الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
المحبة الإلهية



قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ المائدة : 54 .
قال الشيخ ابن عجيبة في تفسيره ( البحر المديد ) ومحبة الله للعبد : توفيقه وعصمته وتقريبه من حضرته . ومحبة العبد لله : طاعته والتحرز من معصيته . ومحبة الحقّ تعالى لعبده سابقة على محبة العبد له ، كما أن توبته عليه سابقة لتوبته ، قال تعالى : يحبهم ويحبونه ، ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ التّوبَة : 118 ، قال أبو يزيد رضي الله عنه : غلطت في ابتداء أمري في أربعة أشياء : توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه ، فما انتهيت ، رأيت ذكره سبق ذكري ، ومعرفته تقدمت معرفتي ، ومحبته أقدم من محبتي ، وطلبه لي من قبل طلبي له . وفي الحديث النبوي الشريف : « إذا أحبَّ الله عبدًا نادى جبريلُ ، إنَّ اللهَ يحبّ فلانًا فأحِبَّه ، فيُحِبَّهُ جبرِيلُ . ثم يُنَادِي في الملائكة : إن اللهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فأحِبُّوه . فيُحِبُّه أهلُ السَّمَاءِ ، ثم يُلقَى له القَبولُ في الأرض » ... الحديث .
وفي الحكم العطائية : « أنت الذاكر من قبل الذاكرين ، وأنت البادىء بالإحسان من قبل توجه العابدين ، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين ، وأنت الوهاب ثم أنت لما وهبتنا من المستقرضين » .
وقال ابن مشيش : المحبة أخذة من الله قلبَ من أحب ، بما يكشف له من نور جماله ، وقدس كمال جلاله ، وشراب المحبة : مزج الأوصاف بالأوصاف ، والأخلاق بالأخلاق ، والأنوار بالأنوار ، والأسماء بالأسماء ، والنعت بالنعوت ، والأفعال بالأفعال .
وقال الشيخ البوزيدي : المحبة لها ثلاث مراتب : بداية ووسط ونهاية ؛ فبدايتها لأهل الخدمة ، كالعباد والزهاد والصالحين والعلماء المجتهدين . ووسطها لأهل الأحوال ، الذين غلب عليهم الشوق حتى صدرت منهم شطحات ورقصات وأحوال غريبة ربما ينكرها أهل ظاهر الشريعة ، فمنهم من يغلب عليه الجذب حتى يصطلم ، ومنهم من يبقى معه شيء من الصحو ، وهؤلاء تظهر عليهم كرامات وخوارق العادات ، ونهايتها لأهل العرفان ، أهل مقام الشهود والعيان ، الذين شربوها من يد الوسائط وسكروا بها ، وصحوا . وللمحبة علامات وثمرات ، ذكر بعضَها الحق تعالى بقوله : أذلة على المؤمنين أي : متواضعين عاطفين عليهم ، أعزة على الكافرين ، أي : القواطع ، غالبين عليهم ، يجاهدون في سبيل الله أي : أنفسهم وأهواءهم ، ولا يخافون لومة لائم ؛ إذ لا يراقبون سوى المحبوب ، وليس للمحبة طريق إلا محض الفضل والكرم . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ؛ لكن صحبة المحبوبين عند الله من أسبابها العادية ، وهم أولياء الله الذين هم حزب الله ، فولايتهم والقرب منهم من أسباب القرب والمحبة ، ومن موجبات النظر والغلبة ؛ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون .
ولما كانت الشفاعة إنما تكون لأهل الجاه عند الله ، والجاه يعظم بحسب التوجه ، والتوجه يعظم على قدر المحبة ، والمحبة على حسب العناية السابقة ، يُحبهم ويُحبونه فبقدر أنوار التوجه تعظم أنوار المواجهة ، وبقدر أنوار المواجهة تتسع المعرفة ، وبحسب المعرفة يكون الجاه ، وبقدر الجاه تتسع الشفاعة ، حتى إن الواحد من الأولياء يشفع في وجود بأسره من أهل زمانه ، إما عند موته ، أو عند الحساب .
قال القشيري : كانوا قبل وجودهم محسنين ، وإحسانهم : كانوا يُحبون الله بالله ، يحبهم ويحبونه وهم في العدم ، ولمَّا حصلوا في الوجود ، كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ، كأنَّ نومهم عبادة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « نوم العالم عبادة » فمن يكون في العبادة لا يكون نائماً ، وهجوع القلب : غفلته ، وقلوبهم في الحضرة ، ناموا أو استيقظوا ، فغفلتهم بالنسبة إلى حضورهم قليلة .
وقال سهل التستري : أي : كانوا لا يغفلون عن الذكر في حال ، يعني هجروا النوم ؛ لوجود الأُنس في الذكر ، والمراد بالنوم : نوم القلب بالغفلة  .(1)
وفي موسوعة الكسنزان للشيخ محمد الكسنزان ، يقول الشيخ أبو طالب المكي : « المحبة : هي من أعلى مقامات العارفين ، وهي إيثار من الله تعالى لعباده المخلصين ومعها نهاية الفضل العظيم ، قال الله جلت قدرته : ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ ) ، وروي عن النبي : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا أحب الله عبداً لم يضره ذنب ) » .
وإن أحد أهم أهداف الطريقة العلية القادرية الكسنزانية : تنوير الطريق لمريديها كي يصلوا إلى أعلى مراتب المحبة الخالصة الكاملة لله تعالى ، أن يصلوا إلى المحبة الإلهية المطلقة ، أو ما يعرف في اصطلاحات طريقتنا : بمرتبة الفناء في الحضرة الإلهية ، أي : إلى مرتبة التحقيق الذاتي لقوله تعالى : ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ ) .
ولقد رسم مشايخ طريقتنا الكرام قدس الله أسرارهم الطريق الشرعي العملي الأقصر للوصول إلى مرتبة الحب الكامل ، وذلك من خلال الفهم الصحيح والتطبيق لنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة . وإن نقطة الانطلاق للحب - في الطريقة - تبدأ من الفهم الصحيح لقوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبّونَ اللَّهَ فاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ، فهي تنص على أن محبة المسلم لله تعالى غير مجدية ما لم تقترن باتباع حضرة الرسول الأعظم ، فهذا الاتباع يوصل العبد إلى مرتبة المحبوبية ، أي يصبح من أحباب الله ، ومن يحبه الله فهو ذو حظ عظيم .
وبمعنى آخر : إن المحبة لله إذا لم تكن مقرونة باتباع الرسول فإنها محبة صورية وليست محبة حقيقية ، أي محبة وهمية يخدع الإنسان بها نفسه ، قال تعالى يُخادِعونَ اللَّهَ والَّذينَ آمَنوا وَما يَخْدَعونَ إِلّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرونَ ، وأما المحبة الحقيقية فهي التي نصت الآية الكريمة على أن السبيل الوحيد للوصول إليها هو اتباع الحضرة المحمدية المطهرة .
أما المحبة الوسط بين محبتين فيقول عنها الشيخ ابن عربي : « أخبر الله تعالى أن لله عباداً يحبهم ويحبونه ، فجعل محبتهم وسطاً بين محبتين منه لهم . فأحبهم ، فوفقهم بهذه المحبة لاتباع رسوله فيما جاءهم به من الواجبات عليهم والترغيب في أن يوجبوا على أنفسهم صورة ما أوجبه عليهم ، يسمى : نافلة . ثم أعلمهم أنهم إذا اتبعوه فيما جاء به أحبهم . فهذا الحب الإلهي الثاني ما هو عين الأول . فالأول : حب عناية ، والثاني : حب جزاء وكرامة بوافد محبوب بالحب الأول ، فصار حب العبد ربه محفوظاً بين حبين إلهيين ، كلما أراد أو هم أن يخرج عن هذا الوصف بالسلو وجد نفسه محصوراً بين حبين إلهيين ، فلم يجد منفذاً ، فبقي محفوظ العين بين حب عناية ما فيها من فطور وبين حب كرامة ما فيها استدراج . والحصر بين أمرين يوجب اضطرارا ، فذلك حب الفرض ، وهو العبد المضطر في عبوديته المجبور بما فرض الله عليه ، لينبهه أنه في قبضة الحق محصور لا انفكاك له ولا نفوذ » .
ويقول الشيخ التجاني : « محبة الله للعبد : هي إفاضة محبة ذاته المقدسة عليه ، فهي غاية الغايات وإليها ينتهي سير كل سائر ، من وصلها كملت له مطالب الدنيا والآخرة على قوله تعالى : ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ ) ، فلولا محبته سبحانه وتعالى لهم ما وصلوا إلى محبة ذاته » .
ويقول مصطفى العروسي : « المحبة من الله إرادته الخير للعبد ، فإذا أحبه شغله بذكره وطاعته ، وحفظه من الشيطان ، واستعمل أعضاءه في الطاعة ، وحفظ سمعه وبصره من المحرمات ، فلا ينظر إلى ما لا يحل ، فصار نظره نظر فكر واعتبار واستدلال ، قال الإمام علي : ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله » .
ويقول الشيخ الكمشخانوي : « إذا منعك مما تحب وردَّك إلى ما يحب فهي علامة محبته لك » .
ويقول الشيخ السكندري : « علامات ثبوت حب الله عبده ، ثلاث : رضاه عنه في كل ما يقع منه ، والإذن بالتحدث عنه ، وإلقاء السر عليه بحكم حكمته البالغة الدالة عليه » .
سئل الشيخ البسطامي عن حب الله للعبد ، وحب العبد لله أيهما أعجب ؟ فقال : « حب الله سبحانه للعبد أغرب ، لأنه مستغن عنه . وحب العبد لله سبحانه أعجب ، لأنه غير مشاهد له عياناً » .
ويقول الشيخ الديريني : « قال تعالى : يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَسَوْفَ يَأْتي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ ، محبة الله تعالى لعبده : إرادة تقريبه ، وإكرامه ، وتوليه بعنايته في جميع أحواله . فمن أحبه الله تعالى ، عامله بلطفه ، وجاد عليه بإحسانه ، وفتح عليه بما يبلغه أمله . ومحبة العبد لله تعالى : تعلق القلب بذكره ، ودوام الشغف ، والتنعم بمناجاته ، والتلذذ بخدمته ، وصدق الشوق إليه » .
وأخيراً يقول الشيخ ابن عربي عن الشوق الأعظم : هو عنصر موصوف به الجناب العالي وتتعالى إليه النيران الشوقية وتطلبه كالمحبة منا تطلب المحبة الإلهية من قوله : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ .

الفهرس :
(1) تفسير البحر المديد للشيخ أحمد ابن عجيبة – ج6ص145 .
(2) موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان للشيخ محمد الكسنزان ج7ص8.

تأريح النشر : 17 - 5 - 2015
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة