الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا

أخلاق أهل البيت أخلاق الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم (ج2)
الإخلاص

الإخلاص : ضد الرياء ، وهو صفاء الأعمال من شوائب الرياء ، وجعلها خالصة لله تعالى . وهو قوام الفضائل ، وملاك الطاعة ، وجوهر العبادة ، ومناط صحة الأعمال ، وقبولها لدى المولى عز وجل . وقد مجدته الشريعة الإسلامية ، ونوهت عن فضله ، وشوقت إليه ، وباركت جهود المتحلين به في طائفة من الآيات والأخبار . وقال سبحانه : فاعبد الله مخلصاً له الدين ، ألا لله الدين الخالص ( 1). وقال عز وجل : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ( 2). وقال النبي : من أخلص لله أربعين يوماً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ( 3). وقال الإمام الجواد عليه السلام: أفضل العبادة الإخلاص . وعن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام: الدنيا كلها جهل إلا مواضع العلم ، والعلم كله جهل إلا ما عمل به ، والعمل كله رياء إلا ما كان مخلصاً ، والإخلاص على خطر ، حتى ينظر العبد بما يختم له .
عن خالد بن معدان : « لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر ، ثم يرجع إلى نفسه فتكون هي أحقر حاقر » ( 4). وليس الباعث في عرف الشريعة الإسلامية إلا ( النية ) المحفزة على الأعمال ، فمتى استهدفت الإخلاص لله تعالى ، وصفت من كدر الرياء نبلت وسعدت بشرف رضوان الله وقبوله ، ومتى شابها الخداع والرياء ، باءت بسخطه ورفضه . لذلك كان الإخلاص حجراً أساسياً في كيان العقائد والشرائع ، وشرطاً واضعياً لصحة العلماء إذ هو نظام عقدها ، ورائدها نحو طاعة الله تعالى ورضاه . وناهيك في فضل الإخلاص أنه يحرر المرء من إغواء الشيطان وأضاليله فبعزتك لأغوينهم أجمعين ، إلا عبادك منهم المخلصين (5 ) .

اليقين

وهو الاعتقاد بأصول الدين وضروراته ، اعتقاداً ثابتاً ، مطابقاً للواقع ، لا تزعزعه الشبه ، فإن لم يطابق الواقع فهو جهل مركب . واليقين هو غرة الفضائل النفسية ، وأعز المواهب الإلهية ، ورمز الوعي والكمال ، وسبيل السعادة في الدارين . وقد أولته الشريعة اهتماماً بالغاً ومجدت ذويه تمجيداً عاطراً ، وإليك طرفاً منه : قال الصادق عليه السلام: إن الإيمان أفضل من الإسلام ، وإن اليقين أفضل من الإيمان ، وما من شيء أعز من اليقين .
وقال عليه السلام: إن العمل الدائم القليل على اليقين ، أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين . وقال الصادق عليه السلام: من صحة يقين المرء المسلم ، أن لا يرضي الناس بسخط الله ، ولا يلومهم على ما لم يأته الله ، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ، ولا كراهية كاره ، ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت ، لأدركه رزقه كما يدركه الموت . ثم قال : إن الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط .
وعنه عليه السلامقال : كان أمير المؤمنين كرم الله وجهه يقول : لا يجد عبد طعم الإيمان ، حتى يعلم أن ما أصابه ، لم يكن ليخطئه ، وإن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وإن الضار النافع هو الله تعالى .

الصبر

وهو احتمال المكاره من غير جزع ، أو بتعريف آخر هو : قسر النفس على مقتضيات الشرع والعقل أوامراً ونواهياً ، وهو دليل رجاحة العقل ، وسعة الأفق ، وسمو الخلق ، وعظمة البطولة والجلد ، كما هو معراج طاعة الله تعالى ورضوانه ، وسبب الظفر والنجاح ، والدرع الواقي من شماتة الأعداء والحساد . وناهيك في شرف الصبر ، وجلالة الصابرين ، أن الله عز وجل ، أشاد بهما ، وباركهما في نيف وسبعين موطناً من كتابه الكريم : بشر الصابرين بالرضا والحب ، فقال تعالى : والله يحب الصابرين (6 ). وقال الصادق عليه السلام: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد ، وكذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان . وقال الباقر عليه السلام: الجنة محفوفة بالمكاره والصبر ، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة ، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات ، فمن أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار . وقال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: من لم ينجه الصبر ، أهلكه الجزع .

الشكر

وهو عرفان النعمة من المنعم ، وحمده عليها ، واستعمالها في مرضاته . وهو من خلال الكمال ، وسمات الطيبة والنبل ، وموجبات ازدياد النعم واستدامتها . والشكر واجب مقدس للمنعم المخلوق ، فكيف بالمنعم الخالق ، الذي لا تحصى نعماؤه ولا تعد آلاؤه . والشكر لا يجدي المولى عز و جل ، لاستغنائه المطلق عن الخلق ، وإنما يعود عليهم بالنفع ، لأعرابه عن تقديرهم للنعم الإلهية ، واستعمالها في طاعته ورضاه ، وفي ذلك سعادتهم وازدهار حياتهم . قال تعالى : واشكروا لي ولا تكفرون ( 7). وقال تعالى : وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ( 8). وقال تعالى : وقليل من عبادي الشكور ( 9). وقال رسول الله : الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ , لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ  (10 ) .
. وقال الصادق عليه السلام: من أعطي الشكر أعطي الزيادة ، يقول الله عز وجل : لئن شكرتم لأزيدنكم . وقال الباقر عليه السلام: تقول ثلاث مرات إذا نظرت إلى المبتلى من غير أن تسمعه : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به ، ولو شاء فعل . قال : من قال ذلك لم يصبه ذلك البلاء أبداً .

التوكل

هو : الاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور ، وتفويضها إليه ، والإعراض عما سواه . وباعثه قوة القلب واليقين ، وعدمه من ضعفهما أو ضعف القلب ، وتأثره بالمخاوف والأوهام .
والتوكل هو : من دلائل الإيمان ، وسمات المؤمنين ومزاياهم الرفيعة ، الباعثة على عزة نفوسهم ، وترفعهم عن استعطاف المخلوقين ، والتوكل على الخالق في كسب المنافع ودرء المضار . وقد تواترت الآيات والآثار في مدحه والتشويق إليه : قال تعالى : ومن يتوكل على الله فهو حسبه ( 11).
وقال : إن الله يحب المتوكلين ( 12). وقال عليه السلام: من أعطي ثلاثاً ، لم يمنع ثلاثاً : من أعطي الدعاء أعطي الإجابة . ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة . ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية . ثم قال : أتلوت كتاب الله تعالى ؟ : ومن يتوكل على الله فهو حسبه .
وقال أمير المؤمنين في وصيته للحسن عليه السلام: وألجئ نفسك في الأمور كلها ، إلى إلهك ، فإنك تلجئها إلى كهف حريز ، ومانع عزيز .


الخوف من الله تعالى

هو : تألم النفس خشية من عقاب الله ، من جراء عصيانه ومخالفته . وهو من خصائص الأولياء ، وسمات المتقين ، والباعث المحفز على الاستقامة والصلاح . والوازع القوي عن الشرور والآثام .
لذلك أولته الشريعة عناية فائقة ، وأثنت على ذويه ثناءاً عاطراً مشرفاً . قال تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء ( 13) . وقال : إن الذين يخشون ربهم بالغيب ، لهم مغفرة وأجر كبير (14 ) . وقال : وأما من خاف مقام ربه ، ونهى النفس عن الهوى ، فإن الجنة هي المأوى ( 15).
وقال الصادق عليه السلام: خف الله كأنك تراه ، وإن كنت لا تراه فإنه يراك ، وإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت ، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية ، فقد جعلته من أهون الناظرين إليك . من عرضت له فاحشة ، أو شهوة فاجتنبها من مخافة الله عز وجل ، حرم الله عليه النار ، وآمنه من الفزع الأكبر ، وأنجز له ما وعده في كتابه ، في قوله عز و جل : ولمن خاف مقام ربه جنتان . ومالي لا أبكي !! ولا أدري إلى ما يكون مصيري ، وأرى نفسي تخادعني ، وأيامي تخاتلني ، وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت ، فمالي لا أبكي ، أبكي لخروج نفسي ، أبكي لظلمة قبري ، أبكي لضيق لحدي ، أبكي لسؤال منكر ونكير إياي ، أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً حامداً ثقلي على ظهري ، أنظر مرة عن يميني ، وأخرى عن شمالي ، إذ الخلائق في شأن غير شأني لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ، وجوه يومئذ مسفرة ، ضاحكة مستبشرة ، ووجوه يومئذ عليها غبرة ، ترهقها قترة (16 ).


الرجاء من الله تعالى

وهو : انتظار محبوب تمهدت أسباب حصوله ، كمن زرع بذراً في أرض طيبة ، ورعاه بالسقي والمداراة ، فرجاً منه النتاج والنفع . فإن لم تتمهد الأسباب ، كان الرجاء حمقاً وغروراً ، كمن زرع أرضاً سبخة وأهمل رعايتها ، وهو يرجو نتاجها .
والرجاء : هو الجناح الثاني من الخوف ، اللذان يطير بهما المؤمن إلى آفاق طاعة الله ، والفوز بشرف رضاه ، وكرم نعمائه ، إذ هو باعث على الطاعة رغبةً كما يبعث الخوف عليها رهبة وفزعاً .
1 - النهي عن اليأس والقنوط : قال تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعاً ، إنه هو الغفور الرحيم (17 ).
2- سعة رحمة الله وعظيم عفوه : قال تعالى : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ( 18).
- حسن الظن بالله الكريم ، وهو أقوى دواعي الرجاء . قال الرضا عليه السلام: أحسن الظن بالله ، فإن الله تعالى يقول : أنا عند ظن عبدي بي ، إن خيراً فخيراً ، وإن شراً فشراً .

التوبة

للتوبة فضائل جمة ، ومآثر جليلة ، صورها القرآن الكريم ، وأعربت عنها آثار أهل البيت عليهم السلام ، وناهيك في فضلها أنها بلسم الذنوب ، وسفينة النجاة ، وصمام الأمن من سخط الله تعالى وعقابه . وقد أبت العناية الإلهية أن تهمل العصاة يتخبطون في دياجير الذنوب ، ومجاهل العصيان ، دون أن يسعهم بعطفه السامي ، وعفوه الكريم ، فشوقهم إلى الإنابة ، ومهد لهم التوبة .
قال الله تعالى : استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ، يرسل السماء عليكم مدراراً ، ويمددكم بأموال وبنين ، ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً ( 19). وقال تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ( 20).  وقال في حديث آخر : ليس شيء أحب إلى الله من مؤمن تائب ، أو مؤمنة تائبة . وقال الصادق عليه السلام: العبد المؤمن إذا أذنب ذنباً أجله الله سبع ساعات ، فإن استغفر الله لم يكتب عليه ، وإن مضت الساعات ولم يستغفر كتبت عليه سيئة ، وإن المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى يستغفر ربه فيغفر له ، وإن الكافر لينساه من ساعته . فعن أبي عبد الله عليه السلامقال : قال رسول الله : من تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته ، ثم قال : إن السنة لكثير ، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته . ثم قال : إن الشهر لكثير ، من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته . ثم قال : إن الجمعة لكثير ، من تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته . ثم قال : إن يوماً لكثير ، من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته . قال : لولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقاً حتى يذنبوا ثم يستغفروا الله فيغفر لهم ، إن المؤمن مفتن تواب ، أما سمعت قول الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين  (21 ) .

محاسبة النفس ومراقبتها

هذا إلى أن للمحاسبة والمراقبة أهمية كبرى في تأهب المؤمن ، واستعداده لمواجهة حساب الآخرة ، وأهواله الرهيبة ، ومن ثم اهتمامه بالتزود من أعمال البر والخير الباعثة على نجاته وسعادة مآبه .
لذلك طفقت النصوص تشوق ، وتحرض على المحاسبة والمراقبة بأساليبها الحكيمة البليغة : قال الإمام الصادق عليه السلام: إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئاً إلا أعطاه ، فلييأس من الناس كلهم ، ولا يكون له رجاء إلا من عند الله تعالى ، فإذا علم الله تعالى ذلك من قلبه لم يسأل شيئاً إلا أعطاه ، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها ، فإن للقيامة خمسين موقفاً كل موقف مقام ألف سنة ، ثم تلا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة . وقال الإمام موسى بن جعفر : ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ، فإن عمل حسنة استزاد الله تعالى ، وإن عمل سيئة استغفر الله تعالى منها وتاب إليه . وعن أبي عبد الله عليه السلامقال : إن رجلاً أتى النبي فقال له : يا رسول الله أوصني ، فقال له رسول الله : فهل أنت مستوص إن أنا أوصيك ؟ حتى قال له ذلك ثلاثاً ، وفي كلها يقول له الرجل : نعم يا رسول الله ، فقال له رسول الله : فإني أوصيك ، إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته ، فإن يك رشداً فأمضه ، وإن يك غياً فانته عنه (22 ). وقال الصادق عليه السلاملرجل : إنك قد جعلت طبيب نفسك ، وبين لك الداء ، وعرفت آية الصحة ، ودللت على الدواء ، فانظر كيف قياسك على نفسك .

الفهرس :
1 - سورة الزمر : آية 2-3 .
2  - سورة البينة : آية 5 .
3  - الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي – ج1ص17 .
4  - الزهد والرقائق لابن المبارك – ج1ص312 .
5  - سورة ص : آية 82-83 .
6  - سورة آل عمران : آية 146 .
7  - سورة البقرة : آية 152 .
8  - سورة إبراهيم : آية 7 .
9  - سورة سبأ : آية 13 .
10  - المسند الجامع لأبي المعاطي النوري – ج13 ص307 .
11  - سورة الطلاق : آية 3 .
12  - سورة آل عمران : آية 159 .
13  - سورة فاطر : آية 28 .
14  - سورة الملك : آية 12 .
15 - سورة النازعات : آية 41 .
16  - سورة عبس : آية 41 .
17  - سورة الزمر : آية 53 .
18  - سورة الرعد : آية 6 .
19  - سورة نوح : آية 11 .
20  - سورة البقرة : آية 222 .
21  - رياض الصالحين للنووي – ج1ص63 .
22  - إحياء علوم الدين للغزالي - ج2ص374 .

تأريخ النشر : 15 - 1 - 2016
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة