الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
                   هم الدنيا والآخرة
                                                      
   مشتاق هيلان
لكل منا همّ بل هموم يحملها في صدره ، إذ الدنيا هي دار الهموم جبلت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأكدار ، وإن بعضاً من هذه الهموم دنيوي ، وبعضها أخروي ، فمن الهموم الدنيوية وما أكثرها ، همّ الدراسة مثلا ، والرزق والوظيفة وحاجات الأسرة المختلفة والكثيرة ، ومشاكل الأبناء .
أما الهموم الأخروية فأحوال المسلمين وما آلت إليه من كوارث ومصائب وويلات وعذاب القبر وأهوال القيامة والمصير إلى الجنة أو إلى النار وتربية الأبناء تربية صالحة ، وكيفية القيام بحقوق الوالدين وهم الدَين وسداده للخلوص من حقوق العباد ، وأن الإنسان يعيش في وسط هذه الهموم ، إذ الدنيا معاشنا والآخرة معادنا ، فكل منها مصلحة للإنسان يود لو كفيها ، ولكن الذي ينبغي على المسلم هو أن يعطي كلاً من الدنيا والآخرة قدرها فيتخفف من شواغل الدنيا وهمومها ويجعل همّه وشغله في مسائل الآخرة ، وهذا ما أرشدنا إليه نبينا العظيم صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله : من جعل الهموم هماً واحداً هم آخرته كفاه الله هم دنياه ، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك (1) ، وفي رواية : (( من كان همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت نيته الدنيا فرّق الله عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له )) .
وعن سيدنا الحسن البصري قدس الله سره قال : ( فمن تكن الآخرة همه وبثه وسدمه يكفي الله ضيعته ويجعل غناه في قلبه ، ومن تكن الدنيا همه وبثه وسدمه يفشي الله عليه ضيعته ويجعل فقره بين عينيه ، ثم لا يصبح إلا فقيراً ولا يمسي إلا فقيراً ) (2) .
ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : ( اعلم أن الله سبحانه وتعالى يفتش سرك ، فإن وجده بخلاف علانيتك شغلك بهم الدنيا ، وفتق لك ما يزنق عليك ، واستغنى الله والله غني حميد ، وإن وجده موافقاً لعلانيتك أحبك وصرف هم الدنيا عن قلبك ، وكفاك مئونة نظرك لغيرك ، وترك لك نظرك لنفسك ، وكان المقوي لسياستك ، ولن تطاع إلا بطاعتك لله تعالى ، فكن طائعاً تكتسب بذلك السلامة في العاجل ، وحسن المنقلب في الآجل " إن الله مع الذين اتقوا
الذين هم محسنون " ) (3) . وإن الهم الأول الذي ينبغي أن يسيطر على حياتنا هو كما سماه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الهم الأكبر ، وذلك في قوله : ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا (4) ، ألا وهو الهم الأخروي ، فقد قال إمامنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : ( ارتحلت الدنيا مدبرة ، وارتحلت الآخرة مقبلة ، ولكل واحدة منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغداً حساب ولا عمل ) (5) .
وإن من أراد أن يعرف الهم الأكبر الذي يشغله فلينظر في أحواله ، ما الذي يفكر فيه قبل نومه أو في صلاته ؟ ما الذي يفرحه ويحزنه ؟ وما الذي يغضبه ؟ ما هي أمنياته ؟ وبماذا يدعو الله في سجوده ؟ وما الذي يراه في منامه وأحلامه ؟ ما الأمر الذي يؤثر تأثيراً مباشراً في قراراته ؟
إن التبصر في ذلك كله يدلك على الهم الأول أو الأكبر في حياتك ، فتعرف حينذاك أنك ممن أهمته دنياه أو أخراه . يقول سيدنا وشيخنا الشيخ عبد الكريم الكسنزان قدس الله سره العزيز : إن أكثر ما يفرح المشايخ في المريد هو حينما يروه مهموماً بإكمال أوراده وتسابيحه .
ولنرى إلى أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام وهمومهم ماذا كانت ، وهم أصدق الناس طوية ، تجردوا عن حظوظ أنفسهم ، وعاشوا من أجل إبلاغ دينهم ، فكانت الآخرة همهم ، فهذا نبي الله نوح عليه السلام يمكث في دعوة قومه قرابة الألف عام ، وهو يدعوهم إلى طاعة الله وعبادته ، وليس له من هم إلا ذاك قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) (6) ، وهكذا جميع الأنبياء والمرسلين ، وخيرهم نبينا الأكرم ورسولنا المعظم سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقد عاش يحمل هم أمته وعلى ما يجده من هم وحزن لعدم إيمان الكفار بدعوته ، قال له الله تعالى : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (7) وقال فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً وقد وصفه الله تعالى بأعطف الصفات فقال : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (8) وكذلك حال أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كيف أن هم الإسلام والآخرة في صدورهم حتى الرمق الأخير من حياتهم ، فلما كان يوم أحد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : من يأتيني بخبر سعد بن الربيع الأنصاري فقال رجل : أنا يا رسول الله ، فذهب الرجل يطوف بين القتلى ، فقال له سعد بن الربيع : ما شأنك ؟ فقال له الرجل : بعثني إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم لآتيه بخبرك ، قال : فاذهب إليه فاقرأه مني السلام ، وأخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة ، وأني قد أنفذت مقاتلي ، وأخبر قومك أنه لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وواحد منهم حي (9) .
وهكذا حال وراثه من المشايخ الكاملين أهل الدعوة إلى الله ، وحال المرشدين من أتباعهم في حرصهم على هداية الناس وإرشادهم إلى طريق الحق سبحانه ، فهذا سيدنا الشيخ داود الطائي قدس الله سره حيث كان يقوم بالليل ويقول في مناجاته : ( إلهي همُّك عطَّل عليَّ الهموم ، وحال بيني وبين الرقاد ) (10) .
وهذا مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول : ( بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك ، وبقدر ما تحزن للآخرة فكذلك يخرج هم الدنيا من قلبك ) (11) . أما الذين لا يهتمون إلا بدنياهم التي شغلت عليهم جل حياتهم ، فهؤلاء في إيمانهم دخن ، وفيهم من صفات المنافقين شيء . 
وورد في أخبار نبي الله داود عليه السلام أن الله تعالى قال له : ( ما لأوليائي والهمّ بالدنيا ، إنّ الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم ، يا داود : إياك والاهتمام بالدنيا ، محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمّون ، إياك والغم ، ولا تهتم للخير وأنت تريدني ) ، ويقال : أكثر الناس همًّاً في الدنيا أكثرهم همًّاً في الآخرة ، وأقلّهم همًّاً في الدنيا أقلّهم همًّاً في الآخرة ، وجاء في الحديث الشريف عن رسول اللّه صلى الله تعالى عليه وسلم : ( الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ، واعلم أنّ الفرح بالدنيا يخرج همّ الآخرة من القلب ، والغمّ على الدنيا يحجب عن الحزن على فوت الآخرة ) (12) .
وقال محمد بن مالك بن ضيغم : ( حدثني مولانا أيوب قال : قال لي أبو مالك يوماً : يا أبا أيوب احذر نفسك على نفسك فإني رأيت هموم المؤمنين في الدنيا لا تنقضي ، وأيم الله لئن لم تأت الآخرة المؤمن بالسرور لقد اجتمع عليه الأمران : هم الدنيا وشقاء الآخرة . قال قلت : بأبي أنت وكيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو ينصب لله في دار الدنيا ويدأب ؟ قال : يا أبا أيوب فكيف بالقبول وكيف بالسلامة ؟ ثم قال : كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه ، قد أصلح قربانه ، قد أصلح همته ، قد أصلح عمله ، يجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به وجهه ) (13) .
أما أنجع ما يذهب الهم والغم ويجلي الكرب هو :
أولا : الاستغفار ، فلقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب (14) .
ثانياً : الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : فعن أبي بن كعب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال : يا أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله ، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه ، قال أبي : قلت : يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك ، فكم أجعل لك من صلاتي ؟ فقال : ما شئت ، قال : قلت : الربع ؟ قال : ما شئت ، فإن زدت فهو خير لك ، قلت : النصف ؟ قال : ما شئت ، فإن زدت فهو خير لك ، قال : قلت : فالثلثين ؟ قال : ما شئت ، فإن زدت فهو خير لك ، قلت : أجعل لك صلاتي كلها ؟ قال : إذاً تكفى همك ، ويغفر لك ذنبك (15) .
ثالثاً : الصلوات الخمس : فعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى . وحين كان يدخل وقت الصلاة يقول لبلال : ( يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها ) (16) .

المصادر:
  1- سنن ابن ماجه - ج1ص299
2- سنن الدارمي - ج1ص372
3- حلية الأولياء للأصفهاني - ج4ص86
4- رياض الصالحين للنووي - ج1ص108
5- صفة الصفوة لابن الجوزي - ج1ص55
6- سورة نوح : 5-9
7- سورة الشعراء : 3
8- سورة التوبة : 128
9- موطأ مالك - ج3ص369
10- الرسالة القشيرية للقشري - ج1ص11
11- إحياء علوم الدين للغزالي - ج2ص397
12- قوت القلوب  لأبي طالب المكي - ج1ص431
13- صفة الصفوة لابن الجوزي - ج1ص392
14- سنن أبي داود - ج4ص314
15- مسند عبد بن حميد - ج1ص183
.16- كشف الخفاء للعجلوني - ج1ص108

تأريخ النشر : 30-11-2015
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة