الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا

 فضلُ الصحابةِ في السُنَّةِ المطهرةِ



إنَّ أصحاب محمدٍ كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلَها تكلفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه ، ولإقامة دينه، وقد أثنى الله عز وجل عليهم، ورضي رسول الله عنهم، وثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم، وثناء رسوله ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته، فقد نظر الله في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه، وبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فوجد قلوب الصحابة أطهر القلوب، فجعلهم وزراء نبيه؛ يقاتلون عن دينه، وقد وضع الله عز وجل أصحاب رسوله الموضع الذي وضعهم فيه بثنائه عليهم من العدالة والدين والإمامة؛ لتقوم الحجة على جميع أهل الملة بما أدُّوه عن نبيهم من فريضة وسنة، ف، ورضي عنهم أجمعين، فنعم العون كانوا له على الدين في تبليغهم عنه إلى مَن بعدهم من المسلمين، وقد أثنى رسول الله عليهم في أحاديث كثيرة، منها ما جاء عاما في بيان فضل كل من صحبه ، ومنها ماخَصَّ به بعض أصحابه بأوصافهم؛ كالأنصار وأهل بدر وغيرهم:

أولًا: فضل الصحابة عامةً:
جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان بين خالد بن الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالدٌ، فقال رسول الله لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدَكم لو أنفق مثَل أحدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَهُ ". فالنبي يقول لخالد رضي الله عنه: "لا تسبوا أصحابي" ــ يعني: عبد الرحمن وغيره من السابقين؛ وهم الذين أسلموا من قبل الفتح، وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرًا أن يَسُبَّ من له صحبة أولًا؛ لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نَصِيفَهُ، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية؛ وإن كان قبل فتح مكة، فكيف حال من ليس من الصحابة؟.
وقال : " طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، ولمن رأى من رأى من رآني، وآمن بي" وقال عليه الصلاة والسلام في معرض الحديث عنهم: "ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بُعث قائدا ونورا لهم يوم القيامة ". فقوله: "إلا بُعث" أي إلا حشر ذلك الأحد من أصحابي، وقوله: "قائدا" أي لأهل تلك الأرض في الجنة، وقوله: "ونورا لهم" أي هاديا لهم.
وروى عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة بن شعبة أنه قال: تخلفتُ مع رسول الله في غزوة تبوك، فتبرز رسول الله ، ثم رجع إليَّ، ومعي الإداوة، قال: فصببت على يدي رسول الله ، ثم استنثر، ثم تمضمض، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم أراد أن يغسل يديه قبل أن يخرجهما من كمي جُبته فضاق عنه كماها، فأخرج يده من الجبة، فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات، ومسح بخفيه ولم ينزعهما، ثم عمد إلى الناس، فوجدهم قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف يصَلَّي بهم، فأدرك رسول الله إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الآخرة بصلاة عبد الرحمن، فلما سَلَّم عبد الرحمن، قام رسول الله يتم صلاته، فأفزع المسلمين، فأكثروا التسبيح فلما قضى رسول الله أقبل عليهم، فقال: "قد أحسنتم، وأصبتم"، يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها.
وروى طلحة بن خراشٍ قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: سمعت رسول اللّه يقول: " لا تمسّ النّار مسلمًا رآني، أو رأى من رآني ". قال الشّيخ عبد الحقّ الدّهلويّ في ترجمة المشكاة: خصّص هذا الحديث هذه البشارة بالصّحابة، والتّابعين اتّفاقًا منهم، ولا يختصّ به العشرة المبشّرة، ولا من بشّرهم بدخول الجنّة من غيرهم، بل يشمل جميع المؤمنين والمسلمين، ولكنّ الصّحابيّ والتّابعيّ والمسلم هو من مات على الإسلام، وهذا الخبر لا يعلم إلّا من بيان المخبر الصّادق وتبشيره به. وعنه قال: " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ". وفي رواية: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ ".
وروى عروة قال: قال رسول الله : " خير هذه الأمة أولها وآخرها؛ أولها فيهم رسول الله ، وآخرها فيهم عيسى بن مريم، وبين ذلك ثبج أعوج ليس منك ولست منهم ".
وعنه قال: " يأتي على الناس زمان يغزو فِئَام ــ يعني جماعة ــ من الناس، فيُقال لهم: فيكم من رأى رسول الله ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فِئَام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فِئَام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم ".
وروى ابن عباس أن رَسُولُ اللَّهِ قال: " لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَلَمُقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً ــ يعني مع النبي ــ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ أربعين سنة"، وفي رواية:"خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ".
وروى ابن القاسم عن مالك أنه سمعه يقول: لما دخل أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم بالشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب، فقال: ما كان أصحاب عيسى بن مريم الذين قُطِّعوا بالمناشير، وصلبوا على الخشب، بأشد اجتهادًا من هؤلاء.
وروى بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدَّه، قال: سمعت النَّبيَّ يقول: " أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ".
وروى عبد اللَّه بن مغفَّلٍ قال: قال رسول اللَّه : " اللَّه اللَّه في أصحابي، اللَّه اللَّه في أصحابي، لا تتَّخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبَّهم فبحبَّي أحبَّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه يوشك أن يأخذه ". فقوله: "اللَّه اللَّه" أي اتَّقوا اللَّه ثمَّ اتَّقوا اللَّه، وقوله: "في أصحابي" أي في حقَّهم، والمعنى لا تنقصوا من حقَّهم ولا تسبّوهم، أو التَّقدير: أُذكَّركم اللَّه ثمَّ أُنْشدكم اللَّه في حقَّ أصحابي، وتعظيمهم وتوقيرهم، كما يقول الأب المشفق: اللَّه اللَّه في حقَّ أولادي، وقوله: "لا تتَّخذوهم غرضًا" أي هدفًا ترموهم بقبيح الكلام كما يُرمى الهدف بالسَّهم، وقوله: "فبحبَّي أحبهم" أي بسبب حبَّه إيَّاي أحبهم أو بسبب حبَّي إيَّاهم أحبهم، وقوله: "ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم" أي إنَّما أبغضهم بسبب بغضه إيَّاي، وقوله: "يوشك أن يأخذه" أي يعاقبه في الدُّنيا، أو في الآخرة.
وغير ذلك من الأحاديث النبوية التي تبين فضل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين مما يضيق المقام بذكرها.

ثانيًا: الفضائل الخاصة :
وقد روي عنه من الأحاديث ما يخص بعض أصحابه بالفضل والثناء لِما لَهم من مكانة عند الله تعالى، ورسوله ، من ذلك: ما رُويَ في فضل الأنصار، وفضل من شهد بدرًا، وفضل من شهد بيعة الرضوان؛ وفيما يلي بعض هذه الفضائل:

فضل الأنصار:
وردت عن النبي أحاديث في فضائل الأنصار، والثناء عليهم، واعتبار حبهم من الإيمان وبغضهم من النفاق؛ فمن ذلك:
ما أخرجه البخاري، ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي قال:  آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار ". وأورد النووي في شرحه على "صحيح مسلم": قوله آية المنافق بغض الانصار، وآية المؤمن حب الانصار ، وفى الرواية الأخرى:  حب الانصار آية الايمان وبغضهم آية النفاق ، وفى الأخرى:  لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق؛ من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله ، وفي الأخرى:  لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، فقد تقدم أن الآية هي العلامة، ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الاسلام والسعى في إظهاره، وإيواء المسلمين، وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبيَّ ، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارًا للإسلام، ثم أحب الأنصار لهذا؛ كان ذلك من دلائل صحة إيمانه وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الاسلام والقيام بما يرضي الله سبحانه وتعالى ورسوله ، ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستُدِلَّ به على نفاقه وفساد سريرته والله اعلم.
وقال ابن المنير: المراد حب جميعهم وبغض جميعهم؛ لأن ذلك إنما يكون للدين؛ وأما من أبغض بعضهم لمعنىً يسوِّغ البُغض له فليس داخلا في ذلك. قال الإمام السيوطي: إن أراد بهذا من أبغض لهذا المعنى ممن أدركهم ووقع له مع بعضهم خصومة تقتضي ذلك؛ فقريب، وأما إذا أراد من بعدهم إذا أبغض أحدا منهم لأمر بلغه عنه فلا، والله ليس له ذلك لما لهم من الآثار الحميدة التي تمحو سيئاتهم، وقد وعدوا بالمغفرة والدرجات العلى، وقيل لكثير منهم: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
ومن ثناء النبي عليهم ما رواه أنس بن مالك قال: مر أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي منا، فدخل على النبي ، فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي ، وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر ــ ولم يصعده بعد ذلك اليوم ــ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم .كما جاء في صحيح البخاري.
وأخرج البخاري أيضا عن أبي التيَّاح قال: سمعت أنسا رضي الله عنه يقول: قالت الأنصار يوم فتح مكة، وقدأعطى النبي قريشا: والله إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش، وغنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك النبي ، فدعا الأنصار، قال: فقال: "ما الذي بلغني عنكم"ــ وكانوا لا يكذبون ــ فقالوا: هو الذي بلغك، قال :  أو لا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟، لو سلكت الأنصار واديا، أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار، أو شعبهم .
ومنه ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي : لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار واديا، أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار، أو شعب الأنصار.
وما رواه سهل بن سعد قال: جاءنا رسول الله ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتافنا فقال رسول الله : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة؛ فاغفر للمهاجرين والأنصار. كما جاء في الصحيحين.
وروى البخاري من حديث أنس رضي الله عنه يقول: كانت الأنصار يوم الخندق تقول:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما حيينا أبدا
فأجابهم النبي فقال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ؛ فأكرم الأنصار، والمهاجرة.
وعن أنس بن مالك قال: خرج نبي الله ، فتلقته الأنصار بينهم فقال: والذي نفس محمد بيده إني لأحبكم، إن الأنصار قد قضوا ما عليهم، وبقي الذي عليكم، فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم.

فضل أهل بدر:
ومما اختص به النبي بعض أصحابه بالثناء ما جاء في فضل أهل بدر؛ الفئة التي رفعت أول سيف في وجوه أعداء الله، وحملت أول حملة لإرهاب الطواغيت؛ من أجل إقامة منهج الله في الأرض؛ فرضي الله تعالى عنهم، ومما ورد عن النبي :
ما أخرجه البخاري عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه ــ وكان أبوه من أهل بدر ــ قال: جاء جبريل إلى النبي فقال: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟" قال:  من أفضل المسلمين ــ أو كلمة نحوها ــ قال: "وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة.
وفي "صحيح البخاري" أن عليًا رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ، وأبا مرثد الغنوي، والزبير بن العوام وكلنا فارس؛ قال:  انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ، فقلنا: الكتاب فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها، فالتمسنا، فلم نر كتابا، فقلنا: ما كذب رسول الله ، لتخرجن الكتاب، أو لَنُجردنَكِ، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها؛ وهي محتجزة بكساء، فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله ، فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه، فقال النبي ما حملك على ما صنعت ؟ قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله ؛ وإنما أردت أن يكون لي عند القوم يَدٌ يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال النبي صَدَقَ ولا تقولوا له إلا خيرًا ، فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه، فقال: أليس من أهل بدر؟ فقال:  لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة" أو "فقد غفرت لكم ، فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم، قال النووي في شرحه على مسلم في هذا الحديث: قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ الْغُفْرَان لَهُمْ فِي الْآخِرَة، وَإِلَّا فَإِنْ تَوَجَّهَ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ حَدٌّ أَوْ غَيْره أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض الْإِجْمَاع عَلَى إِقَامَة الْحَدّ، وَأَقَامَهُ عُمَر عَلَى بَعْضِهِمْ، قَالَ: وَضَرَبَ النَّبِيّ مِسْطَحًا الْحَدّ وَكَانَ بَدْرِيًّا.
وروي عن أحمد بن حنبل أنه قال: أخبرنا هاشم عن محمد بن سيرين عن عبيدة قال: كان عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاث عشرة أو أربع عشرة أحد العددين.
وقال البراء بن عازب: كنا ــ يعني أصحاب محمد ــ نتحدث أن عدة أهل بدر: ثلاثمائة وبضع عشرة، كعدد أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر وما جاز معه النهر إلا مؤمن، وكذلك قال ابن إسحاق: من شهد بدرًا من المسلمين من المهاجرين والأنصار: ثلاثمائة رجل وأربعة عشر رجلًا، من المهاجرين ثلاث وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مائة وتسعون رجلًا.

فضل من شهد بيعة الرضوان :
أخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال لنا رسول الله يوم الحديبية: أنتم خير أهل الأرض ، وكنا ألفا وأربعمائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة.
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وقال الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.
وقال ابن تيمية في "العقيدة الواسطية": "ويفضلون ــ أي أهل السنة والجماعة ــ من أنفق من قبل الفتح وهو صلح الحديبية وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل، ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي ؛ بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة".
قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، فبايعنا رسول الله وآله وسلم؛ وعمر بن الخطاب آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، فبايعناه غير الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعيره فقيل لجابر: هل بايع النبيُ بذي الحليفة قال: لا، ولكنه صلى بها ولم يبايع تحت شجرة إلا الشجرة التي عند الحديبية، قال أبو الزبير: قلت لجابر: كيف بايعوا؟ قال: بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت، قال: وأخبرني أبو الزبير عن جابر قال: جاء عبدٌ لحاطب بن أبي بلتعة أحد بني أسد يشتكي سيده، فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال له:  كذبت لا يدخلها أحد شهد بدرًا أو الحديبية ، قال أبو عمر رضي الله عنه: قال الله سبحانه: لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ( الفتح: 18)، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدًا إن شاء الله.
وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أُمُّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدُ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا  ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا (مريم: ) فَقَالَ النَّبِيُّ :   قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ   :  ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [مريم: 72]. وقال النووي في شرحه على مسلم في هذا الحديث: قَوْله : لَا يَدْخُل النَّار إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ أَصْحَاب الشَّجَرَة أَحَد مِنْ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتهَا"، قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلهَا أَحَد مِنْهُمْ قَطْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْله حَدِيث حَاطِب، وَإِنَّمَا قَالَ: "إِنْ شَاءَ اللَّه" لِلتَّبَرُّكِ، لَا لِلشَّكِّ، وَأَمَّا قَوْل حَفْصَة: "بَلَى"، وَانْتِهَار النَّبِيّ لَهَا، فَقَالَتْ: وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا فَقَالَ النَّبِيّ : "وَقَدْ قَالَ: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا؛ فِيهِ دَلِيل لِلْمُنَاظَرَةِ وَالِاعْتِرَاض وَالْجَوَاب عَلَى وَجْه الِاسْتِرْشَاد، وَهُوَ مَقْصُود حَفْصَة؛ لَا أَنَّهَا أَرَادَتْ رَدَّ مَقَالَته ، وَالصَّحِيح أَنَّ الْمُرَاد بِالْوُرُودِ فِي الْآيَة: الْمُرُور عَلَى الصِّرَاط، وَهُوَ جِسْر مَنْصُوب عَلَى جَهَنَّم، فَيَقَع فِيهَا أَهْلهَا، وَيَنْجُو الْآخَرُونَ.
وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: رحم الله جابرًا، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.
وقال سفيان بن عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فقال لنا رسول الله : "أنتم اليوم خير أهل الأرض".
وقال سالم بن أبي الجعد: سألت جابر بن عبد الله عن أصحاب الشجرة؛ قال: كنا ألفا وخمسمائة، وقال: ولو كنا مائة ألف لكفانا، وقال أبو عمر رضي الله عنه: يعني الماء النابع من أنامله ، وقد كان ذلك منه مرات في مواطن شتى .


المصدر :   www sahaba.rasoolona.com

تأريخ النشر : 26 - 7 - 2014

الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة