الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
ذكر تلقين العهد



وما ينبغي للمريد أن يفعله قبله وبعده :

ينبغي لكل مريد إذ أراد اخذ العهد أن يتوب من الذنوب ، نادماً على ما وقع منه من المعاصي والعيوب ، عازماً على اجتناب المناهي والابتداع ، محافظاً على سنة الله وسنة رسوله ما استطاع .
فيجلس أمام أستاذه بانكسار وأدب ، معظماً له بفؤادٍ خالٍ عن الشبهات والريب ، متوجهاً بقلبه وكليته إليه ، متلقياً بالقبول ما يلقيه عليه ، فيصافح شيخه ، لأن المصافحة سُنة سَنِيّة متلقاة بطريق التسلسل عن خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه ، وقد عدها الأشياخ في الأركان ، لتلقي الخلف عن السلف لها عن سيد الأكوان .
وعند وضع اليد باليد ، يتلو الأستاذ آيتي العهد وهما قوله تعالى : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (1) وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (2) ثم يلقنه الورد المبارك ، وهو : ( استغفر الله مائة مرة ، اللهم صلِّ على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم مائة مرة ، لا اله إلا الله مائة مرة ، ويختمها بقوله : سيدنا محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مرة واحدة ) ، وذلك مرة في الصباح ، ومرة في المساء ، لأنه الواسطة في تأكيد الرابطة . (ملاحظة : في الطريقة الكسنزانية هناك اختلاف في العدد)
فإن تفرس في الأهليّة ، يأمره بلبس الخرقة البهية ، وهي جبة من صوفٍ مرقعة قد صارت لهذه الطريقة شعاراً ، ولمريديها دِثَاراً ، يلبسونها للمتجرد في بدايته ، لتتمرن نفسه على المجاهدة والزهد والمخالفة ، ولكل طريقة علامة وزي مخصوص مُبيّن عندهم ، وعليه منصوص .
ثم يأمره بالتقوى ، ومراقبة الله في السرِّ والنجوى ، والإكثار من ذكر الله في الخلوات والجلوات ، والمحافظة على الصلوات في الأوقات بالجماعات ، وترك ما لا يعنيه ، والفرار مما عن مولاه يلهيه ، والتمسك بما يقربه منه كنوافل الخيرات ، وإكثار الأذكار والطاعات ، وامتزاجه مع إخوانه ، مزاجهم فيما به علو شأنه ، وأن يتحلى بعقد مكارم الأخلاق الفريد ، الذي هو نور حال كل مريد ، فإن تهذبت منه الأخلاق ، وشدّ للخدمة النطاق ، وانشرح للذكر قلبه ، واطمأن به لبُه ، يلقنه حينئذ الذكر الخاص ، المقصور على الخواص ، لأن ذاكره يحتاج إلى استعداد كبير ، وتخل عن كل ما يشغله من جليل وحقير مع مخالفة هواه ومفارقة ما يهواه ، وتقليله من لغو الكلام ، والأكل والشرب ليقل نومه ويخف بدنه ، فيسهل عليه القيام والتهجد والناس نيام .
ويكون في حالة الذكر طاهر البدن والثياب على وضوئه مستقبل القبلة ، حاضر القلب مع الله الحضور التام ، مستوحشاً من الخلق ، مستأنساً بالحق ، سائراً بالصدق ، مخلصاً في أعماله أخلاصاً كاملاً لمولاه ، لا يريد بها سواه ، صارفاً همته في الوصول ، غاضاً نظره عما سواه وهو المأمول ، مشمراً عن ساق الجِدِّ ، ولسان الحال قد أنشد :
              
 يا ليلُ طلْ أو لاَ تَطلْ ******* لا بدَّ  لي  أن  أسهَرَك
                    لو باتَ عندي قَمرِي ******* ما بتُّ  أرعى   قَمرَك


ويتحلى بطول السير وما في المناجاة من اللذات ، ويمرن نفسه بأنواع المجاهدة على الطاعات .
وقد قال أستاذ والدنا مولانا العربي الدرقاوي رضي الله عنه : لا تستعجلوا الفتح كما استعجله من استعجله ، ففاته بذلك فتح الطريقة وخيرها وسرها وبركتها ونعيمها ، لأن من أراد اقتطاف الشيء قبل إبانِه عوقب بحرمانه ، انتهى .
فإن تمكن قدمُه في السير إلى الله تعالى وتهذيب أخلاقه وطابت أعراقه ، وتقوت روحانيته وضعفت بشريته ، كان روحانياً برزخياً قابلاً للتجلي ، متدرباً في طريق الترقي والتدلي ، متوجهاً بكمال الاستعداد والإقبال ، لإجابة نداء : ( يا عبدي ، فارقْ نفسك وتعال ) .
فإن فهم العبارة ، ووعى التلويح والإشارة ، ازداد غراماً على غرام ، وهياماً على هيام ، ولاح له مقام ، فقال : (أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا )، فأجابه لسان الحال :

  
فلم تَهوَني ما لم تكُن فيَّ فانيا
                                     ولم تَفْنَ ما لم تجتلي فيكَ صورتي


قال بعض المريدين لأستاذه : متى نصل مقامك يا سيدي ؟ فقال له : حتى يصير أقل إخوانك الفقراء عندك بمنزلتي .
يُشير إلى أن تعظيم مقام المريدين ، واسطة انتظام هذا العقد الثمين ، وأن يتعرض لنفحات الله ، كما قال أستاذ والدنا مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه : تعرضوا لنفحات ربكم ولا تعجزوا ولا تكسلوا لئلا يفوتكم ما فات جل الناس ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ومنها : التعرض للأفعال التي تنتج له نصيحة إخوانه ليكون على بصيرة من عيوب نفسه ، وأن يتخذ منهم خليلاً يحكمه في نفسه ليساعده في السير ويبصره بعيوبه ، ويدله على سبيل الخير .
ومنها : عدم الإنكار على أستاذه وإخوانه فيما يقع منه من الأفعال المخالفة لطبعه بل يحملها على مجمل الكمال ، فلربما يكون ذلك له في صدقه وثباته ، واختباراً لحقائق حالاته ، كما وقع الكثير من المريدين ، فمنهم من أخذ الله بيده فرجع وانتفع ، ومنهم من انقطعت به الأسباب ، وانسدت دونه الأبواب ، فتاه عن طريق الصواب ، ومنع عما فيه شرع ، حفظنا الله تعالى .
ومنها : امتثاله أمر أستاذه ، وتلقيه بالرضا والتسليم ، وانقياده له بقلب سليم ، لأن من قال لشيخه : لم ؟ لا يفلح أبداً ، فلا بدَّ من الرابطة القلبية ، والفناء فيه بالإخلاص وصدق النية ، بحيث لا يرى سواه ، لأنه الواسطة بينه وبين الله ، فيلزمه أن يؤثره على كل شيء ولا يؤثر عليه شيئاً ، وأن يفديه بما له وولده ووالديه ، وروحه التي بين جنبيه ، وان يرجع إليه في المهمات ، ولا يكتم عنه شيئاً من الخطرات والواردات ، وألا يهتم بأمر معيشته ، ولا ما يتعلق بأحوال بشريته ، إن كان متجرداً من الأسباب في حضرته بل يكون فارغ الفؤاد على قدم الجد والاجتهاد ، مع دوام الاستعداد لتلقي الفيوضات والإمداد ، لأن أستاذه قائم بمؤنته وما يتعلق بضرورته ، وإن كان متسبباً أي من أهل الأسباب ، فليكثر الذهاب والإياب ، ويتطفل على الأعتاب ، ويلزم بقلبه الباب ليسلك طريق الصواب ويلزم الثبات ويتعرض للنفحات ، ويستمطر المدد والفيوضات لتشمله البركات ، وتحفه العنايات ، وينال ما ناله أهل التجريد من الزيادة في الكمالات .
ومنها : علو همته في طلب المعالي ، واستخراج فرائد اللآلئ ، من بحر فيض الكريم المتعالي ، على قدر طاقته ، فقد ورد أن الله ينزل العبد على قدر همته .
ومنها : عدم التشوق إلى المقامات ، والتشوق إلى مراتب أهل الكشف وأصحاب خوارق العادات ، بإطلاعهم على المغيبات ، لأن ذلك كله فضول ، مبتذل عند أرباب الوصول ، ورحم الله من قال : 
     
ولا تلتفت في السير غيراً وكلُّ ما **** سِوَى اللهِ غيرُ فاتخذ ذكرَهُ حصناً
          مهما ترىَ  كلَّ  المراتبِ تجتلي ****   عليكَ  فحُلْ  عنها فعَنْ مثلِهَا حُلنَا
         وقلْ ليسَ ليِ فيِ غيرِ ذاتِكَ مطلبُ****   فلا صورَة تجلىَ ولا طُرفةَ تُجنَى


ومنها : علو الهمة عن الخلق ، والترك لما في أيديهم ، وعدم التشوف إليهم ، وقطع النظر عنهم بحيث لا يقبل منهم إلا ما أتاه من غير تشوف ولا سؤال كما في الموطأ : ( إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاءٍ فرده عمر ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : لم رددته ؟ فقال يا رسول الله ! أليس أخبرتنا أن خيراً لأحدنا ألا يأخذ من أحدٍ شيئاً ؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : إنما ذلك على المسألة ، فأما ما كان من غير مسألة ، فإنما هو رزق يرزقكه الله ، قال عمر بن الخطاب : أما والذي نفسي بيده ، لا أسأل أحداً شيئاً ولا يأتيني شيءٌ من غير مسألة إلا أخذته (3) .
ومنها : أن يتورع في أقواله وأفعاله وأحواله بترك الشهوات ، وعدم الدخول فيما لا يعني ولو في المباحات ، لأن الورع أول الزهد .
وفي ( قوت القلوب) لأبي طالب محمد بن علي المكي ما نصه : قلت لأبي عبد الله : رجلٌ سقطت منه ورقة فيها أحاديث فوائد فأخذتها ترى أن أنسخها وأسمعها ؟ قال : لا ، إلا بأذن صاحبها ، انتهى .
وقال سيدنا الصديق رضي الله عنه : كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام .
ومنها : الزهد فينبغي أن يزهد في الحلال فضلاً عن الحرام والمكروه والمشبوه ، فإن الزهد في الحرام واجب ، وفي الحلال فضيلة ، فإذا زهد في الحلال فالحرام من باب أولى وأحرى .
ولذا ردَّ إبراهيم التيمي خمسين ألف درهم دُفعت له فسُئل عن ذلك ، فقال : أكره أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء بخمسين ألفاً .
وكان السلف الصالح يقولون : نعمة الله علينا فيما صرف عنا من الدنيا أعظم من نعمته علينا فيما صرف إلينا ، وقال سهل بن عبد الله : لا يصح التعبد لأحد ، ولا يخلص له عمله حتى لا يخرج ولا يفر من أربعة أشياء : الجوع والعُري والفقر والذل ، وقال ابن السماك : الزاهد من خرجت الأفراح والأحزان من قلبه ، فهو لا يفرح بشيءٍ من الدنيا أتاه ، ولا يحزن على شيءٍ منها ، فإنه لا يبالي على عسرٍ أصبح أم على يسر ، فمن الزهد أن يكون بفقره مغتبطاً مشاهداً لعظيم نعمة الله عليه ، ثم يخاف أن يسلب فقره ، ويحول عين زهده ، كما يكون الغني مغتبطاً بغناه يخاف الفقر ، ثم عن وجود حلاوة الزهد حتى يعلم الله من قلبه أن القلة أحب إليه من الكثرة ، وأن الذل أحب إليه من العز ، وأن الوحدة آثر عنده من الجماعة ، وأن الخمول أعجب إليه من الاشتهار ، والمقصود أن يزهد فيما سوى الله تعالى .
قيل : من صدق في زهده أتته الدنيا راغمة ، فعند ذلك تكون في يده لا في قلبه ، فيتصرف فيها على طبق أمر ربه ، متبعاً قول المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : الخلق عيال الله ، وأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله (4) .
والحاصل أن كل من زهد في الدنيا أتته راغمة ، ومن طلبها أعياه حصولها .
ولذا قيل : لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت إلا على رأس من لا يريدها ، وفي الحديث القدسي : يا دنيا ، أخدمي من خدمني ، واتعبي من خدمك (5) .
ومنها : الفقر فينبغي أن يختار الفقر على الغنى ، ويتحلى به لما فيه من الشرف الأكمل والوصف الأجمل ، وكفى الفقراء فخراً وشرفاً وجمالاً مدحهم في الكتاب العزيز بقوله سبحانه وتعالى : لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (6) . وقوله تعالى : لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ (7) .
وفي الحديث الشريف : إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال (8) .
وورد في الخبر عن سيد البشر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام (9) .
وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : اللهم أحيني مسكيناً ، وامتني مسكيناً ، واحشرني في زمرة المساكين (10) .
فهذا منه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم تفضيل للفقراء ، وإكرام لهم ، وتنبيه وحث على فضلهم .
وروي أن سيدنا إسماعيل عليه السلام قال : ( يا رب ! أين أطلبك ؟ قال : عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ، قال : ومن هم ؟ قال : الفقراء الصادقون ) .
والفقير إذا أطلق في الطريقة ، فالمراد به من افتقر إلى الله ، واستغنى به عمن سواه ، وقد صار علماً بالغلبة على المريد الصادق ذي الجد والتجريد .
ومنها : المجاهدة فيلزمه أن يكون في بدايته صاحب مجاهدة ، ليتنعم في نهايته بمقام المشاهدة ، لأن البدايات مجلاة للنهايات ، ومن أشرقت بدايته أشرقت نهايته ، قال تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (11) .
وقيل : إن رأس المجاهدة وملاكها فطمُ النفس عن المألوفات ، وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات ، فلذا ينبغي أن يعود نفسه الجوع الذي هو أحد أركان المجاهدات ، والموصل للعلم والحكمة ، ووسيلة لصفاء الذهن وحضور القلب وتهذيب النفس ، وخفة البدن في الطاعات ، والرغبة في العبادات ، لأنه الكاسر للشهوات ، ولذا اتخذه أرباب السلوك وصفاً من أوصافهم ، وعودوا أنفسهم عليه ، فتفجرت ينابيع الحكمة من قلوبهم بسببه .
قيل : لو أن الجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره ، وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حتى يربط على بطنه الحجارة من شدة الجوع .
وفي الحديث : جاءت فاطمة – رضي الله عنها – بكسرة خبزٍ لرسول الله ، فقال : ما هذه الكسرة يا فاطمة ؟ قالت : قرصاً خبزته ، ولم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة ، فقال : أما أنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام (12) .
فينبغي لكل مريد أن يأخذ حظه ونصيبه من ذلك ولو بترك لقمة من غذائه ولقمة من عشائه ، لأن الله تعالى جعل في الشبع المعصية والجهل ، وجعل في الجوع العلم والحكمة .
وقيل : الجوع نور والشبع نار ، والشهوة مثل الحطب يتولد منه الإحراق ، ولا تنطفئ ناره حتى تحرق صاحبها ، فافهم ترشد .
ويلزمه أن يتجرع مرارة الصبر ، ليلتذذ بحلاوته في نهاية الأمر ، كما قيل :
       
      
والصبرُ كالصبرِ مُرٌّ في مذاقتهِ
                                        لكن عواقبهُ أحلى مِنَ العسلِ


قال سيدنا علي كرم الله وجهه : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد .
وقد تكلم القوم فيه بكلام كثير ، ونهاية ما قيل : الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب ، قال تعالى : (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ
(13) .وقال سبحانه وتعالى : وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (14) .
فتأمل هذه المزية التي نال بها الصابرون شرف المعية ، فعليك بذلك ، أيها السالك تدرك ما هنالك .
ويلزمه أن يقتنع باليسير من الدنيا ، لأن القناعة كنز لا يفنى ، وقيل : الفقراء أموات إلا من أحياه الله بعزِّ القناعة ، وفي الزبور : القانع غني ولو كان جائعاً .
وقيل لأبي يزيد ، بم وصلت إلى ما وصلت ؟ فقال : جمعت أسباب الدنيا فربطتها بحبل القناعة ووضعتها في منجنيق الصدق ورميت بها في بحر الإياس فاسترحت .
ويلزمه أن يتحلى بالفاقة ، فقد قيل : الفاقة أعياد المريدين ، وأن يصمت عما لا ينبغي من فضول الكلام لما في ذلك من الملامة وكثرة الندامة وعدم السلامة ، لأن اللسان بمثابة الثعبان ، خطره جليل وأمنه قليل ، فإن من لم يتوقه لحقه آذاه ، ومن ملكه فقد بلغ مناه ، وقيل لذي النون المصري : من أصون الناس لنفسه ؟ قال : أملكه للسانه .
والصمت من آداب الحضرة ، قال الله تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ (15) .وقد قال سبحانه وتعالى : وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (16).وفي الرسالة القشيرية : صمت العوام بلسانهم ، وصمت العارفين بقلوبهم ، وصمت المحبين من خواطر أسرارهم .
أقول : فمن تمسك بالأدنى الذي هو صمت العوام ظفر فيما بعده وبالله التوفيق .
ومنها : الخوف والرجاء ، فينبغي أن يكون دائماً بين خوفٍ ورجاء ، وأمن والتجاء ، فالخوف سوط الله يقوِّم به الشاردين عن بابه ، والرجاء ارتياح القلوب لرؤية كرم المرجو وثوابه ، فكن بينهما مرتاحاً ، إن أردت صلاحاً ورجوت فلاحاً ورُمت نجاحاً .
قيل : الخوف والرجاء هما كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه ، وإذا نقص احدهما وقع فيه النقص ، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت .
ومنها : التوكل فيلزمه أن يتوكل على الله في جميع أموره ، قال تعالى : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (17).وشرط التوكل ما قاله أبو تراب النخشبي : طرح البدن في العبودية ، وتعلق القلب في الربوبية ، والطمأنينة إلى الكفاية ، فإن أُعطي شكر ، وإن مُنع صبر .
وقيل : حركة المظاهر لا تنافي توكل القلب بعد ما تحقق العبد ، إن التقدير من قِبل الله تعالى فإن تعسر شيء فتقديره ، وان اتفق شيء فتيسيره .
ومنها : التقوى قال الله تعالى : وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (18).فينبغي له أن يجعل التقوى رأس ماله ، فمن كان رأس ماله ذلك كلّت الألسن عن وصف ربحه .
قال تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (19). وقال تعالى : وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ، ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (20).
ويلزمه أن يتقي الكبر والحرص والحسد ، فقد ورد : ثلاث هن أصل كل خطيئة فاتقوهن واحذروهن : إياكم والكبر ، فإن إبليس حمله الكبر على ألا يسجد لآدم ، وإياكم والحرص ، فإن آدم حمله الحرص على أن يأكل من الشجرة ، وإياكم والحسد ، فإن بني آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسداً (21).
وقيل : الحاسد جاحد ، لأنه لا يرضى بقضاء الواحد ، والحسود لا يسود .
ويتقي أيضاً الغيبة والنميمة عملاً بقوله تعالى : وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً (22). وقوله : وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ، هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (23).
وقيل : يعطى الرجل كتابه فيرى به حسنات لم يعلمها ، فيقال له : هذا بما اغتابك الناس ، وأنت لم تشعر .
وقد ذكرت الغيبة عند عبد الله بن المبارك فقال : ( لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت والديَّ ، لأنهما أحق بحسناتي ) .
واعلم أن حظ المؤمن من أخيه ثلاث خصال : إن لم ينفعه فلا يضره ، وإن لم يسره فلا يغمه ، وإن لم يمدحه فلا يذمه ، وبالله التوفيق .
ومنها : الصدق فيلزمه أن يكون صادقاً مع الله تعالى في سائر أحواله ، لأن الصدق عمدة في طريق ، وبه يصل المريد لدرجة أهل التحقيق ، وهو تالٍ لدرجة النبوة .
قال تعالى : فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ (24). وقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (25).
وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : لا يزال العبد يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا (26).
وقال الجنيد رضي الله عنه : حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب .
وقال ذو النون المصري رضي الله عنه : الصدق سيف الله ما وقع على شيء إلا قطعه ، فعليك به أيها المريد تنال ما تريد .
ومنها : الحياء فليلزمه أن يستحي ، لأن الحياء من الإيمان ، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال ذات يوم لأصحابه : استحيوا من الله حق الحياء ، قالوا : إنا نستحي يا رسول الله والحمد لله ،  قال : ليس ذلك ، ولكن من استحي من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى ، وليذكر الموت والبلا ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحي من الله حق الحياء(27) .
ومنها : الجود والسخاء ، فينبغي إن يتصف بهما ، لأنهما وصفان حميدان لا يتصف بهما إلا من أحبه وأراد اختصاصه قال تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (28).
وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : السخي قريب من الله تعالى ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله تعالى ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة ، قريب من النار ، وجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل (29). 
وحقيقة الجود ألا يصعب عليه البذل ، وعند القوم السخاء هو الرتبة الأولى من الجود بعده ثم الإيثار ، فمن أعطى البعض ، وأبقى البعض هو صاحب سخاء ، ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شيئاً فهو صاحب جود ، والذي قاسى الضرر وأمر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار .
ومنها : مخالفته لنفسه ، فيلزمه أن يخالفها ويتهمها ، ولا يركن إليها بل يعرض كل ما حسنته له على الشرع خِيفة خداعها .
 قال سيدي البوصيري : 
       
كَم حسُنت  لذةٌ  للمرءِ قاتلةٌ ***** مِن حيثُ لم يَدرِ أنَّ السمَّ في الدسمِ


وأن يخالف هواه أيضاً ، قال أستاذ والدنا مولاي العربي الدرقاوي رحمه الله تعالى : مخالفة الهوى تُنتج العلم الوهبي ، والعلم الوهبي يُنتج اليقين الكبير ، واليقين الكبير ينفي الشكوك والأوهام بالكلية ، ويزج صاحبه في الحضرة الربانية .
وقال تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (30).
ومنها : أن يتخلق بمكارم الأخلاق ، لأن صاحب الأخلاق الكريمة ، والطبيعة السلمية ، أقوى الناس إيماناً ، وأفضلهم منقبةً وإحساناً ، وقد مدح الله تعالى نبيه الكريم فقال : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (31).  قال بعضهم : الخلق العظيم صاحبه لا يُخاصِم ولا يُخاصَم لشدة معرفته بالله تعالى ، بل مذهبه التسليم ، لتقدير السميع العليم .
الفتوة في الدين نهج الصالحين ، وأن يكون صاحب فتوة يخدم إخوانه ، ويقضي حوائجهم ، ويتفقد أحوالهم من غير تشوف للمكافآت ، ويتحمل الأذى ، ويكفه ، لأن كفه من الواجبات ، وبغض نظره عن المساوئ ، ويصفح عن العثرات . 
 قال سيدي أبو مدين الغوث رضي الله عنه : 

     
بالتفتِّي على الإخوَانِ جُدْ أبداً ****  حِساًّ ومعنَى وغُضَّ الطرفَ إنْ عثرَا


وقال الجنيد رضي الله عنه : الفتوة كف الأذى ، وبذل الندى .
وقيل : قدم جماعة من الفتيان لزيارة رجل يدعي الفتوة ، فقال الرجل : يا غلام ، قدم السفرة ، فلم يقدمها ، فأعاد القول ثانياً وثالثاً ، فنظر بعضهم إلى بعض . 
وقالوا : ليس من الفتوة أن يستخدم من يتعاصى عليه ، فقال الرجل : لم أبطات بالسفرة ؟ فقال الغلام : كان عليها نمل ، فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل ، ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل من السفرة فلبثت حتى دب النمل ، فقالوا : دققت يا غلام ، مثلك من يخدم الفتيان ؟ .
وفي الرسالة القشيرية : إن من الفتوة الستر على عيوب الأصدقاء ، لاسيما إذا كان لهم فيها شماتة الأعداء .
وسأل شقيق البلخي جعفر بن محمد الباقر عليه السلام عن الفتوة فقال جعفر : ما تقول أنت فيها ؟ قال : إن أُعطينا شكرنا ، وإن مُنعنا صبرنا ، فقال جعفر : الكلاب عندنا بالمدينة كذلك تفعل ، فقال شقيق ، يا ابن بنت رسول الله ، ما الفتوة عندكم ؟. قال : إن أعطينا آثرنا ، وإن مُنعنا شكرنا .
فهذا نهاية حد الفتوة ، وغاية درجة المروءة ، فكن لها مالكاً ، ولطريقها سالكاً .
ومنها : الإخلاص فينبغي أن يخلص لله في جميع أقواله وأفعاله وأحواله ، ليكون من خاص خواص عباده المقربين .
قال تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (32).
 وفي الخبر المسند أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أخبر عن جبريل عن الله سبحانه وتعالى أنه قال : الإخلاص سر من سري استودعه قلب من أحببته من عبادي (33). وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : ما أخلص عبدٌ قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (34). 
وفي الرسالة القشيرية : الإخلاص إفراد الحق سبحانه وتعالى في الطاعة بالقصد ، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله دون شخص آخر من تصنع لمخلوق ، واكتساب محمدة عند الناس ، أو محبة مدح من الخلق ، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله ، فإذا اخلص العبد انقطع عنه كثرة الوسواس والرياء ، انتهى .
والحاصل أن الإخلاص روح الأعمال ، فإذا خلت الأعمال من الإخلاص بقيت كجسد بلا روح . 
ونجاح كل أمر الاستقامة ، فمن أُوتيها أوتي الكرامة ، وخرج من الملامة ، وكانت على نجاحه وصلاحه وفلاحه أعظم دليل واكبر علامة .
فعليك بها أيها السالك تبلغ آمالك ، وتفز على أقرانك ، وتتأيد أحوالك ، ويتأسس على التقوى بنيانك ، وتظفر بالعناية والتكريم ، وتختص بمزيد التعظيم : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (35).

الحضور في الذكر ومجالسة أهله :
وكن حاضر القلب مع الله دائماً بصدق توجهك إليه في حال المراقبة في كل وقت من الأوقات ، وساعة من الساعات مع المداومة على الطهارة ، والإكثار من الذكر الخفي والجلي .
كما قال سيدي أحمد الشريشي رضي الله عنه :

ولا تكن إلا تالياً أو مصلياً ******  ودائمُ ذكر القلب أيد من ذكر


وحيث كان عكوف المريد على ذكر السر ، ومداومته عليه تنتج في باطنه حرارة مؤثرة مقلقة لسره ، وربما تزداد فيخشى عليه بسببها الإغماء والتعويض في السير ، وجعلوا الذكر الجهري دواء لذلك بحيث يجتمع المريدون حلقة ، ويذكرون جهراً قياماً وقعوداً مع سماع إنشاد كلام القوم ليتروح بذلك فؤادهم ، ويلطف استمدادهم ، فترى كلاً منهم ما بين تواجد ووجدان ، نشوان غير حيران .
ويكون هذا الذكر في كل يوم بعد أداء صلاة الصبح وأداء صلاة المغرب ، ومن تخلف لعذر حقيقي لا يؤاخذ بذلك ...
ولله در من قال :
      
فإنا  إذا  غبنا  وطابت  نفوسُنا
                                      وخامرنا  خمرَ   الغرامِ  تهتكنَا 
          فلا تلُم السكرانَ في حالِ سُكرِهِ
                                     فقد رُفِعَ التكليفُ في سُكرِنا عنَّا


وبعد إتمام الذكر يتذاكرون في أسرار الطريق وآدابها ، وأسباب التوفيق التي يكر عبها من زلال شرابها .
سمعت والدنا رحمه الله يقول : الناس خمرتهم في الحضرة ، ونحن خمرتنا في الهدرة ، يعني المذاكرة التي أشرنا إليها لما فيها للمريد من المدد والإفادة التي هي فوق العادة .
ويلزمه المحافظة على قراءة ورده ، حسب ما تلقاه من شيخه ، وإن كان مأذوناً في ذكر الاسم الخاص ، فيستغرق فيه غالب أوقاته .
ويحافظ على صلاة الضحى ، وبقية النوافل المستحبة كالاستخارة النبوية ، وصلاة التسابيح لما ورد فيها من الفضائل التي لا يمكن أن تستقصيها ، ولا بأس بالتنقل في العبادة وأنواع الأذكار ، أناء الليل وأطراف النهار ، وكذا الاستغفار ، والصلاة على النبي المختار صلى الله تعالى عليه وآله الأخيار ، وأصحابه السادة الأبرار ما بزغت شمس النهار ، وهبت نسمات الأسحار ، فحركت الأشجار ، وعطرت الأزهار .
هذا ولما إن ظهرت الطريقة وانتشرت ، وعلت دعائم أركانها واشتهرت ، وعمّ فيض بركاتها سائر المريدين ... تطاولت أعناق الحساد إليها ، وتكلمت الألسنة بالإنكار عليها ، بكلامٍ لا طائل تحته ، بل أوجب تفريع صاحبه ومقته ، حيث إن شمس عُلاها قد أشرقت في برج سماء الرشد والمدد ، لا ينكر سواطع أنوارها إلا من استولى على فؤاده العمى ، وعلى عينه الرمد .
     
قد تُنكرُ العينُ ضوءَ الشمس من رمدِ
                                               وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ مِن سِقَمِ


وذلك كاعتراضهم على الذكر جهراً مع الجماعة ، وجعلهم الإنشاد ولبس الخرقة من أخس بضاعة ، وغير ذلك من الترهات التي أوردوها ، وقد تصدى لها بعض علماء الأزهر وغيره وردوها .
وسأذكر بعض ما أوردوه من الأقوال ، لتتحقق أن هذه الطريقة على قدم الشريعة في سائر الأحوال ، فمن سلكها حاز الشرف ومن ذاق عرف .
فمن ذلك ما أجاب به فخر العلماء الأعيان ، وعمدة صلحاء الزمان الشيخ محمد فتح الله قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه عن سؤالٍ ورد عليه ، ونص جوابه :
الحمد لله وحده حيث كان هذا الرجل بهذه الحالة ، وأجلسه أستاذه لذلك فله فعل ما ذكر ولا حرج عليه ، ولا بدعة في ذلك ، لأنه ورد أنه عليه الصلاة والسلام لقن أصحابه جماعة وفرادى .

أما الجماعة : فقد ورد عن شداد بن أوس أنه قال كنا عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال : هل عندكم من أحد ؟ أي : من أهل الكتاب ، قلنا : لا ، قال ارفعوا أيديكم ، وقولوا : لا إله إلا الله ، فرفعنا أيدينا ساعةً وقلنا : لا إله إلا الله (36).
وأما فرادى : فقد ورد أنه عليه الصلاة والسلام لقن علي بن أبي طالب حين سأله ذلك ، كما رواه الشيخ يوسف الكوراني بسند صحيح : أن علياً رضي الله عنه سأل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله ، دلني على اقرب الطرق إلى الله وأسهلها عليَّ عبادة ، فقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا اله إلا الله ، قم قال علي : كيف أذكر يا رسول الله ؟ فقال : غمض عينيك واسمع مني ثلاث مرات ، ثم أنت قل ثلاث مرات وأنا اسمع ، فقال عليه الصلاة والسلام : لا اله إلا الله ثلاث مرات مغمضاً عينيه رافعاً صوته وعلي يسمع ، ثم قال علي : لا اله إلا الله ثلاث مرات مغمضاً عينيه رافعاً صوته ، والنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يسمع (37).
بل يلزمه العمل به ، والقيام بوظائف الأوراد والأذكار التي عاهد عليها شيخه ، وتلقاها عنه لالتزامه طاعته ، ولا معنى للعهد إلا الامتثال والعمل بما أمره به ، وقد نصّ في بعض حواشي التفسير أن تركها اختياراً كسلاً فسوق ، ومن لازم أوراد شيخه فاز بمقاصده في الدارين .
كما قال في المبتهجة :
                     
وألزم بابَ الأستاذِ تفُزْ **** وتكن بذلكَ خِلٌ نجيُّ


وهذه الأوضاع التي وضعها أهل الطريق في الذكر من القيام والجهر والاهتزاز وقصر الاسم الشريف في بعض الأحوال ، وإفراد ( لا اله إلا الله ) عن ( محمد رسول الله ) ، والإنشاد ، والاجتماع على الذكر ولبس الخرقة ، ليس فيها منكر ولا دليل على منعها ، بل هي مشروعة ، لأنهم لما رأوا الهمم قصرت وغلب على الناس الكسل ، وحب البطالة التي جُبلت عليه النفس جعلوا تلك الأمور وسيلةً للرغبة في الذكر ، والنشاط ، والقوة عليه ، وحضور القلب والإقبال على المذكور ، فهي مشروعة ، لأن الوسيلة تعطي حكم المقصد ،ولهم فيها أدلة من الكتاب والسنة .

أما القيام : فقوله تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ (38) على ما فيها من التفاسير فهي دالة على إباحة القيام فيه بل هو أولي إذا لحقه الكسل والفتور عند الجلوس .

وأما الجهر : فقد تقدم أن علياً تلقى الذكر عن النبي جهراً ، والمريد يذكر على ما تلقى من شيخه .وقد ورد الأمر به في تكبير العيد ، وهو ذاهب للمُصلى والتلبية والرباط ، فكذلك الذكر ليقبل الناس عليه ويشتغلوا به ، وتلين له قلوبهم .
وقد ورد أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يجهر بالقرآن في المسجد فيسمعه أهل الدور حوله ، وأن أصحابه كانوا يقرءون معقبات الصلاة جهراً في زمنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم .
وعن جابربن عبد الله الأنصاري أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر، فقال آخر : لو أن هذا خفض من صوته ، فقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : دعه فإنه أواه (39) أي : رحيم رقيق القلب .
( وروي أن أناساً كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر عند غروب الشمس في زمن عمر بن الخطاب فإذا خفضوها أرسل لهم أن ثوروا الذكر ) أي : ارفعوا أصواتكم به .
وقال الغزالي : إن الله شبهَّ القلوب بالحجارة ، والحجر لا ينكسر لا بقوة تامة ، فكذلك القلب القاسي لا يتأثر إلا بالذكر الجهري القوي .

الاهتزاز في الذكر :
وأما الاهتزاز : فقد ذكر القوم في كتبهم طلبه للذاكر يبتدئ في لا اله إلا الله من السرة مائلاً لليمين ، ويختم بـ إلا الله على اليسار ، فيصل الاسم الشريف للقلب اللحمي ، ويقرعه فيكون أقوى في الاستحضار ، وأشد في نفي الاغيار ، كما نصّ عليه في منهج السالك وغيره .
وروي في بعضها أيضاً أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بشر بعض أصحابه ببشارات ، فكل من بشره منهم حجل واضطرب وتمايل فرحاً بما بشر به ، فدل على جواز الاضطراب والاهتزاز عند الهيام والفرح .
وقد اختلف الفقهاء في الاهتزاز عند قراءة القران ، وانحط الحال على فعله بقدر الحاجة للنشاط ، ودفع الكسل فكذلك الذكر لعدم الفارق ، لكن مع الأدب فلا يتجاوز الحد حتى يكون تلاعباً ورقصاً ، وهذا فيمن تمالك حاله ، وضبط أفعاله ، وكانت باختياره ، وأما من غلب عليه حاله ، وسلب بالذكر اختياره ، وغاب عن حسه وشعوره ، فلا حرج عليه فيما يصنع ، لأن أفعاله اضطرارية ، ولا تكليف إلا اختياري .
كما قال العارف :
            
وبعد الفنا في الله كن كيف تشاء
                                                 فعملك لا جهل وفعلك لا وزر


وأما القصر الشريف ، وعدم مده فهو جارٍ على بعض لغات العرب كما نقله العلامة الصبان في رسالته على البسملة أن بعض العرب يقصره ، قال : وذلك ينفع المسرعين في الذكر ، والذاكر إذا لهج بالذكر وأسرع به وتابعه التهب قلبه واحترق وزاد شوقه وتلهفه للمذكور ، وقوي استحضاره كما هو المقصود .
إفراد كلمة التوحيد في الذكر  وأما إفراد ( لا اله إلا الله ) عن ( محمد رسول الله ) فلأنها متضمنة لها ، وصارت كالعلم عليهما كما في حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا اله إلا الله  (40).
ولم يقل محمد رسول الله ، ولأن محمداً رسول الله إقرار بالرسالة ، ويكفي فيه مره واحدة في العمر ، ولا اله إلا الله رأس الذكر، وانفع ما يعالج به القلب في إصلاحه ، وإقباله على المذكور ، ونفي الاغيار ، ودفع الوساوس والخواطر الرديئة ، وأقرب وأقطع في انجلاء القلب وصفائه ، ورياضة النفس وتهذيبها .
ولذلك اختارها الصوفية لتربية المريدين وتهذيب نفوسهم ، كما نص عليه سيدي علي المر صفي في ( منهج السالك ) .

الإنشاد الديني :
وأما الإنشاد وسماعه : فلا بأس به لاشتماله على حكمٍ ومواعظ ، كما ورد : ( إن لمن الشعر لحكمة ) فتقوى به الروح وتنتعش ، لأنه لها كالغذاء ، وينهض الجسم ، ويهيم في الذكر ، وكان صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يسمعه ويتمثل به تروحاً ، ويأمر حسان به ، ويقول : اللهم أيده بروح القدس (41). وهو جبريل ، ونهى من أنكره عليه في المسجد الشريف كما وردت به الأحاديث الشريفة .
فهو مأمور به في الجملة خصوصاً إذا كان فيه ذكر الصالحين ، وسيرهم فيه تنزل الرحمات ، وربما السامع اعتباراً واهتداءً بهديهم .
وأما الاجتماع على الذكر ، وإيقاعه في الجماعة ، فقد قالت الصوفية : إن الذكر في الجماعة كالصلاة فيها ، لما في الحديث القدسي : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملأه (42). وهذا يدل على فضيلة الذكر جماعة .
وفي الحديث : يد الله مع الجماعة (43). أي : نصره وإعانته وعسى فيهم مقبول فتعمهم بركته ، والمنفرد معرض لتلاعب الشيطان به واغتياله له وقطعه عن الخير ، وقد قالوا : الشاة الفريدة أكيلة السبع ، وهو من التعاون على البر المأمور به بقوله تعالى : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى (44).
وفي ( منهج السالك ) أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : إذا رأيتم رياض الجنة فارتعوا ، قيل : وما رياض الجنة ؟ قال : مجالس الذكر (45).
وفيه أيضاً عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فقال : أيها الناس ، ارتعوا في رياض الجنة ، قلنا : يا رسول الله ! ما رياض الجنة ؟ قال : مجالس الذكر (46).
فهذا يدل على طلب الجماعة فيه ، وجميع أوامر الذكر الواردة في الكتاب والسنة كـ  فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (47) ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (48). مطلقةً شاملةً للمفرد والجماعة ، وليست مقيدة بالإفراد ، ولم يرد – فيما اعلم – ما يدل على النهي عن الجماعة فيه .
وأما قوله تعالى : وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ (49). فلا يدل على ذلك ، لأن ذكر النفس لا يدل على نفي الذكر جماعةً كما هو مقتضى القاعدة الأصولية ، وهذا على أن الخطاب عام .
وقال سيدي الشيخ يوسف العجمي : إن الخطاب فيها للرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وهو المأمور بذلك خاصةً ، وذلك أن الله أمر العامة بالنظر بقوله : أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (50) وأمر العامة بالتدبر بقوله : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ (51). لأن الاستفهام توبيخي فيستلزم الأمر ، وأمر سيد أهل الحضرة بقوله : وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ (52) لأنه عرف نفسه وربه ، ومن لم يعرفهما فكيف يذكر ربه في نفسه بل هم المخاطبون بقوله تعالى : اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (53) كذا ذكره في ( منهج السالك ) لسيدي علي المرصفي .
وأما لبس الخرقة ، فلا بأس به لمن كان أهلاً ليتميز بها ، ويعرف فيحترم ، وتقبل عليه الناس ، ويأخذون عنه كما قالوه في لبس زي العلماء ، وهي من الشعار القديمة ، ولها أصل صحيح في السنة ، وهو أن سيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا علي بن أبي طالب ألبساها لسيدنا أُويس القرني بأمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فتبين بهذا ، وعلم أن ذاك الرجل المسئول عنه هو ومن تبعه على الحق والهدى ، لأن طرق القوم كلها حق صحيحة ، وضعها صفوة عبيد الله الكاملين ، أهل البصائر النيرة ، المتصل سندهم برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مستندين للكتاب والسنة ، وليست خارجة عنهما بل هي ثمرتها ، ولذا قالوا : شريعة بلا طريقة عاطلة ، وقالوا : من تشرع ولم (يتصوف )فقد تفسق .
فهي مقربة إلى الله ، موجبة لمحبته لما في الحديث القدسي : لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه (54) أي : بنوافل الطاعات من صلاة وصوم وقراءة وذكر واستغفار وصلاة على حضرة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وهي لا تخرج عن هذا فمن تمسك بها وهدى الناس إليها حتى اهتدوا فهو ناجٍ سعيد لما في الحديث : لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النعم (55) أو كما قال .
وإن إنكار هذا المنكر ، ومعارضته لهؤلاء الجماعة وأمثالهم محض جهل وعناد لانطماس بصيرته وعماه وحجبه عن طريق الهدى ، وعدم معرفته لأوضاع الطريق ، فعلى ولاة الأمور زجره وقهره هو وأمثاله ، ونصر دعاة الخير أهل الطريق لتنتشر عنهم ويعم بها النفع ، ويحصل بها الاهتداء ، وتنزل بها الرحمات ، ويؤجرون على ذلك ، والله اعلم .
قاله وكتبه الفقير : محمد فتح الله بن الشيخ عمر السديسي المالكي الخلوتي الحفني الصاوي عفا الله عنه آمين (56) .



الفهرس :
1
  - النحل : 91 .
2  - الفتح : 10 .
3  - رواه مالك في الموطأ ( 1587 ) .
4  - رواه البيهقي في شعب الإيمان 6 / 42 والطبراني في الأوسط 5 / 356 .
5- رواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب 5 / 239 .
6  - الحشر : 8 .
7  - البقرة : 273 .
8  - رواه ابن ماجه ( 4121 ) .
9  - رواه أحمد ( 10651 ) .
10  - رواه الترمذي ( 2275 ) .
11  - العنكبوت : 69 .
12  - رواه البيهقي في شعب الإيمان ( 10430 ) .
13  - النحل : 127 .
14  - الأنفال : 46 .
15  - الأعراف : 204 .
16  - طه : 108 .
17  - الطلاق : 3 .
18  - البقرة : 197 .
19  - الحجرات : 13 .
20  - الطلاق : 4 – 5 .
21  - رواه الطبراني في المعجم الأوسط 1 / 173 .
22  - الحجرات : 12 .
23  - القلم : 10 – 11 .
24  - النساء : 69 .
25  - التوبة : 119 .
26  - رواه مسلم ( 4720 ) .
27  - رواه أحمد ( 3489 ) .
28  - الحشر : 9 .
29  - رواه الترمذي ( 1884 ) .
30  - النازعات : 40 – 41 .
31  - القلم : 40 .
32  - البينة : 5 .
33  - رواه الديلمي في الفردوس 3 / 187 .
34  - الحديد : 21 .
35  - الجمعة: 4 
36  - رواه أحمد في مسنده 4 / 124 . والحاكم في المستدرك 1 / 679 .
37  - رواه مالك في الموطأ ( 449 ) .
38  - آل عمران : 191 .
39  - رواه ابن أبي شيبة في المصنف 3 / 522 .
40  - رواه البخاري ( 24 ) ، ومسلم ( 29 ) .
41  - رواه البخاري ( 5679 ) ونحوه .
42  - رواه البخاري ( 6856 ) .
43  - رواه الترمذي ( 2092 ) .
44  - المائدة : 2 .
45  - رواه أحمد ( 12065 ) ، والترمذي ( 3431 ) .
46  - رواه أحمد ( 11225 ) .
47  - البقرة : 152 .
48  - الأحزاب : 41 .
49  - الأعراف : 205 .
50  - الغاشية : 17 .
51  - النساء : 82 .
52  - الأعراف : 205 .
53  - الأحزاب : 41 .
54  - رواه البخاري ( 6137 ) .
55  - رواه البخاري ( 2787 ) ومسلم ( 4423 ) .
56  - من كتاب النور الساطع والبرهان القاطع في أحوال الصوفية اللوامع للشيخ محمد المدني – ص 40 - 61 .

تأريخ النشر : 9 - 4 - 2015
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة