الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
مفهوم قوله تعالى (ألم تر)



ذكرت عبارة (ألم تر) في القرآن الكريم واحد وثلاثون مرة وفي آيات مختلفة مثل : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل و ألم تر كيف فعل ربك بعاد و ألم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه و ألم تر أنهم في كل واد يهيمون .
والذي يهمنا هو معرفة معنى ( ألم تر ) عند أهل التفسير الظاهر وما يراه أهل التصوف في معناها الحقيقي .
فمثلا يقول ابن عاشور في تفسيره ( التحرير والتنوير ) بأن الاستفهام في قوله : ألم تر كيف فعل ربك بعاد تقريري ، والمخاطب به النبي تثبيتاً له ووعداً بالنصر ، وتعريضاً للمعاندين بالإِنذار بمثله ، فإن ما فُعل بهذه الأمم الثلاث موعظة وإنذار للقوم الذين فَعَلوا مثل فعلهم من تكذيب رسل الله قُصد منه تقريب وقوع ذلك وتوقع حلوله ؛ لأن التذكير بالنظائر واستحضَار الأمثال يقرِّب إلى الأذهانِ الأمر الغريب الوقوع ، لأن بُعد العهد بحدوث أمثاله ينسيه الناسَ ، وإذا نُسي استبعَد الناسُ وقوعه ، فالتذكير يزيل الاستبعاد . والرؤيَةُ في ألم تر يجوز أن تكون رؤية عِلْمية تشبيهاً للعلم اليقيني بالرؤية في الوضوح والانكشاف لأن أخبار هذه الأمم شائعة مضروبة بها المُثُل فكأنها مشاهدة . فتكون كيف استفهاماً معلِّقاً فعل الرؤية عن العمل في مفعولين . ويجوز أن تكون الرؤية بصرية والمعنى : ألم تر آثار ما فعل ربك بعاد ، وتكون كيف إسْماً مجرّداً عن الاستفهام في محل نصب على المفعولية لفعل الرؤية البصرية . وعُدل عن اسم الجلالة إلى التعريف بإضافة رب إلى ضمير المخاطب في قوله : فعل ربك لِما في وصف رب من الإِشعار بالولاية والتأييد ولما تؤذن به إضافته إلى ضمير المخاطب من إعزازه وتشريفه . وقد ابتدئت الموعظة بذكر عاد وثمود لشهرتهما بين المخاطبين وذُكِرَ بعدهما قوم فرعون لشهرة رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون بين أهل الكتاب ببلاد العرب وهم يحدِّثون العرب عنها .
ويقول صاحب كتاب ( في ظلال القرآن ) : وصيغة الاستفهام في مثل هذا السياق أشد إثارة لليقظة والالتفات . والخطاب للنبي ابتداء . ثم هو لكل من تتأتى منه الرؤية أو التبصر في مصارع أولئك الأقوام ، وكلها مما كان المخاطبون بالقرآن أول مرة يعرفونه ؛ ومما تشهد به الآثار والقصص الباقية في الأجيال المتعاقبة ، وإضافة الفعل إلى ربك فيها للمؤمن طمأنينة وأنس وراحة . وبخاصة أولئك الذين كانوا في مكة يعانون طغيان الطغاة ، وعسف الجبارين من المشركين ، الواقفين للدعوة وأهلها بالمرصاد .
ويقول الشيخ حقي البروسوي في تفسيره : الهمزة للإنكار وهو في قوة النفي ونفى النفي إثبات أي ألم تعلم يا محمد علما يقينيا جاريا مخرجي الرؤية في الجلاء أي قد علمت بإعلام الله تعالى وبالتواتر أيضا كيف عذب ربك عادا ونظائرهم فسيعذب كفار قومك أيضا لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي .
ويقول ابن عجيبة في تفسيره ( البحر المديد ) عن ألم تر : إنه استشهاد بعلمه بما فعل بعاد وأضرابهم المشاركين لقومه في الطغيان والفساد ، أي : ألم تعلم علماً يقيناً كيف عذَّب ربُّك عاداً ونظائرهم ، فيُعذّب هؤلاء أيضاً لاشتراكهم فيما يوجبه من الكفر والمعاصي .
وفي تنوير المقباس من تفسير ابن عباس يقول : ألم تخبر يا محمد في القرآن .
وفي أيسر التفسير لأبي بكر الجزائري يقول : أي ألم تنظر بعيني قلبك كيف فعل ربك بعاد .
وفي كتاب ( الحق الدامغ ) لأحمد بن حمد الخليلي تفسير الرؤية بالعلم: فسر بعض العلماء الرؤية بالعلم التام، والمعرفة الكاملة بالله يوم القيامة، ومن هؤلاء الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين. وقد وردت آيات تدل على أن المقصود بالرؤية هو العلم، ومن هذه الآيات قول الله : ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ(6)(الفجر) . ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1) . اَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاء لَجَعَلَهُ)(45)(الفرقان) . أَلَمْ تَعْلَمَ أن اللهَ يَعْلَمُ مَا فيِ السماء والأرض(70)(الحج). ففي كل ما سبق ألم تر معناها ألم تعلم . وكذلك قول الشاعر :
رأيت الله أهلك قوم عاد .... ثمود وقوم نوح أجمعين
يعني : علمت أن الله قد أهلك قوم عاد وثمود، فالعرب استعملوا كلمة الرؤية للدلالة على تمام العلم والمعرفة، ومن ذلك يمكن تأويل الرؤية بالعلم، فيكون معنى الرؤية هو معرفة الله تمام المعرفة بعد أن يكشف حجاب الغيب .
وقال بعض العلماء : كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي - - وإن كانت قبله وقبل التحدي ; لأنها كانت توكيداً لأمره ، وتمهيداً لشأنه . ولما تلا عليهم رسول الله - - هذه السورة ، كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الوقعة ; ولهذا قال : ألم تر ولم يكن بمكة أحد إلا وقد رأى قائد الفيل وسائقه أعميين يتكففان الناس . وقالت عائشة - رضي الله عنها – مع حداثة سنها - لقد رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس ، قال أبو صالح : رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب نحوا من قفيزين من تلك الحجارة ، سودا مخططة بحمرة .
أما تفسير أهل التصوف لقوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك ذكر القاضي عياض في كتابه الشفا في تعريف حقوق المصطفى : يتساءل البعض هل سيدنا النبي أول الخلق ؟ والجواب : كيف يدعى البعض أن سيدنا النبي ليس أول الخلق مع أن أبونا آدم توسل به : وقال تعالى له (ولولاه ما خلقتك) والحديث بتمامه مذكور في باب التوسل . وانظر لقوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، فتأمل قوله ﴿ألم تر﴾ أي ألم تنظر وتشاهد وأين كان سيدنا النبي عام الفيل ؟ فافهم وتأمل قوله تعالى : قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الزخرف ، بمعنى لو أن هناك ولد كما يدعي النصارى كنت رأيته لأنني أول العابدين وقال : كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث لابن سعد في الطبقات، وفى رواية أخرى : كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث، وقال : كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد لابن سعد في الطبقات وأخرجه المناوى في كنوز الحقائق وإليك هذا الحديث الذي يبين فيه بداية الخلق: روى عبد الرازق بسنده في كتابه (جنة الخلد) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء قال: (يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا قمر ولا جن ولا إنس فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم ومن الجزء الثاني اللوح ومن الجزء الثالث العرش ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول حملة العرش ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول السموات ومن الجزء الثاني الأرضين ومن الثالث الجنة والنار ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول نور أبصار المؤمنين ومن الجزء الثاني نور قلوبهم وهى المعرفة بالله ومن الثالث نور ألسنتهم وهو التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم نظر إليه فترشح النور عرقا فتقطرت منه مائة ألف قطرة وعشرون ألفا وأربعة آلاف قطرة فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسهم أرواح الأولياء والسعداء والشهداء والمطيعين من المؤمنين إلى يوم القيامة فالعرش والكرسي من نوري، والكروبيون من نوري والروحانيون من نوري، والعقل والعلم والتوفيق من نوري، وأرواح الأنبياء والرسل من نوري، والسعداء والصالحون من نتائج نوري ثم خلق الله آدم من الأرض وركب فيه النور وهو الجزء الرابع ثم انتقل منه إلى شيث وكان ينتقل من طاهر إلى طيب إلى أن وصل إلى صلب عبد الله بن عبد المطلب ومنه إلى وجه أمي آمنه ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين وخاتم وقائد الغر المحجلين ، هكذا بدء نبيك يا جابر) 1.
ويتبين لنا من ذلك كله أن رؤيته صلى الله تعالى عليه وسلم في قوله تعالى: ( ألم تر ) إنما هي رؤية عينية للمعاين المشاهد باعتباره أول الموجودات ، وما قال له ربه عز وجل ( ألم تر ) إلا لمشاهدته للأحداث الزمنية كشاهد عيان ، ألم يقل له رب العزة : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ) أما قوله تعالى : ( وما كنت لديهم ) ففيها إشارة إلى أنه كان عندهم بالوحي والروحانية وليس بجسمانيته ، أي ما كنت لديهم جسما وإنما وحياً ، إذ أخبر عنه الله عز وجل بأنه عليه الصلاة والسلام هو الوحي فقال : ( وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى ) .
  
                                       
  مكتب الإرشاد والمتابعة 
في الطريقة العلية القادرية الكسنزانية




الفهرس :
1-كشف الخفاء للعجلوني ج1 ص265 .

تأريخ النشر : 20 - 7 - 2015 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة