنه قال صلى الله عليه وسلم : ( لو بقيتم على ما كنتم عليه عند لصافحتكم الملائكة ) ؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم قال : ( لي وقت لا يسعني فيه غير ربيَّ عزَّ وجل ) أخبر عن وقت مخصوص . والوجه الثاني : أنه يصح دوام الأحوال ، لأن أهل الحقائق ارتقوا عن وصف التأثر بالطوارق ، والذي في الخبر أنه قال : ( لصافحتكم الملائكة ) فلم يعلق الأمر فيه على أمر مستحيل ، ومصافحة الملائكة دون ما أثبت لأهل البداية من قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع ) . وما قال : ( لي وقت.. ) فإنما قال على حسب فهم السامع . وفي جميع أحواله كان قائماً بالحقيقة . والأولى أن يقال : إن العبد ما دام في الترقيِّ فصاحب تلوين يصحُّ في نعته الزيادة في الأحوال ، والنقصانُ منها ، فإذا وصل إلى الحق بانخناس أحكام البشرية مكنَّه الحق سبحانه ، بأن لا يرده إلى معلولات النفس ، فهو متمكن في حاله ، على حسب محله واستحقاقه . ثم يُتْحفُه - الحقُ سبحانه ، في كل نفس ، فلا حدَّ لمقدوراته ، فهو في الزيادات متلون ، بل ملوُّن . وفي أصل حاله متمكن ؛ فأبداً يتمكن في حالة أعلى مما كان فيها قبله ، ثم يرتقي عنها إلى ما فوق ذلك إذ لا غاية لمقدورات الحق سبحانه في كل جنس ، فأما المصطلم عن شاهده ، المستوفى إحساسه بالكلية ، فللبشرية لا محالة حد وذا بطل عن جملته ونفسه وحسه ، وكذلك عن المكونات بأسرها ، ثم دامت به هذه الغيبة ، فهو محو ، فلا تمكين له إذاً ، ولا تلوين ، ولا مقام ، ولا حال . وما دام بهذا الوصف : فلا تشريف ، ولا تكليف . اللهَّم إلا أن يردّ بما يجري عليه من غير شيء منه ، فذلك متصرف في ظنون الخلق ، مصرَّف في التحقيق . قال الله تعالى :
  وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال (16) .
ويقول الشيخ ابن عربي في مقام الإصطلام : للإصْطِلامِ على القُلوبِ تحَكُّمِ ... ولهُ على كُلِّ النُّعوتِ تَقدُّمِ يُعْطي التَّحيُّرَ في العُقولِ وُجودهُ ... وهوَ السّبيلُ منَ الإلهِ الأقْوَمِ لولاهُ ما عرفَ الإلهُ ولا دَرَتْ ... ألبابُ أهلِ اللهِ أينَ هُمُ هِمِ (17) .



الفهرس :-
(1) - المنجد في اللغة والأعلام - ص 433 .
(2) - بطرس البستاني - محيط المحيط - ص 517 .
(3) - الشيخ السراج الطوسي - اللمع في التصوف - ص372 .
(4) - الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج 2 ص 131 .
(5) – المصدر نفسه - ج 2 ص 531 - 532 .
(6) - الشيخ كمال الدين القاشاني - لطائف الإعلام في إشارات أهل الإلهام - ص 100 (7)-الشيخ محمد بن وفا الشاذلي -مخطوطة دار المخطوطات العراقية -رقم (11353) - ص 12 .
(8) - الشيخ ابن عباد الرندي - غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية - ج 2 ص 210 .
(9) - الشيخ عبد الكريم الجيلي - الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار - ص 291 .
(10) - الشيخ أحمد زروق - شرح الحكم العطائية - ص 411 .
(11) - الشيخ محمد بن وفا الشاذلي - مخطوطة دار المخطوطات العراقية - رقم (11353) - ص 12 . (12) - الشيخ علي حرازم بن العربي - جواهر المعاني وبلوغ الأماني - ج 2 ص 102 .
(13) - الشيخ عبد الكريم الجيلي - الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل - ج 2 ص 51 - 52 . (14) - الشيخ عيسى بن الشيخ عبد القادر الكيلاني - مخطوطة جواهر الأسرار ولطائف الأنوار - ورقة 48 أ - ب - ص 92 .
(15) – القشيري - الرسالة القشيرية – ج1 ص128 .
(16) – المصدر نفسه – ج1 ص 41 .
(17) – الشيخ ابن عربي - الفتوحات المكية - ج4ص230 .


تأريخ النشر : 29 - 3 - 2014
               
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: ليث الخبير      البلد: العراق البصرة       التاريخ: 04-04-2014
بلغ العلى بكماله...كشف الدجى بجماله ..عظمت جميع خصاله صلوا عليه وآله..


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة