الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
الجلوس والمجالسة عند أكابر الصوفية

الجلوس في اللغة : « جَلَسَ الشخص : قَعَدَ . تجالس القوم : جلس بعضهم مع بعض » .
وفي الاصطلاح الصوفي يقول الباحث محمد غازي عرابي : « الجلوس في لغة الصوفية : التجرد من حول القوة ، ورؤية الفاعل والمحرك الحقيقي » .
وفي المجالسة يقول الشيخ أحمد بن علوان : « المجالسة : هي أن تعد الخواطر من الخطر » .
ويقول الشيخ أحمد زروق : « المجالسة : ملازمة القلب للذكر بلا غفلة ، والخضوع بلا وهلة ، والأدب بلا مهلة ، فيكرم إكرام الجليس بالميزة والتأنيس ، واليه الإشارة بحديث : أنا جليس من ذكرني ، أي : أكرمه إكرام الجليس » .
وعن أهل المجالسة يقول الشيخ الأكبر ابن عربي : « أهل المجالسة : هم الذين يجالسون الله في ضمائرهم وسرائرهم بفضائل القلوب وقربات العقول . وهم أهل الحول والحال ، الذين يشاهدون الله ، ويسمعون كلامه وحديثه وقيله ، فيعقدون له عقوداً ، وينصبون له مجالس ، فتكون حركاتهم وسكناتهم به وله وعليه . فهم الغالبون البالغون الآخرون الأولون ، الذين ينصحون لله ولرسوله وصاروا محسنين بذلك ، ما للشيطان وما لأنفسهم عليهم من سبيل ، قال الله تعالى : لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ وَلا عَلى الْمَرْضى وَلا عَلى الَّذينَ لا يَجِدونَ ما يُنْفِقونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحوا لِلَّهِ وَرَسولِهِ ما عَلى الْمُحْسِنينَ مِنْ سَبيلٍ واللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ ، وهم الذين خلصوا إيمانهم من الغش والنفاق ... وأهل المجالسة [ هم ] أهل الخلوة » .
وفي آداب المجالسة يقول الغوث الأعظم عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : « جالسوا العلماء : بحسن الأدب ، وترك الاعتراض عليهم ، وطلب الفائدة منهم ، لينالكم من علومهم وتعود عليكم بركاتهم وتشملكم فوائدها . وجالسوا العارفين : بالصمت . وجالسوا الزاهدين : بالرغبة فيهم » .
ويقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي : « إذا جالست العلماء : فجالسهم بالعلوم المنقولة والروايات الصحيحة ، أما أن تفيدهم أو تستفيد منهم وذلك غاية الربح منهم . وإذا جالست العباد والزهاد : فاجلس معهم على الزهد والعبادة ، وحل لهم ما أسروه ، وذوِّقهم من المعرفة ما لم يذوقوه . وإذا جالست الصديقين : ففارق ما تعلم ، ولا تنسب لما تعلم تظفر بالعلم المكنون ، وبفوائد أجرها غير ممنون » .
ويقول الشيخ عبد الله الحداد : « من أراد أن يظفر بالخير كله ، فليجالس الأولياء . ومن جالسهم فليحفظ لهم ثلاث خصال :
الأولى : أن يجمع قلبه لإفاضة مددهم ، ويلقي سمعه لما يصدر من كلامهم وإلا هلك .
الثانية : أن لا يطالبهم بالعصمة ، فإن طالبهم حرم بركتهم ، لأنهم غير معصومين وإنما هم محفوظون ، ومع ذلك يمكن أن يرى منهم ما يظنه ذنباً وهو ليس كذلك .
الثالثة : لا يظنهم إذا سمعهم يتكلمون في أحد أن مرادهم تنقيصه لأنهم لا ينقصون أحدا ، وإنما مرادهم تكميله وهدايته » .
ويقول الشيخ أحمد بن عجيبة : « من آداب مجالسة الصديقين : أن تفارق ما تعلم لتظفر بالسر المكنون » .
ويقول : « أنت تجالسه بالأدب والحياء ، وهو يجالسك بالتقريب والاجتباء . أنت تجالسه بمراقبته ، وهو يجالسك بحفظه ورعايته . أنت تجالسه بذكره ، وهو يجالسك ببره » .
وفي أنواع المجالسة يقول الشيخ أبو عبد الله الروذباري : « مجالسة الأضداد ذوبان الروح ، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول » .
وفي بركة مجالسة الصديقين والعارفين يقول الشيخ الأكبر ابن عربي : « من جالس الصديقين والعارفين في مجالسهم المطهرة وأنديتهم المقدسة ، فإنه شريك لهم في كل خير ينالونه ، وقد قال : ( هم القوم الذين لا يشقى جليسهم ) فالمرء مع من جالس ، لأن المجالسة والاستماع ينتجان عن المحبة » .
وفي أنواع المجالسين يقول الشيخ أبو الليث السمرقندي : « من جلس مع ثمانية زاده الله ثمانية : فمن جلس مع الأغنياء زاده الله حب الدنيا . ومن جلس مع الفقراء زاده القنع . ومن جلس مع الصبيان زاده الله الحصر . ومن جلس مع النساء زاده الحب والشهوة . ومن جلس مع السلطان زاده الكبر وقسوة القلب . ومن جلس مع الفاسق زاده الله التسويف في التوبة والجراءة على الذنب . ومن جلس مع العلماء زاده الله العلم والعمل به . ومن جلس مع الصالحين زاده الله الرغبة في الطاعات » .
وفي أوصاف مجالسة الأكابر يقول الشيخ أبو الحسن الشاذلي : « مجالسة الأكابر أربعة أوصاف :
بالتخلي عن أضدادهم ، والميل والمحبة والتخصيص لهم .
الثاني : إلقاء السلم بين أيديهم ، وترك ما تهوى لما يهوى .
والثالث : إيثار أقوالهم وأفعالهم ، وترك التجسس عن عقائدهم .
والرابع : تعلق الهمة بما تعلق به هممهم بشرط الموافقة لهم في أفعالهم » .
وفي صفة الجليس يقول الشيخ حاتم الأصم : « عليك بمجالسة من إذا رأيته وقع على باطنك هيبته ، وأنساك الأهل والولد رؤيته ، ولا تعصي مولاك ما دمت قريباً منه » .
ويقول الشيخ يحيى بن معاذ الرازي : « مجالسة المخالفين تعمي الروح ، ورؤية الأضداد تمنع الذوق » .
وفي موقف المجالسة يقول الشيخ محمد بن عبد الجبار النفري : « أوقفني [ الحق ] في مجالسته وقال لي : كل اسم من أسمائي مجلس ، فقف في مجلس المبدئ المعيد » .
وفي موقف أدب المجالسة يقول الشيخ محمد بن عبد الجبار النفري : « أوقفني [ الحق ] في أدب المجالسة وقال لي : ليس في المجالسة ذكر ، ولا في المجالسين ذاكر . إن الجليس ناظر ، لا يرجع ناظره ، فَهِمٌ لا ينطق فهمه ، مدرك لا بشيء إدراكه .
وقال لي : انتهت العلوم من المعرفة ، وانتهت عزائم العلوم إلى فرقان المعرفة . فانتهت العلوم والمعرفة ، بما فيهما ، من عزيمة وفرقان إلى آداب الرؤية ، وانتهت آداب الرؤية إلى آداب المجالسة . فمن عرفها ، رآني بين قلبه وهمه ، وبين لسانه وكلامه .
وقال لي : الجليس لا يستفتي ، ولا يستأذن ، ولا يستجير ، ولا يسأل ، ولا يستكشف . إن استفتى هبط إلى العلم . وإن استأذن هبط إلى المعرفة . وإن استجار هبط إلى الحاجة . وإن سأل هبط إلى الفقر . وإن استكشف هبط إلى الإعراض .
وقال لي : عند الجليس من كل شيء علم ، ومن كل علم ذكر: فهو عبدي الحاوي ...
وقال لي : الجليس لا يدخل هذه المنازل [ العلم والمعرفة ] إلا في ضرورته . فإذا دخلها في ضرورته ، دخلها أدباً ، حتى إذا خرج عن ضرورته ، عاد إلي فجالسته . فمن دخلها أدباً ملكها ، فلا تملكه ، ومن دخلها قاصداً ، ملكته ، فلا ينتصر » .
أما جليس الحق في اصطلاح الشيخ الأكبر فتقول الدكتورة سعاد الحكيم : « إن الذكر إذا تخطى صورته اللسانية ليعم ( الذاكر ) أوصل موضوعه إلى حال حضور مع ( المذكور ) . فالذاكر للحق يصل بذكره إلى الحضور في حضرة الحق من حيث ( الاسم المذكور ) . وعندما يصل الذاكر إلى حضرة الحق ، يجلس معه مدة ذكره ، فهو جليس الحق ، يقول ابن عربي : « لأن أهل الذكر هم جلساء الحق ... فعلى قدر ذكره [ الذاكر ] يكون الحق دائم الجلوس معه ... فكل ذاكر لا يزيد علماً في ذكره بمذكوره فليس بذاكر ، وإن ذكر بلسانه ، لأن الذاكر هو الذي يعمّه الذكر كله ، فذلك هو جليس الحق » .
ويقول : « لما كان رسول الله يذكر الله على كل أحيانه ، والله جليس من يذكره ، فلم يزل رسول الله جليس الحق دائماً » .
إذاً الذاكر هو جليس الحق ، وحيث أن التنزيل العزيز أكد أن الحق يذكر من يذكره فاذْكُروني أَذْكُرْكُمْ أصبح الحق كذلك جليس الذاكر ، يقول ابن عربي : « ما بأيدينا من الحق إلا الذكر ، ولذلك قال : أنا جليس من ذكرني » .
وفي أنواع مجالس الحق يقول الشيخ الأكبر ابن عربي : « مجالس الحق على نوعين :
النوع الواحد : لا يتمكن فيه إلا الخلوة به تعالى فهذا لا تقع فيه الإشارة وذلك إذا جالسته من حيث هو له على علمه به .
والنوع الثاني : ما تمكن فيه المشاركة في المجلس ، وهو إذا تجلى للعبد في صورة أمكن أن تحضر في تلك المجالسة جماعة قلوا أو كثروا .. ففي هذا المجلس تكون الإشارة » .

المصدر :
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان للشيخ محمد الكسنزان – ج
6 ص168-173

.

تأريخ النشر : 22-11-2015
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: ام تيجان      البلد: العراق       التاريخ: 23-11-2015
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى اله وصحبه وسلم تسليما


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة