الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
بين الغيب والواقع
                                                                                            
                                                مشتاق هيلان
كثير منا من يقول : لماذا أنا من ابتليت بهذا الشيء ؟ لماذا أنا من خلقت في هذا البلد ؟ لماذا أنا من عشت في هذه الأجواء ؟ لماذا أنا من يجب أن يتحمل الفقر ؟ لماذا أنا من كتب عليه هذا القدر ؟ لماذا أنا من يتحمل كل شيء ؟ لماذا أنا من عليه أن يكمل بدون اعتراض ؟ لماذا أنا من يجب أن يخبئ حزنه ويتظاهر بأنه سعيد ؟ كلها علامات استفهام يسألها الكثير ، والبعض يسأل نفسه جزء منها ، والبعض الآخر يسألها كلها ، فالبعض منا لا تعجبه حياته ولا أصدقاؤه ، وأحياناً حتى نفسه وشكله ، مع أن النبي يوسف عليه السلاملم يقل لماذا أنا عندما رموه أخوته في البئر ، فخرج من البئر وأصبح ملكا . هناك قول مأثور يحل هذه المشكلة بل يحل جميع هذه التساؤلات وهو : ( لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع ) بما معنى أن الله عز و جل لو أطلعك على غيبه وأنت في عالم الأرواح وأنت لم تخرج بعد إلى الدنيا وتتلبس روحك بجسدك الذي أنت عليه ونظرت إلى جميع الطرق والاختيارات لاخترت جسدك الذي أنت عليه وشكلك الذي أنت عليه وحالتك التي أنت عليها في الدنيا كما أنت عليه الآن ؛ لأن حالك هذا الذي هو أنت فيه إنما هو الأصلح لك والأفضل ، وأن الله تعالى لا يختار لعبده إلا ما هو الأصلح له ، فلماذا الاعتراض ولماذا الاكتراث والتضجر ؟! حتى الأعمى الذي يولد وهو أعمى والكسيح والعقيم وكل الصفات التي نعدها نحن في مجتمعنا نقصاً إنما هي لصالح العبد وفي مصلحته ، ولكننا لا نعرف الأسباب ، ولو عرفناها لبطل منا العجب العجاب ، فلله في كل ما خلق حكمة متناهية الدقة هي في مكنون علمه ، ويجب علينا أن نكون على يقين بأن كل مصيبة حقاً ومضرة فعلاً ، إنما هي التي تصيب الدين . فلابد من الالتجاء إلى الله سبحانه والانطراح بين يديه والتضرع إليه دون انقطاع . أما المصائب التي لا تمس الدين فهي في حقيقة الأمر ليست بمصائب ، لأن قسماً منها : تنبيه رحماني ! يبعثه الله سبحانه إلى عبده ليوقظه من غفلته ، بمثل تنبيه الراعي لشياهه عندما تتجاوز مرعاها ، فيرميها بحجر ، والشياه بدورها تشعر أن راعيها ينبهها بذلك الحجر ويحذرها من أمر خطير مضر، فتعود إلى مرعاها برضا واطمئنان . وهكذا النوائب الظاهرة فان الكثير منها تنبيه الهي ، وإيقاظ رحماني للإنسان . أما القسم الآخر من المصائب فهو كفارة للذنوب . فلماذا نبالي ورسول الله يقول : عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر وكان خيراً له ، وإن إصابته ضراء صبر فكان خيراً له وإن الله تعالى قال : عبدي المؤمن أحب إلي من بعض ملائكتي بل هو أكرم على الله من بعض ملائكته ، وليس شئ أكرم على الله تعالى من المؤمن . (1)
وإن هناك قسم آخر أيضاً من المصائب هو منحة إلهية لتطمين القلب وإفراغ السكينة فيه ، وذلك بدفع الغفلة التي تصيب الإنسان ، وإشعاره بعجزه وفقره الكامنين في جبلته . أما المصيبة التي تنتاب الإنسان عند المرض فهي ليست مصيبة حقيقية ، بل هي لطف رباني لأنه تطهير للإنسان من الذنوب وغسل له من أدران الخطايا ، كما ورد في الحديث الصحيح : ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتّ الله عنه خطاياه كما يحاتّ ورق الشجر (2) والحديث الآخر بلفظ : ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه (3) ، لا بل أن المسلم ليؤجر في كل شئ حتى النكبة ، وانقطاع شسع نعله ، والبضاعة تكون في جيبه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في جيبه . وهكذا ... ولننظر إلى حال الصالحين من أنبياء الله كسيدنا أيوب عليه السلاملم يدعُ في مناجاته لأجل نفسه وتطميناً لراحته ، ولم يبال بما يحصل له من كوارث في دنياه إلا ما يكون حائلا بينه وبين الله من التجليات والألطاف الإلهية ، ولأجلها طلب كشف الضر من ربه ، فقال : وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (4) ، وإنما ضره الذي كان يقصده هو الذي من قبيل ما يكون حائلاً بينه وبين الله قلباً ، فطلب الشفاء لأجل القيام بوظائف العبودية خالصة كاملة . وكذلك نحن يجب علينا أن نقصد بمناجاتنا لله عز و جل ، شفاء جروحنا المعنوية ، وشروخنا الروحية القادمة من ارتكاب الآثام واقتراف الذنوب ، ولنا الالتجاء إلى الله القدير عندما تحول الأمراض المادية دون قيامنا بالعبادة كاملة ، فنتضرع إليه عندئذ بكل ذل وخضوع ونستغيثه دون أن يبدر منا أي اعتراض أو شكوى ، إذ ما دمنا راضين كل الرضا بربوبيته الشاملة فعلينا الرضا والتسليم المطلق بما يمنحه سبحانه لنا بربوبيته.. أما الشكوى التي تومئ إلى الاعتراض على قضائه وقدره ، وإظهار التأفف والتحسر ، فهي أشبه ما يكون بنقد للقدر الإلهي العادل واتهام لرحمته الواسعة.. فمن ينقد القدر يصرعه ، ومن يتهم الرحمة يُحرم منها . إذ كما أن استعمال اليد المكسورة للثأر يزيدها كسراً ، فان مقابلة المبتلي مصيبته بالشكوى والتضجر والاعتراض والقلق تضاعف البلاء . قال الله تعالى في الحديث القدسي ، قال الله تعالى : من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليلتمس ربا سوائي (5) ، فعلينا أن نكون حذرين على قلوبنا وأرواحنا من التعسف ، وأن نوطنها على عدم استعظام المصائب ؛ لأننا كلما استعظمنا المصائب المادية عظُمت، وكلما استصغرناها صغرت . فمثلاً : كلما اهتم الإنسان بما يتراءى له من وهم ليلاً يُضخم ذلك في نظره ، بينما إذا أهمله يتلاشى . فالمصائب المادية كذلك كلما تعاظمها الإنسان واهتم بها وقلق عليها تسربت من الجسد نافذة في القلب ومستقرة فيه ، وعندها تتنامى مصيبة معنوية في القلب وتكون ركيزة للمادية منها فتستمر الأخيرة وتطول . ولكن متى ما أزال الإنسان القلق والوهم جذوره بالرضا بقضاء الله ، وبالتوكل على رحمته تضمحل المصيبة المادية تدريجياً وتذهب ، كالشجرة التي تموت وتجف أوراقها بانقطاع جذورها .
ولكن من رحمة الله سبحانه وتعالى بعبده المؤمن ، وأنه لا يختار له إلا ما فيه مصلحته حتى في البلاء ، ما قاله رسول الله : إن الله عز وجل ليقول للملائكة انطلقوا إلى عبدي فصبوا عليه البلاء فيحمد الله فيرجعون فيقولون يا ربنا صببنا عليه البلاء صباً كما أمرتنا فيقول ارجعوا فإني أحب أن أسمع صوته وقال : إن الله ليجرِّب أحدكم بالبلاء كما يجرِّب أحدكم ذهبه بالنار فمنه ما يخرج كالذهب الإبريز ، فذاك الذي حماه الله من الشبهات ، ومنه ما يخرج دون ذلك ، فذلك الذي يشك بعض الشك ، ومنه ما يخرج كالذهب الأسود ، فذاك الذي افتتن وعنه : إن المسلم إذا مرض أوحى الله إلى ملائكته فيقول أيا ملائكتي أنا قيدت عبدي بقيد من قيودي فإن قبضته اغفر له وإن عافيته فجسده مغفور له لا ذنب له وقال : إذا أراد الله بعبد خيرا ابتلاه وإذا ابتلاه أضناه قالوا يا رسول الله وما أضناه ؟ قال : لا يترك له أهلا ولا مالا وقال : المصيبة تبيض وجه صاحبها يوم تسود الوجوه وقال : إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه وقال : إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده وفي ماله أو ولده ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل وإن أحد الصحابة قال :( كنت جالساً مع رسول الله فأقبل علينا من يحب أن يصح فلا يسقم فابتدرنا فقلنا يا رسول الله فعرفناها في وجهه فقال أتحبون أن تكونوا كالحمير الضالة قالوا لا يا رسول الله قال ألا تحبون أن تكونوا أصحاب كفارات والذي نفس أبي القاسم بيده ، إن الله يبتلي المؤمن بالبلاء وما يبتليه به إلا لكرامته عليه إن الله تعالى قد أنزله منزلة لم يبلغها بشيء من عمله فيبتليه من البلاء ما يبلغه تلك الدرجة ) (6) .
ومن رحمة الله الودود بعباده أنه ( إذا بلغ العبد أربعين سنة خفف الله حسابه ، فإذا بلغ الخمسين لين الله عليه حسابه فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة إليه ، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء ، فإذا بلغ ثمانين سنة أثبتت حسناته ومحيت سيئاته ، فإذا بلغ تسعين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفع في أهل بيته وكتب في السماء أسير الله في أرضه ) (7) .




الفهرس :
 1- كنز العمال للسرهندي – ج1ص145
2- صحيح البخاري – ج17ص302
3- مسند احمد – ج16ص225
4- سورة الأنبياء : 83
5- كشف الخفاء للعجلوني – ج2ص102
6- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي – ج1ص406
  7-كنز العمال للسرهندي – ج15ص764

تأريخ النشر : 18 - 2 - 2016
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: مناضل الناصر      البلد: العراق       التاريخ: 20-02-2016
جزاكم الله قدر جبل احد حسنات ووفقكم


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة