الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
تراجع الشيخ ابن تيمية عن رأيه في التوسل بالنبي



سوف نورد هاهنا الدليل على تراجع الشيخ ابن تيمية عن رأيه في القسم الثالث من أقسام التوسل ، وهو التوسل بذات النبي فقد نقل الحافظ ابن كثير وهو تلميذ ابن تيمية في كتابه ( البداية والنهاية ) في أحداث سنة 707 هـ عن البرزلي أنه قال : ( وفي شوال منها ، شكى الصوفية بالقاهرة على الشيخ تقي الدين – أي ابن تيمية – وكلموه في ابن عربي وغيره إلى الدولة ، فردوا الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي ، فعقد له مجلساً وادعى عليه ابن عطاء بأشياء فلم يثبت عليه منها شيء ، لكنه قال : لا يستغاث إلا بالله ، لا يستغاث إلا بالنبي استغاثة بمعنى العبادة ، ولكن يتوسل به ويتشفع به إلى الله تعالى ، فبعض الحاضرين قال : ليس عليه في هذا شيء ) .
لقد استرعى هذا التحول المفاجئ في كلام الشيخ ابن تيمية نظر محققي ( البداية والنهاية ) فجاء تعليقهم على العبارة المذكورة ، ولكن يتوسل به ويستشفع إلى الله في هامش الكتاب ما نصه ( المعروف في كتب ابن تيمية وترجمته لابن عبد الهادي : ( أنه لا يجيز هذا .. فليحرر ) .
كما أن ابن تيمية قد تراجع عن تكفير من توسل بالمخلوق واستغاث به ودعاه ، حيث قال في كتابه ( اقتضاء الصراط المستقيم ) ما نصه : ( فكما ان إثبات المخلوقات أسباباً لا يقدح في توحيد الربوبية ولا يمنع ان يكون الله خالق كل شيء فلا يوجب ان يدعي المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استغاثة ، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك – يعني الشرك الأصغر – أو غيره أسبابً لا يقدح في توحيد الإلوهية ، فإن أحسن أحواله ان يكون مجتهداً في هذه المسألة أو مقلداً فيعفو الله عنه ...

المتفق عليه من التوسل :
لم يختلف أحد من المسلمين في مشروعية التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة فمن صام أو صلى أو قرأ القران أو تصدق فإنه يتوسل بصيامه وصلاته وقراءته وصدقته ، بل هو أرجى في القبول وأعظم في نيل المطلوب لا يختلف في ذلك اثنان ، والدليل على ذلك حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار ، فتوسل احدهم الله تعالى ببر والديه ، وتوسل الثاني بابتعاده عن الفاحشة بعد تمكنه من أسبابها ، وتوسل الثالث بأمانته وحفظه لمال غيره وأدائه له كاملاً ، وفرج الله عنهم ما هم فيه .
وهذا النوع من التوسل قد فصله وبين أدلته الشيخ ابن تيمية في كتبه وخصوصاً في رسالته ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) .

محل الخلاف :
وقد ذكر العلامة الدكتور محمد بن علوي المالكي تحقيقاً علمياً في تحرير موضع الخلاف فقال : ومحل الخلاف في مسألة التوسل هو التوسل بغير عمل المتوسل ، كالتوسل بالذوات والأشخاص بأن يقول الداعي : اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله تعالى وآله وسلم أو إليك بأبي بكر الصديق أو بعمر بن الخطاب أو بعثمان أو بعلي رضي الله تعالى عنهم فهذا هو الممنوع عند بعضهم .
ونحن نرى أن الخلاف شكلي وليس بجوهري ، لأن التوسل بالذات يرجع في الحقيقة إلى توسل الإنسان بعمله ، وهو المتفق على جوازه ..
ولو نظر المانع المتعنت في المسألة بعين البصيرة لانجلى له الأمر وانحل الإشكال وزالت الفتنة التي وقع بسببها من وقع فحكم على المسلمين بالشرك والضلال .
وسأبين كيف أن المتوسل بغيره هو في الحقيقة متوسل بعمله المنسوب إليه والذي هو من كسبه .
فأقول – وما زال الكلام للعلامة المالكي – اعلم ان من توسل بشخص ما فهو لأنه يحبه إذ يعتقد صلاحه وولايته وفضله تحسيناً للظن به ، أو لأنه يعتقد أن هذا الشخص محب لله تعالى يجاهد في سبيله ، أو أنه يعتقد ان الله تعالى يحبه كما قال سبحانه : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، أو لاعتقاد هذه الأمور كلها في الشخص المتوسل به .
وإذا تدبرت الأمر وجدت ان هذه المحبة وذلك الاعتقاد من عمل المتوسل لأنه اعتقاده الذي انعقد عليه قلبه فهو منسوب إليه ومسئول عنه ومثاب عليه ، وكأنه يقول : يا رب أني أحب فلاناً واعتقد أنه يحبك وهو مخلص لك ويجاهد في سبيلك ، واعتقد أنك تحبه وأنت راض عنه فأتوسل إليك بمحبتي له وباعتقادي فيه ان تفعل كذا وكذا .. ولكن أكثر المتوسلين يتسامحون في التصريح بهذا الأمر مكتفين بعلم من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ومن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ومن يعلم الجهر وما يخفى فمن قال : اللهم أني أتوسل إليك بنبيك .. هو من قال : اللهم إني أتوسل إليك بمحبتي لنبيك .. سواء ، لأن الأول ما أقدم على هذا إلا لمحبته وإيمانه بنبيه ولولا المحبة له والإيمان به ما توسل به ، وهكذا يقال في حق غيره من أولياء الأمة ..
وبهذا ظهر ان الخلاف في الحقيقة شكلي ، لا يقتضي هذا التفريق والعداء بالحكم بالكفر على المتوسلين وإخراجهم عن دائرة الإسلام : سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (1) (2) .

بماذا نتوسل :
قرر الشيخ العلامة المحدث الشهير فضيلة الأستاذ محمد زكي إبراهيم تقريراً مختصراً في قضية التوسل ، يزيل الشكوك والأوهام حول هذه القضية فقال :
أن التوسل – كأصل إسلامي – مشروع ، لا خلاف إطلاقاً على مشروعيته ، ولكن الخلاف على أسلوبه وطريقته ، وهو ليس بواجب على أحد به فعله ، ومن لم يقتنع به تركه ، ولكل عذره ودليله ، وهذه قاعدة إسلامية أساسية لابد من اعتبارها : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ (3) ...

حديث الأعمى والتوسل بالموتى :
وقد جاءت زيادة في الحديث موقوفة عن المرفوع ، صحيحة ، حدثت على عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه تدل على أن التوسل بحديث الأعمى ليس خاصاً بحياته فقط .
فقد اخرج الطبراني في معجمه الصغير ، وفي الكبير عن أبي إمامة ابن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له ، فكان عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه ( أي بعد وفاة النبي وبعد خلافة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ) فقال له عثمان بن حنيف ( وهو الصحابي المحدث العالم بدين الله تعالى ) أئت الميضأة فتوضأ ، ثم أئت المسجد فصلي فيه ركعتين ، ثم قل : اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة ، يا محمد .. إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي ، قال : وتذكر حاجتك ، ورح إليّ حتى أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له عثمان ( أي بن حنيف ) ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله عنه فجاء البواب حتى اخذ بيده ، فادخله على عثمان بن عفان ، فأجلسه معه على الطنفسة ( الوسادة ) وقال : ما حاجتك ؟! فذكر حاجته فقضاها له ثم قال له : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة !! وقال : ما كان لك من حاجة فأتنا .
ثم أن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له : جزاك الله خيراً ، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ ( أي توسط له عند عثمان بن عفان ) فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ، ولكن شهدت رسول الله وأتاه ضرير ، فشكا إليه ذهاب بصره ، فقال له النبي : أفتصبر ؟ ، فقال : يا رسول الله ، إنه ليس لي قائد ، وقد شق عليّ ، فقال له النبي : ايت الميضأة فتوضأ ثم صلِ ركعتين ، ثم ادع بهذه الدعوات .
قال عثمان بن حنيف : فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأن لم يكن به ضرٌ قط (4) .
يقول فضيلة العلامة المحدث الكبير الشيخ محمد زكي إبراهيم رحمه الله تعالى ، وهنا نص صحابي قطعي الدلالة ، صريح المعنى في صحة التوسل بالموتى ، وان الدعاء الوارد في الحديث ليس مخصوصاً بحياة النبي ، وقد صحح هذه القصة ، البيهقي والمنذري والهيثمي (5 ) .

تحقيق صحة حديث الضرير وزيادته :
قال الطبراني – عقب روايته الزيادة ما مجمله – أو الحديث صحيح ، وذكر أن شبيب بن سعيد المكي ، وهو ثقة ، تفرد به عن روح بن القاسم وان الحديث رواه أيضاً عن شعبة عن أبي جعفر الخطمي ، وقد تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة .
قال الشيخ ابن تيمية ( تأمل ) : والطبراني ذكر تفرده بمبلغ علمه ، وتم تبلغه رواية روح بن عبادة عن شعبة ، وذلك إسناد صحيح ، يبين أنه لم يتفرد به عثمان بن عمر .
قال الشيخ محمد زكي إبراهيم رحمه الله تعالى : ولو سلمنا بانفراده به عن شعبة وانفراد شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم اثنتان بإجماع علماء الحديث ، فالزيادة الموقوفة صحيحة ، والحديث المرفوع صحيح ، وقد وثق الطبراني رواته ،وبهذا ينبغي لغريب الحديث عند الترمذي ، وكم من حديث صحيح ولكنه غريب ، كحديث : إنما الأعمال بالنيات ، مثلاً .
وبهذا يتحقق علمياً أن الحديث صحيح على شرط الشيخين : البخاري ومسلم ، ومع هذا فبعض من في صدورهم غرض معين يضعف حديث الأعمى هذا من رواية الترمذي ، بحجة أن في سدده رجلاً غير معروف ، والقاعدة عدد علماء الحديث أن المجهول عند واحد إذا كان معلوماً عند غيره فالحجة للعالم به ، والمثبت مقدم على النافي عند جميع أهل العلم خصوصاً أهل الحديث .
وقد قال الترمذي : حديث حسن صحيح غريب ، لا يعرف إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر .
ومعنى هذا أن رواة الحديث مع مجهولية أبي جعفر عند الترمذي مقبولة بدرجة الحسن والصحة على الوجهين (6) .


الفهرس :
1
  - النور : 16 .
2  - مفاهيم يجب ان تصحح للعلامة المالكي ص 44 ، 45 .
3  - المائدة : 35 .
4  - رواه الطبراني في الصغير 1 / 306 وفي الكبير 9 / 30 .
5  - الإفهام والإقحام ص 12 – 13 .
6  - من كتاب كشف اللثام عن تصوف المظلل بالغمام للدكتور محمد سيد سلطان – ص 294 – 307 .

تأريخ النشر : 29 - 3 - 2015
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: جاسم حمود حميد      البلد: العراق - دياى - بعقوبة       التاريخ: 01-04-2015
بسم الله الرحمن الرحيم -- ألَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَالحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً --- قال تعالى ( ياايها الذين امنوا اتقوا الله وابتغو اليه الوسيلة )
... وصَلِّى ألَّلهُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَالحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلِّمْ تَسليماً ---

الاسم: د.وسيم شولي      البلد: فلسطين       التاريخ: 03-08-2015
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
ألَّلهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الوَصفِ وَٱلوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَالحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ
هذه المسألة المهمة عليها إجماع من علماء الأمة قديما وحديثا
ويشذالمحرمون من الجهلة
وأجمع وأنفع كتاب رأيته في الموضوع هو كتاب شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
لخادم السنة وقامع البدعة فقيد الإسلام الشيخ يوسف النبهاني رحمه الله
وعلى الكتاب تقاريظ كبار المحدثين والعلماء في زمانه


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة