الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
معاني الحج وفضائله عند الصوفية


الحَجٌّ هو أحد أركان الإسلام الخمسة ، وهو القصد إلى البيت الحرام للنسك والعبادة في أشهر معلومات . قال الله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسوقَ وَلا جِدالَ في الْحَجِّ .
قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجههفي الحج : « الحج : هو جهاد كل ضعيف » .
وقال الحكيم الترمذي : « الحج : هو ميل إلى موضع مأمول هناك ، رحمته ، طالباً لمعروفه ، راجيا لغفرانه والنجاة من عقوبته ، متعوذاً بالبقعة التي شرفها على سائر البقاع » .
وقال السيد محمود أبو الفيض المنوفي : « الحج : هو طاعة مبنية على المشقة . فأجره عند الله جامع لأجور الطاعات ، ولا سيما أنه جامع لصنوف الطاعات المتوزعة في الصلاة والطهارة والزكاة وصبر الصوم ومشقته » .
وقال الباحث سعيد حوى : « الحج : تعويد للنفس على معان : من استسلام وتسليم ، ومن بذل الجهد والمال في سبيل الله ، ومن تعاون وتعارف ، ومن قيام لله بشعائر العبودية » .
أما في صحة الحج عند الصوفية فإن سائلا سأل الشيخ ذا النون المصري : متى يصح حجي ؟ فقال : « إذا ركبت مطية الإرادة ، وشمرت عن ساق العزيمة ، وأحرمت بفناء المهيمن ، وتجردت عن ثياب الخطايا ، وترديت برداء الهدى ، واتزرت بإزار الخشية ، فحينئذٍ يصح حجك . واتزر بإزار الفقر ، وترد برداء الفخر ، وتجرد عمن سواه ، واحرم بفناءه ، وتعرف إليه بالإقبال عليه ، وطف بقلبك وطهره من دنس التعليق ، واسع بين الأمر والنهي على الصفوة ، ثم ارجع إلى مناك واذبح هواك » .
ويقول الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : « لما دخلت على الشيخ الحصري ببغداد قال لي : أحاج أنت ؟ قلت : أنا مع القوم . فقال لي : أليس فرائض الحج أربع : الإحرام والدخول فيه يكون بلفظ التلبية ؟ قلت : بلى . قال : والتلبية إجابة ؟ قلت : بلى . قال : والإجابة من غير دعوة سوء أدب ؟ قلت : بلى . قال : فتحققت الدعوة حتى تجيب ؟ ثم الوقوف بعرفة ؟ قلت : بلى . قال : فاجتهد فيه : فإنه محل المباهاة وانظر كيف تكون . والطواف : هو محل القربة من الحق ، فانظر أن يكون قربك منه بحسن الأدب . ثم السعي : وهو محل الفرار إليه بالتبري مما سواه » .
قال رسول اللّه : من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وفي حديث آخر : من خرج من بيته حاجاً أو معتمراً فمات أجري له أجر الحاج والمعتمر إلى يوم القيامة ، ومن مات في أحد الحرمين لم يعرض ولم يحاسب ، وقيل له : أدخل الجنة وروي في الخبر : حجة مبرورة خير من الدنيا وما فيها ، وحجة مبرورة ليس لها جزاء إلاّ الجنة وفي الحديث : الحجاج والعمار وفد اللّه تعالى وزوّاره ، إن سألوه أعطاهم ، وإن استغفروه غفر لهم ، وإن دعوه استجيب لهم ، وإن شفعوا شفعوا .
وذكر بعضهم : أنّ إبليس ظهر له في صورة شخص بعرفة ، فإذا هو ناحل الجسم ، مصفرّ اللون ، باكي العين ، مقصوم الظهر ، فقال له : ما الذي أبكى عينك ؟ فقال : خروج الحاج إليه بلا تجارة ، أقول قصدوه أخاف أن لا يخيبهم فيحزنني ذلك ، قال : فما الذي أنحل جسمك ؟ قال : صهيل الخيل في سبيل اللّه تعالى ، ولو كانت في سبيلي ، كان أحبّ إليّ قال : فما الذي غيّر لونك ؟ قال : تعاون الجماعة على الطاعة ، ولو تعاونوا على المعصية كان أحبّ إليّ قال : فما الذي قصم ظهرك ؟ قال : قول العبد أسألك حسن الخاتمة ، أقول : يا ويلتي متى يعجب هذا بعمله ؟ أخاف أن يكون قد فطن .
ولقي رجل ابن المبارك وقد أفاض من عرفة إلى مزدلفة فقال : من أعظم الناس جرماً يا أبا عبد الرحمن في هذا الوقت ؟ فقال : من قال إنّ اللّه عز و جللم يغفر لهؤلاء .
ومن الحديث المسند عن طريق أهل البيت عليهم السلام : أعظم الناس ذنباً من وقف بعرفة فظنّ أنّ اللّه عز و جللم يغفر له ، ويقال إنّ من الذنوب ذنوباً لا يكفّرها إلاّ الوقوف بعرفة ، ويقال : إن اللّه عز و جلإذا غفر لعبد ذنباً في الموقف غفره لكل من أصابه في ذلك الموقف ، وزعم بعض السلف : إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل الموقف ، وهو أفضل يوم في الدنيا ، وفيه حجّ رسول اللّه حجة الوداع ، ولم يحج بعد نزول فرض الحج غيرها ، وعليه نزلت هذه الآية وهو واقف بعرفة اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمْ الإسْلامَ ديناً المائدة:3 . وقال علماء أهل الكتاب : لو أنزلت علينا هذه الآية لجعلنا يومها عيداً ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أشهد لقد أنزلت في يوم عيدين اثنين ؛ يوم عرفة ويوم جمعة على رسول اللّه ، وهو واقف بعرفة ، وقد روي في تفسير قوله تعالى : ليشهدوا منافع لهم عن جماعة من السلف قال : غفر لهم وربّ الكعبة ، وفي تفسير قوله تعالى : لأقعدن لهم صراطك المستقيم قال : طريق مكة بصدهم عنه . وعن أحد العلماء أنه قال : كان الناس يتلقون الحاج يدعون لهم قبل أن يتدنسوا ، ويقولون : تقبل اللّه منا ومنكم ، وأنّ الحاج إذا قدموا مكة تلقتهم الملائكة فسلموا على ركبان الإبل وصافحوا ركبان الحمير واعتنقوا المشاة اعتناقاً . وورد في الخبر : اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج .
وحدثونا عن عليّ بن الموفق قال: حججت سنة فلما كان ليلة عرفة بتّ بمنى في مسجد الخيف، فرأيت في المنام كأنّ ملكين قد نزلا من السماء عليهما ثياب خضر فنادى أحدهما صاحبه : يا عبيد اللّه ، فقال الآخر : لبيك يا عبد اللّه ، قال : تدري كم حجّ بيت ربنا في هذه السنة ؟ قال : لا أدري ، قال : حجّ بيت ربنا ستمائة ألف ، فتدري كم قبل منهم ؟ قال : لا ، قال : قبل منهم ستة أنفس ، قال : ثم ارتفعا في الهواء فغابا عني فانتبهت فزعاً فاغتممت غمّاً شديداً وأهمني أمري فقلت : إذا قبل حجّ ست أنفس فأين أكون أنا في ستة أنفس ؟ فلما أفضنا من عرفة وبت عند المشعر الحرام جعلت أفكر في كثرة الخلق وفي قلة من قبل منهم فحملني النوم ، فإذا الشخصان قد نزلا من السماء على هيئتهما فنادى أحدهما : يا عبد اللّه ، قال : لبيك يا عبد اللّه ، قال : تدري كم حجّ بيت ربنا ؟ قال : نعم ستمائة ألف ، قال : فتدري كم قبل منهم ؟ قال : نعم ستة أنفس ، قال : فتدري ماذا حكم ربنا في هذه الليلة ؟ قال : لا ، قال : فإنه وهب لكل واحد من الستة مائة ألف ، قال : فانتبهت وبي من السرور ما يجلّ من الوصف ، يقول الراوي : ذكر في هذه القصة ستة ولم يذكر السابع ؛ وهؤلاء هم الأبدال السبعة أوتاد الأرض المنظور إليهم كفاحاً ، ثم ينظر إلى قلوب الأولياء من وراء قلوبهم ، فأنوار هؤلاء عن نور الجلال وأنوار الأولياء من أنوارهم ، وأنصبتهم وعلومهم من أنصبة هؤلاء وعلومهم ، فلم يذكر السابع وهو قطب الأرض ، والأبدال كلهم في ميزانه ، ويقال إنه هو الذي يضاهي الخلق كلهم ، فكما أن الرسول عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين فالولي رحمة في العالمين .
وروي عن ابن الموفق قال : حججت سنة ، فلما قضيت مناسكي تفكّرت فيمن لا يتقبل حجّه ، فقلت : اللهم إني قد وهبت حجتي هذه وجعلت ثوابها لمن لا يتقبل حجّه ، قال : فرأيت ربّ العزة في النوم ، قال لي : يا علي تتسخّى عليّ وأنا خلقت السخاء وخلقت الأسخياء ، وأنا أجود الأجودين ، وأكرم الأكرمين ، وأحقّ بالجود والكرم من العالمين ، وقد وهبت كل من لم يقبل حجّه لمن قبلته ، وكان ابن الموفق هذا قد حجّ عن رسول اللّه حججاً وقال : فرأيت النبي فقال : يا ابن الموفق حججت عني ؟ قلت : نعم يا رسول اللّه ، قال : ولبيت عني ؟ قلت : نعم ، قال : فهذه يد لك عندي أكافئك بها يوم القيامة آخذ بيدك في الموقف فأدخلك الجنة والخلائق في كرب الحساب .
وهذا طبعا من رحمة الله تعالى ومن رحمة سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد ، يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: هو الذي اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته . واتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته .
ويقول الشيخ إسماعيل حقي البروسوي : « قال بعض العارفين : إذا فاض بحر الرحمة تلاشى كل زلة ؛ لأن الرحمة لم تزل ولا تزال ، والزلة لم تكن ثم كانت ، وما لم يكن ثم كان كيف يقاوم ما لم يزل ولا يزال » .
ويقول الشيخ عبد الوهاب الشعراني : « بلغنا أن سيدي ياقوتا العرشي رحمه الله تعالى مر على مساكين يسألون الناس فأخذته الرقة ، فإذا بالهاتف يقول له : الله تعالى أرحم بهم منك ، ولو شاء لأشبعهم فتب من ذلك . فقلت له : من أنت يرحمك الله . فقال : أنا أخوك الخضر ، كنت بالصين فقيل لي : أدرك فلانا ، فإنه يتكرم على الله تبارك وتعالى ، ويرى نفسه أشفق على عباده » .


المصدر :
موسوعة الكسنزان – ج7ص175
قوت القلوب – أبو طالب المكي – ج2ص47.

تأريخ النشر : 18 - 9 - 2015
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة