الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
بين الاغترار والغرور



الغرور والاغترار لغةً : « اغتر به : خُدع به . غرَّ الشخص : أطمعه بالباطل ، خدعه . غَرَّ يَغِرُّ غِرَّة : جَهِل الأمور التي يجب أن يعرفها . الغُرور بالنفس : الشعور الخادع بالأهمية . مغرور : مخدوع بنفسه » (1) .
وفي القرآن الكريم وردت هذه اللفظة ( 27 ) مرة على اختلاف مشتقاتها ، منها قوله تعالى : يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (2) .
وعند كبار المشايخ من أهل التصوف ورد هذا المصطلح في كثير من أقوالهم ، فمثلا قال الشيخ أحمد الرفاعي الكبير قدس الله سره: « الاغترار : هو مدرجة من مدارج الاستدراج » (3) .
وقال الشيخ ابن عطاء الله السكندري : « أن علامة الاغترار الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار » (4) .
وفي موعظة لسيدنا الشيخ الحسن البصري قدس الله سره: « ابن آدم إياك والاغترار ، فإنك لم يأتك من الله أمان ، وإن الهول الأعظم والأمر الأكبر أمامك ، وإنك لا بد أنْ تتوسد في قبرك ما قدمت ، إنْ خيراً فخير ، وإنْ شراً فشر ، فاغتنم المبادرة في المهل ، وإياك والتسويف بالعمل ، فإنك مسؤول ، فأعد للمسألة جواباً » (5) .
وعن الغِرَّة يقول الشيخ الحارث بن أسد المحاسبي : « هو اعتماد القلب على ما لا ينبغي أن يعتمد عليه ... وهذا شرك » (6) .
ويجعل الشيخ المحاسبي للغرة أقساماً فيقول : « الغِرَّةُ غِرَّتان : غرة بالدنيا عن الآخرة ، وغرة بالله - عز وجل - وبالآخرة . وأولهما ، تنبني على إيثار الدنيا والاشتغال بها عن الآخرة . وقد قال تعالى فيها : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (7) ... أما ما اغتر به الكافرون عن الله - عز وجل - ، فهو ما رأوا من فعل الله - عز وجل - من إكرامه لهم بالدنيا ورفعتها وسعتها ، فظنوا بذلك أن ذلك لم يكن من الله - عز و جل- إلا لمنزلتهم عنده ، وأنهم أحق بالخير من غيرهم . ثم هم بعد ذلك على وجهين : فرقة منهم شكاك في الآخرة ، يقولون في أنفسهم بألسنتهم : إن يكن لله - عز وجل - معاد فنحن أحق به من غيرنا ، ولنا فيه النصيب الأوفر ، اغتراراً بما ظهر لهم من خير الدنيا وكرامتها ... والفرقة الأخرى من الكفار ، يغترون بما زين لهم من سوء أعمالهم ، بعبادات يعبدون بها غير الله - عز و جل- أو عملوا ضلالاً يحسبونه هدى ... وأما الغرة من عوام المسلمين وعصاتهم ، فهي خدعة من النفس والعدو . يذكرون الرجاء والجود والكرم ، يطيبون بذلك أنفسهم ، فيزدادون بذلك جرأة على الذنوب ، فيقيمون على معاصي الله - عز و جل- . يظنون أن ذلك رجاء منهم » (8) .
أما الغرور فيعرّفه لنا الشيخ الغزالي ويقول : « الغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ، ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة للشيطان . فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور » (9) .
ويقول الشيخ عماد الدين الأموي عن الغرور : « هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى وتميل إليه الطبائع عن شبهة وخدعة من الشيطان » (10) .
ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي : الغرور هو الاعتماد على ما لا حقيقة له ، قال تعالى : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (11) وهو منزل من منازل الكفر الخمسة ومنها : الجهل والشك والعناد والتوهم (12) .
ويقول الشيخ أحمد بن عجيبة : « الغرور هو الركون إلى ما لا حقيقة له » (13) .
ويبين لنا شيخنا معروف الكرخي قدس الله سره أنواع الغرور فيقول : « انتظار الشفاعة بلا سبب ، نوع من الغرور » (14) .
والمغرور كما يصفه الإمام علي بن أبى طالب كرم الله وجهه: « هو من آثر الضلالة على الهدى » (15) .
ويتكلم لنا الشيخ أحمد الرفاعي قدس الله سرهعن المغرور فيقول : هو صاحب الدرجة الثالثة من درجات العلماء والفقهاء الذي حلَّ عويص المشكلات ، وكشف دقائق المنقولات والمعقولات ، وغاص بحور الجدل ، مظمراً الهمة لنصرة الشرع في أحواله . إلا أنه أخذته عزة العلم على من هو دونه ، وإذا انتصر للشرع وعورض بدليل اختطفته نصرة نفسه فأفرط وأقام الأدلة على خصمه ، وشنَّع عليه وربما كفره وطعن فيه وهجم عليه هجوم الحيوان المفترس ، مع عدم رعاية الحد المحدود شرعاً في كل حال من أحواله وأحوال خصمه (16) .
ويوضح لنا الإمام جعفر الصادق - عليه السلام– بأن للمغرور صفات ، فيقول : « المغرور في الدنيا مسكين ، وفي الآخرة ، مغبون , لأنه باع الأفضل بالأدنى ، ولا تعجب من نفسك فربما اغتررت بمالك وصحة جسدك لعلك تبقى . وربما اغتررت بطول عمرك ، وأولادك وأصحابك لعلك تنجو بهم . وربما اغتررت بجمالك ومنيتك وأصبت مأمولك وهواك ، فظننت أنك صادق ومصيب . وربما اغتررت بما ترى من الندم على تقصيرك في العبادة ، ولعل الله يعلم من قلبك بخلاف ذلك . وربما أقمت نفسك على العبادة متكلفاً ، والله يريد الإخلاص . وربما افتخرت بعملك ونسبتك وأنت غافل عن مضمرات ما في غيب الله تعالى . وربما توهمت انك تدعو الله وأنت تدعو سواه . وربما حسبت انك للخلق وأنت تريدهم لنفسك أن يميلوا إليك . وربما ذممت نفسك وأنت تمدحها على الحقيقة . واعلم أنك لم تخرج من ظلمات الغرور والتمني إلا بصدق الإنابة إلى الله تعالى والإخبات له ومعرفة عيوب أحوالك من حيث لا توافق العقل والعلم ولا يحتمله الدين والشريعة وسنن القدرة أئمة الهدى . وإن كنت راضياً بما أنت فيه ، فما أحد أشقى بعمله منك وأضيع عمراً ، فأورثت حسرة يوم القيامة » (17) .


الفهرس :-
(1) - المعجم العربي الأساسي - ص 889 .
(2) - الحديد : 14 .
3) - الشيخ أحمد الرفاعي - حالة أهل الحقيقة مع الله - ص 151.
(4) - د . بولس نويا - ابن عطاء الله ونشأة الطريقة الشاذلية - ص 119 .
(5) - الحافظ أبو الفرج بن الجوزي - التابعي الجليل الحسن البصري - رضي الله عنه - - ص 102 - 103 0
(6) - الشيخ عماد الدين الأموي - حياة القلوب في كيفية الوصول إلى المحبوب(بهامش قوت القلوب لأبي طالب المكي ) - ج 2 ص21.
(7) - آل عمران: 185.
(8) - د . عبد لحليم محمود - أستاذ السائرين لحارث بن أسد المحاسبي - ص 158 - 159 .
(9) - الإمام الغزالي - إحياء علوم الدين - ج 3 ص 379 .
(10) - الشيخ عماد الدين الأموي -حياة القلوب في كيفية الوصول إلى المحبوب ( بهامش قوت القلوب لأبي طالب المكي ) - ج 2 ص20
(11) - آل عمران : الآية 185..
(12) - الشيخ عبد الغني النابلسي - أسرار الشريعة أو الفتح الرباني والفيض الرحماني - ص 209 ( بتصرف ) .
(13) - الشيخ أحمد بن عجيبة - إيقاظ الهمم في شرح الحكم - ج 1 ص 117 .
(14) - الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي - طبقات الصوفية - ص 89 0
(15) - عبد الرحمن الشرقاوي - علي إمام المتقين - ج2 ص 23 .
(16) - الشيخ أحمد الرفاعي - البرهان المؤيد - ص 99 - 100 ( بتصرف ) .
(17) - عادل خير الدين - العالم الفكري للإمام جعفر الصادق - ص 201 .


المصدر: موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان ج19 –ص 16.

تأريخ النشر : 12-7-2014
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: منير نعمان عايد      البلد: عراقي مقيم في الامارات       التاريخ: 12-07-2014

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على اشرف خلق الله سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .
اللهم انا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى . اللهم اتي نفوسنا تقواها وزكها انت وليها ومولاها .

وصلي اللهم على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما .


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة