الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الفقر المحمود والفقر المذموم

                                                                                                            
                                                                                                                     مشتاق هيلان

الدنيا تتناول كل حظ عاجل، والمال بعض أجزاء الدنيا، والجاه بعضها، واتباع شهوة البطن والفرج بعضها، وتشفي الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها، والكبر وطلب العلو بعضها. ولها أبعاض كثيرة. ويجمعها كل ما كان للإنسان فيه حظ عاجل. وللإنسان من فقده صفة الفقر، ومن وجوده وصف الغنى. وهما حالتان يحصل بهما الاختبار والامتحان.
ثم للفاقد حالتان: القناعة والحرص، وإحداهما مذمومة والأخرى محمودة. وللحريص حالتان: طمع فيما في أيدي الناس، وتشمر للحرف والصناعات مع اليأس عن الخلق، والطمع شر الحالتين.
وللواجد حالتان: إمساك بحكم البخل والشح، وإنفاق. وإحداهما مذمومة والأخرى محمودة. وللمنفق حالتان: تبذير واقتصاد، والمحمود هو الاقتصاد.
والفقر الممدوح هو فقر الحال الظاهر المذكور في السنة النبوية المطهرة ، فعن النبي انه قال: أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك خمسمائة سنة.
وعنه قال: أبشروا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه، راضيا بما هو فيه، فإنه من رفقائي يوم القيامة.
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما: أنه قال: اتخذوا عند الفقراء أيادي، فإن لهم دولة يوم القيامة.
وأن النبي قال: أحبوا الفقراء، وجالسوهم، وأحب العرب من قلبك، وليردك عن الناس ما تعلم من نفسك.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنه قال: (خير الناس مؤمن فقير يعطي جهده).
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه قال: لكل شيء مفتاح، ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء.
وعن عبادة ابن الصامت رضي الله تعالى عنه: أنه قال: اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين. وفي رواية : وإن أشقى الأشقيا من اجتمع عليه فقر الدنيا، وعذاب الآخرة.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه قال: الفقر أزين على المؤمن من العذار الحسن على خد الفرس.
وعن عمر رضي الهي تعالى عنه: أنه قال: الفقر أمانة، فمن كتمه كان عبادة، ومن باح به فقد قلد إخوانه المسلمين.
وعن قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه: أنه قال : إذا أحب الله عبداً حماه في الدنيا، كما يحمي أحدكم سقيمه الماء.
وعن عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه: أنه قال: إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافاً فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه قال: إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج والعمرة، ويكفرها الهموم في طلب المعيشة.
وعن معاذ رضي الله تعالى عنه: أنه قال: تحفة المؤمن في الدنيا الفقر.
وعن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه: أنه قال: لو تعلمون ما لكم عند الله، لأحببتم أن تزدادوا حاجة وفاقة.
أما الفقر المذموم فهو الفقر من الحسنات والتنافس على الدنيا وملذاتها . قال رسول الله : لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب .
روي أن رسول الله بعث أبا عبيدة بن الجراح فجاء بمال من البحرين؛ فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله فلما صلى رسول الله انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله حين رآهم ثم قال " أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء " قالوا: أجل يا رسول الله، قال " فأبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم .
وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: يا موسى لا تركنن إلى حب الدنيا فلن تأتيني بكبيرة هي أشد منها ، فينبغي أن يصلح الإنسان نيته في أخذه للمال وتركه والإنفاق والإمساك، فيأخذ ما يأخذ ليستعين به على العبادة، ويترك ما يترك زهداً فيه واستحقاراً له إذا فعل ذلك لم يضره وجود المال، ولذلك قال علي كرم الله وجهه: لو أن رجلاً أخذ جميع ما في الأرض وأراد به وجه الله تعالى فهو زاهد، ولو أنه ترك الجميع ولم يرد به وجه الله تعالى فليس بزاهد . فلتكن جميع حركاتك وسكناتك لله مقصورة على عبادة أو ما يعين على العبادة، فإن أبعد الحركات عن العبادة الأكل وقضاء الحاجة وهما معينان على العبادة، فإذا كان ذلك قصدك بهما صار ذلك عبادة في حقك. وكذلك ينبغي أن تكون نيتك في كل ما يحفظ من قميص وإزار وفراش وآنية، لأن كل ذلك مما يحتاج إليه في الدين، وما فضل من الحاجة ينبغي أن يقصد به أن ينتفع به عبد من عباد الله ولا يمنعه منه عند حاجته، فمن فعل ذلك فهو الذي أخذ من حية المال جوهرها وترياقها واتقى سمها فلا تضره كثرة المال، ولكن لا يتأتى ذلك إلا لمن رسخ في الدين قدمه وعظم فيه علمه. والعامي إذا تشبه بالعالم في الاستكثار من المال وزعم أنه يشبه أغنياء الصحابة شابه الصبي الذي يرى المعزم الحاذق يأخذ الحية ويتصرف فيها فيخرج ترياقها فيقتدي به، ويظن أنه أخذها مستحسناً صورتها وشكلها ومستليناً جلدها، فيأخذها اقتداء به فتقتله في الحال، إلا أن قتيل الحية يدري أنه قتيل، وقتيل المال قد لا يعرف ( 1) .
وأفضل الفقر وأعلاه منزلة هو ما كان بمعنى الافتقار ، قال سيدنا موسى عليه السلام : رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 2).
ويقول الغوث الأعظم عبد القادر الكيلاني قدس الله سره: المراد بالفقر : الافتقار إلى الله - عز و جل - ، وترك ما سواه من التنعمات الدنيوية والأخروية . والمراد منه الفناء في الله كما لا يبقى في نفسه لنفسه شيء ، ولا يسع في قلبه سوى الله تبارك وتعالى ( 3). ما معناه أنه لا يبقى للعبد في قلبه ذرة من عسل الدنيا ولا من دبس الآخرة ، وإنما يمتليء غنى بالله تبارك وتعالى .
ويقول الشيخ أبو يزيد البسطامي : ( جمعت فكري وأحضرت ضميري ومثلت نفسي واقفاً بين يدي ربي فقال لي : يا أبا يزيد ، بأي شيء جئتني ؟ قلت : يا رب بالزهد في الدنيا . قال : يا أبا يزيد إنما كان مقدار الدنيا عندي مثل جناح بعوضة ، ففيم زهدت منها ؟ فقلت : إلهي وسيدي أستغفرك من هذه الحالة ، جئت بالتوكل عليك ، قال : يا أبا يزيد ألم أكن ثقة فيما ضمنت لك حتى توكلت علي ؟ قلت : إلهي وسيدي أستغفرك من هاتين الحالتين جئتك بالافتقار إليك ، فقال : عند ذلك قبلناك ) ( 4) .
وقد أحب مشايخ طريقتنا العلية القادرية الكسنزانية أن يلقبوا أنفسهم ( خادم الفقراء ) وقد ورثوا هذه المزية من سيدنا محمد رسول الله ، فقد أمره الحق عز وجل بأن لا تعد عيناه عن فقراء أهل الصفة الذين كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي ، أي كانوا من أهل الذكر فهم لا يريدون من ذكرهم لله تعالى إلا وجهه ، فكانت عناية رسول الله وخدمته لهم ظاهرا في إيوائه لهم في المسجد النبوي ، حيث كان قد خصص لهم زاوية فيه يبيتون ويتعبدون ويأتون الناس لهم بالطعام ، أما عنايته وخدمته لهم باطناً فهو أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يشيح بنظره ومدده عنهم ليوصلهم إلى أعلى المقامات والدرجات الروحية الشريفة .
وقد تكلم القشيري في ذلك فقال : قال المولى جلّ ذكره : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاوَةِ وَالعَشِىَ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ . قال : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ولم يقل : « قلبك » لأن قلبه كان مع الحقِّ ، فأمره بصحته جَهْرَاً بجهر ، واستخلص قلبه لنفسه سِرَّاً بِسرِّ . ويقال يُرِيدُونَ وَجْهَهُ : معناها مريدين وجهه أي في معنى الحال ، وذلك يشير إلى دوام دُعائِهم ربهم بالغداة والعشيّ وكون الإرادة على الدوام . ويقال : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ : فآويناهم في دنياهم بعظائمنا ، وفي عقباهم بكرائمنا . ويقال : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ : فكشف قناعَهم ، وأظهر صفَتهم ، وشَهَرَهم بعدما كان قد سَتَرَهم ، ويقال لما زالت التُّهمُ سَلِمَتْ لهم هذه الإرادة ، وتحرروا عن إرادةِ كلِّ مخلوقٍ وعن محبةِ كل مخلوق . ويقال لمَّا تقاصَرَ لسانُهمِ عن السؤال هذه الجملة مراعاةً منهم لهيبة الرسول ، وحُرْمَةِ باب الحقِّ - سبحانه - أمَرَه بقوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ وبقوله : وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا . أي لا ترفع بصَرَك عنهم ، ولا تُقلِعْ عنهم نظرك . ويقال لما نظروا بقلوبِهم إلى الله أَمَرَ رسولَه - عليه السلام - بألا يرفعَ بَصَرَه عنهم ، وهذا جزاء في العاجل .
والإشارة فيه كأنه قال : جعلنا نظرك اليوم إليهم ذريعةً لهم إلينا ، وخَلَفَاً عما يفوتهم اليوم من نظرهم إلينا ، فلا تَقْطَعْ اليومَ عنهم نَظَرَكَ فإنا لا نمنع غداً نظرهم عنَّا ( 5) .


الفهرس : 
1  - إحياء علوم الدين – الغزالي - ج2ص420 – 450 . 
2  - سورة القصص : 24 . 
3  - موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان - الشيخ محمد الكسنزان – ج19ص280 .
4  - تفسير البروسوي – ج4ص411 . 
5  - تفسير القشيري – ج4ص350 .

تأريخ النشر : 15-7-2015
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة