الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
فصوص النصوص الصوفية (١-٧) الغَوْثيةُ .. ووَصْفُ القُطْبِ



                                                                                                                  د. يوسف زيدان

قال الغوثُ الأعظمُ ، المستوحشُ من غير الله ، المستأنسُ بالله : قال اللهُ تعالى : يا غوثَ الأعظم . قلتُ : لبيك يا رَبَّ الغوث . قال : كُلُّ طَوْرٍ بين الناسوت والملكوت فهو شريعةٌ ، وكُلُّ طَوْرٍ بين الملكوت والجبروت فهو طريقةٌ ، وكُلُّ طَوْرٍ بين الجبروت واللاهوت فهو حقيقةٌ .
يا غوث الأعظم ، ما ظهرتُ في شيء كظهوري في الإنسان . يا غوث الأعظم ، مَنْ قصَّر عن سفري في الباطن ، ابتُلى بسفر الظاهر ولم يزدد منى إلا بُعداً .. ومَنْ أراد العبارة بعد الوصول ، فقد أشرك .. ومَنْ رآني استغنى عن السؤال في كل حال ، ومَنْ لم يرني لم ينفعه السؤال ، لأنه محجوب بالمقال .
يا غوث الأعظم ، المحبة حجابٌ بين المحب والمحبوب، فإذا فني المحبُّ عن المحبة ، وُصل بالمحبوب . يا غوث الأعظم ، نَمْ عندي لا كنوم العَوَام ، ترني ! فقلتُ : يا رب كيف أنام عندك ؟ قال : بخمود الجسم عن اللذات وخمود النفس عن الشهوات ، وخمود القلب عن الخطرات ، وخمود الروح عن اللحظات ، وفناء ذاتك في الذات .
يا غوث الأعظم ، قُلْ لأصحابك وأحبابك ، مَنْ أراد منكم صحبتي فعليه بالفقر ، ثم فقر الفقر ، ثم الفقر عن الفقر ! فإذا تَمَّ فقرُهم فلا ثَمَّ إلاَّ أَنَا .
تظهر في هذه العبارات السابقة ، المختارة من (غوثية) الإمام عبد القادر الجيلانى ، طبيعة النصوص الصوفية التي أسميها «فصوص النصوص» لأنها تمثل بالنسبة إلى بقية النصوص ما يمثله الفصُّ بالنسبة للخاتم.. ولهذه (النصوص الفصوص) سمات وخصائص ، أهمها وأبرزها الإيجاز الشديد في المفردات المستعملة وتركيز المعنى الواسع في أقل عدد من الكلمات ، تأكيداً للقدرة على توليد الدلالات في نفس المتلقي ، قارئاً للنص كان أم سامعاً . فالإيجازُ اللفظي يقترن دوماً بالطاقة الإيحائية للمفردات والكلمات الاصطلاحية التي تصير في النص كأنها رموز تشير إلى معانٍ أوسع بكثير مما تعبِّر عنه المفردة أو الكلمة بذاتها ، أو في سياقٍ آخر . وهو ما نراه مثلاً في العبارة الأخيرة ، التي تخرج فيها كلمة (الفقر) من معناها العام المتداول ، لتكون معادلاً للطريق الصوفي كله ، بناءً على أن العبادة الحقة لله هي (الافتقار إلى الله) وعلى أن الصوفي في حقيقة حاله ، هو (الفقير إلى الله).. ثم تأخذنا العبارة إلى معنى دقيق ، هو أن هذا «الفقر» مراتب ، هي على الترتيب : الافتقار إلى الله ، الإمعان في الشعور بهذا الافتقار ، افتقاد الشعور بالافتقار ذاته ، ونسيان (الفقير) لحاله مع تعلقه بالمحبوب الأعلى الذي لا يتحقق الوصال معه إلا بتجاوز أي شعور بما سواه ، وهنا يتم المعنى العميق للفقر ، ويصل الصوفي إلى أعتاب مولاه .
وقد رأيت أن أبدأ هذه النصوص (الفصوص) السبعة بمختارات من أعمال الإمام عبد القادر الجيلانى ، لأنه ممن لا يختلف أحدٌ على مكانته.. فهو عند الصوفية واحدٌ من الأقطاب الأربعة الكبار الذين أسسوا أوسع الطرق الصوفية انتشاراً (الجيلانى ، الرفاعى ، البدوي ، الدسوقي).. وهو فقيه من أعلام المذهب الحنبلى ، وله عند الحنابلة مكانة متميزة .
ولد الإمام محيي الدين عبد القادر الجيلانى في جيلان ، ببلاد فارس (إيران) ولذلك انتسب إليها . وقد كانت عادة الناس في الزمن القديم ، أن يقولوا للرجل إذا كان مولده بجيلان (جيلانى) وإذا كان نسبه يعود إلى واحدٍ من أهل جيلان ، يقال له (جيلى) تمييزاً للمنسوب إلى البلد عن المنسوب إلى واحدٍ من أهلها .
وقد رحل الإمام الجيلانى في شبابه المبكر نحو بغداد ، وظل بها حتى وفاته سنة ٥٦١ هجرية ، بعدما نال في زمانه (وبعد وفاته) شهرة كبيرة ، جعلت كثيرين من المؤرِّخين يخصِّصون كتباً كاملة للتأريخ لحياته الحافلة.. وقد أحصيتُ في كتابي (التراث المجهول) خمسة وعشرين كتاباً في سيرة الإمام الجيلانى ، منها : غبطة الناظر من ترجمة الشيخ عبد القادر ، لابن حجر العسقلانى- روضة الناظر في مناقب الغوث عبد القادر ، للفيروزآبادى صاحب القاموس – بهجة الأسرار في ترجمة الشيخ عبد القادر وذريته الأطهار، للشطنوفى.. إلى جانب ما لا حصر له من أخبار ووقائع أوردها عنه كبار مؤرخي الإسلام في مدوَّناتهم التاريخية الكبيرة .
وللإمام الجيلانى كتاب شهير في الفقه هو «الغنية لطالبي طريق الحق» وله مجالس جُمعت في ثلاثة كتب : فتوح الغيب (مطبوع) الفتح الرباني والفيض الرحماني (مطبوع) جلاء الخاطر في الباطن والظاهر (مخطوط).. وله أشعار كانت متفرقة حتى جمعتها في ديوان كان النصف الثاني من رسالتي للدكتوراه ، وقد أضفتُ إليها مقالاته الرمزية ، التي منها «الغوثية» التي رأينا مختارات منها في بداية هذه المقالة.. ومنها أيضاً ، المختارات التالية :
 يا غوث الأعظم ، ما بَعُدَ عنى أحدٌ بالمعاصي ، ولا قَرُبَ منى أحدٌ بالطاعات.. أهل المعاصي محجوبون بالمعاصي ، وأهل الطاعات محجوبون بالطاعات ، ولى وراءهم قومٌ ليس لهم غَمُّ المعاصي ولا هَمُّ الطاعات !
يا غوث الأعظم ، أهل الطاعة يذَّكَّرون النعيم ، وأهل العصيان يذكرون الرحيم . وأنا قريبٌ إلى العاصي إذا فرغ من العصيان ، وبعيدٌ عن المطيع إذا فرغ من الطاعات .
يا غوث الأعظم ، إذا عرفت ظاهر العشق فعليك بالفناء عن العشق ، لأن العشق حجاب بين العاشق والمعشوق.. وإذا أردت أن تدخل حرمي ، فلا تلتفت بالملك وبالملكوت وبالجبروت ، لأن الملك شيطان العالم ، والملكوت شيطان العارف ، والجبروت شيطان الواقف ، فمن رضي بواحدٍ منها ، فهو عندي من المطرودين .
يا غوث الأعظم ، كمال المعراج (ما زاغ البصر وما طغى) ولا صلاة لمن لا معراج له عندي .
 وقد نُسبت هذه الرسالة المسماة بالغوثية ، إلى صوفي آخر شهير ، هو محيي الدين بن عربي . لكن نسبتها للإمام الجيلانى أقرب إلى الصحة ، خاصة أنها تقترب في لغتها من نصوص أخرى ثابتة النسبة للإمام الجيلانى ، منها نص «وصف القطب» الذي سنقدم منه مختارات أخرى بعد قليل . والغوثية ، عند الصوفية ، مصطلح خاص يعبِّر عن إحدى صفات القطب (الغوث) الذي يغيث الله به الخلق ، ويقبل شفاعته فيهم ، ولذلك عَدَّ الصوفية النبي محمداً صلى الله عليه وسلم ، هو الأصل لغوث المسلمين في الدنيا والآخرة .
أما الكاملون من الأولياء ، فهم وارثون لهذا المقام عند النبي.. ونصُّ الغوثية الذي مَرَّت علينا فقراتٌ منه ، هو نوعٌ من النصوص المسماة في اصطلاح الصوفية (الخطاب الفهوانى) ومعنى الفهوانية مشتقٌ هنا من قولهم : فاه الرجل ، إذا تكلم.. لكنها في حقيقة أمرها كلام إلهي يتجلى على قلب الصوفي في لحظات الكشف والفيض .
ومنها (المواقف والمخاطبات) لمحمد بن عبد الجبار النِّفَّرى ، وبعض قصائد الشاعر الصوفي الأشهر : ابن الفارض .
وبطبيعة الحال ، فإن الفقرات المختارة من (الغوثية) فيما سبق ، تحتاج إلى شرح طويل لا يسمح به المقام هنا . وما المراد بهذه المقالات شرح مقاصد النصوص الصوفية ، بقدر ما نريد التعريف بها والإشارة إليها كمخزون أدبي هائل في تراثنا ، نَسِيَه المعاصرون وأهملوه ، فحرموا أنفسهم من آيات بيانية ناصعة.. ولسوف نختتم هذه المقالة بمختارات من كلام الإمام الجيلانى في (وصف القطب) ونلحق به بعضاً من نصوصه الأخرى :
 أنَّى للواصف أن يبلغ وصف القطب ، ولا مسلكٌ في الحقيقة إلا وله فيه مأخذٌ مكين ، ولا درجة في الولاية إلا وله فيها موطن ثابت ، ولا مقام في النهاية إلا وله فيه قدمٌ راسخ ، ولا منازلة في المشاهدة إلا وله فيها مشربٌ هني ، ولا معراج إلى مراقي الحضرة إلا وله فيه مسرىً عليٌّ ، ولا أمرٌ في كونيْ الملك والملكوت إلا وله فيه كشف خارق ، ولا سرٌّ في عالميْ الغيب والشهادة إلا وله فيه مطالعة ، ولا مظهر لوجودٍ إلا وله فيه مشاركةٌ ، ولا فعل لقوىٍّ إلا وله فيه مباطنة ، ولا نور إلا وله فيه قبسٌ ، ولا معرفة إلا وله فيها نَفَسٌ.. ولا مكرمةٌ إلا وهو إليها مخطوب ، ولا مرتبةٌ إلا وهو إليها مجذوبٌ . لا مرمى فوق مرماه ، ولا مغشى فوق مغشاه ، ولا وجود أتمُّ من وجوده ، ولا شهود أظهرُ من شهوده ، ولا اقتفاء للشرع أشدُّ من اقتفائه.. إلا أنه كائنٌ بائنٌ ، متصلٌ ، أرضيٌّ سماويٌّ ، قُدسيٌّ غيبـيٌّ.. مستترٌ باتصاله.. بارزٌ بانفعاله . ولولا أن جُملته وتفصيله ، وأوله وآخره ، منطوٍ في حواشي تمكين المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وممزوج رحيقه بتنسيم نسمات رعايته.. لخرق سهمُ القدرة سياجَ الحكمة ! ولو خلق الله لهذا الأمر الذي أُشير إليه لساناً ، لسمعتم ورأيتم عجباً :

ما في الصبابة منهلٌ مستعذب ... إلا ولي فيه الألذُّ الأطيب


ولهذا النص السابق قصةٌ مذكورة في المخطوطات التي حفظته من الضياع ، ملخصها الآتي : قال المؤدب الحاسب ، كنتُ كثيراً ما أود أن أسأل الشيخ عبد القادر الجيلانى عن شىءٍ من صفات القطب ، فدخلتُ إلى مجلسه وهو يتكلم ، فلما جلست قطع كلامه وقال : أنَّى للواصف.. إلخ . وحين انتهت مقالة الإمام الجيلانى في وصف القطب ، أنشد مباشرةً من خاطره ، ومن دون تمهيد ، القصيدة التي ذكرنا مطلعها (ما في الصبابة..) وهى قصيدة طويلة مذكورة بالكامل في ديوانه .
وبعد.. فإن للإمام عبد القادر الجيلانى كثيراً من النصوص الفصوص ، الأخرى ، التي يضيق المجال هنا عن الإشارة إليها وتقديم فقرات منها ، لكنني أود أن أختتم هذه السطور بواحدة من مقالاته الخمس القصيرة عن (الحلاج) فقد اشتهر عن الإمام الجيلانى أنه قال : «عَثَرَ الحلاج ، ولم يكن في زمانه مَنْ يأخذ بيده ، ولو أدركته لأخذتُ بيده..» وفي هذه المقالة القصيرة التي اخترتها للقراء ، يقول الإمام الجيلانى عن الحلاج : طار واحدٌ من العارفين ، إلى أفق الدعوى ، بأجنحة «أنا الحق» فلما رأى روض الأبدية خالياً من الحسيس والأنيس ، صَفَّر بغير لغته تعريضاً لحتفه ، فظهر عليه عُقاب الملك من مكمن (إن الله غنىٌّ عن العالمين) وأنشب في إهابه مخلب (كل نفسٍ ذائقة الموت) وقال له شرع سليمان الزمان : لِمَ تكلمت بغير لغتك ؟ لِمَ ترنَّمت بلحنٍ غير معهود من مثلك ؟ اُدخلْ الآن في قفص وجودك ، وارجعْ من طريق عِزَّة القِدَمِ إلى مضيق ذِلَّةِ الحدوث ، وقُلْ بلسان اعترافك ليسمعك أرباب الدعاوى : حسب الواحد إفراد الواحد .
إشارة أخيرة : عبارة «حسب الواحد إفراد الواحد» قالها الحسين بن منصور الحلاج ، يوم مقتله مصلوباً في بغداد سنة ٣٠٩ هجرية.. وإلى لقاءٍ قادم ، مع نصٍّ صوفي آخر من فصوص النصوص.

 ------------------------------------------------------------------------------
المصدر : مقالة للدكتور يوسف زيدان نقلناها من الموقع المذكور بالرابط أدناه ( بتصرف )
http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=239238.

تأريخ النشر : 5 - 2 - 2015
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: علي كاني      البلد: تركيا       التاريخ: 06-02-2015
احب ان اضيف على مولد حضرة الشيخ الغوث عبد القادر الجيلاني قدس الله سره العزيز فهناك قول أنه ولد في جيلان العراق وهي قرية تاريخية قرب المدائن 40 كيلو متر جنوب بغداد، وهو ما أثبتته الدراسات التاريخية الأكاديمية وتعتمده الاسرة الكيلانية ببغداد كما ذكر في كتاب من بعض أنساب العرب ، د.خاشع المعاضيدي ، دار الرشيد ، بغداد ، 1997 ،ج2 ص 77 .
و سير أعلام النبلاء - الذهبي- مؤسسة الرسالة - الطبعة: الثالثة، 1405 هـ / 1985 م - ج 20 - الصفحة 439

شكرا جزيلا للطرح

الاسم: جاسم حمود حميد      البلد: العراق - دياى - بعقوبة       التاريخ: 11-02-2015
بسم الله الرحمن الرحيم -- ألَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَالحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً --- ( الا ان اولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون ) ألَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَالحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً ---


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة