الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
                                   
الصوفية وترك الدنيا
                                                                                              


قال الله تعالى : وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون الأنعام ك32 ، سميت الدنيا بالدنيا لدنوها قبل الآخرة أو لدناءتها . وسميت الآخرة بالآخر لتأخرها عن خلقها وإنما جعل الله الآخرة غائبة عن الأبصار لأنها لو كانت حاضرة لما جحدوها ، ولارتفعت التكاليف والمحن ، فجعل ما على الأرض زينة للابتلاء ، وحقيقة الدنيا ما يشغلك عن ربك .
قال أهل التحقيق : السموات والارضون وما فيهما من عالم الكون والفساد يدخل في حد الدنيا . وأما العرش والكرسي وما يتعلق بهما من الأعمال الصالحة والأرواح الطيبة والجنة وما فيها فمن حد الآخرة .
وفى الخبر القدسي : لما خلق الله الدنيا خاطبها بقوله « يا دنيا اخدمي من خدمني وأتعبي من خدمك » ولهذا كانت الدنيا تجيء لبعض أوليائه وتكنس داره في صورة العجوز ، ولبعض أوليائه تجيء كل يوم برغيف . فان قيل : إن الله تعالى خلق هذه الدنيا للمؤمن ، فلِمَ أمر بالزهد فيها ؟ قلنا السكر إذا نثر على رأس العريس لا يلتقطه لعلو همته ، ولو التقطه لكان عيبا . وفى الحديث الشريف جوعوا أنفسكم لوليمة الفردوس والضيف إذا كان حكيماً لا يشبع من الطعام رجاء الحلوى .
حكي : أن قاضياً من أهل بغداد كان مارا بزقاق كلخان مع خدمه وحشمه كالوزير فطلع الكلخائي وهو يهودي في صورة جهنمي كأن القطران يقطر من جوانبه ، فأخذ بلجام بغلة القاضي فقال : أيّد الله القاضي ، ما معنى قول نبيكم الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ؟ أما ترى أن الدنيا جنة لك وأنت مؤمن محمدي والدنيا سجن لي وأنا كافر يهودي ؟ فأجاب القاضي وكان من الفضلاء : الدنيا وما ترى من زينتها وحشمتها سجن لي بالنسبة إلى ما وعد الله في الجنة . وجنة لك بالنسبة إلى الدركات في النيران . وقيل : مثل الدنيا والآخرة مثل رجل له امرأتان ، إن أرضى أحداهما اسخط الأخرى . واحتضر عابد فقال : ما تأسفي على دار الآخرة والغموم والخطايا والذنوب ، وإنما تأسفي على ليلة نمتها ويوم أفطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى . ... وذلك من قوله تعالى : أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله فالدنيا لا تبقى، والآخرة خير وأبقى .
يحكى أن جعفر بن سليمان رحمه الله قال مررت أنا ومالك ابن دينار بالبصرة فبينما ندور فيها مررنا بقصر يعمر وإذا بشاب حسن يأمر ببناء القصر ويقول افعلوا واصنعوا فدخلنا عليه وسلمنا فرد السلام قال مالك كم نويت أن تنفق على هذا القصر قالله مائة ألف فدخلنا عليه وسلمنا فرد السلام قال مالك كم نويت أن تنفق على هذا القصر قال مائة ألف درهم قال ألا تعطيني هذا المال فأضعه في حقه واضمن لك على الله تعالى قصرا خيرا من هذا القصر بولدانه وخدمه وقبابه وخيمه من ياقوتة حمراء مرصع بالجوهر ترابه الزعفران ملاطه المسك لم تمسه يدان ولم يبنيه بان قال له الجليل سبحانه كن فكان ، فأثر في الشاب كلامه فدعا بدواة وقرطاس ثم كتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ضمن مالك بن دينار لفلان بن فلان إني ضمنت لك على الله قصراً بدل قصرك صفته كما وصفت والزيادة على الله واشتريت لك بهذا المال قصرا في الجنة أفسح من قصرك في ظل ظليل بقرب العزيز الجليل ثم طوى الكتاب ودفعه إلى الشاب وأنفق ما أخذه من المال على الفقراء وما أتى على الشاب أربعون ليلة حتى مات ووصى أن يجعل الكتاب بين كفنه وبدنه ووجد مالك ليلة وفاته كتاباً موضوعاً في المحراب فأخذه ونشره فإذا هو مكتوب بلا مداد هذه براءة من الله العزيز الحكيم مالك بن دينار وفينا الشاب القصر الذي ضمنته له وزيادة سبعين ضعفاً . يعنى أنك لو اخترت الدنيا التي هي كصوف الجمل وآثرتها على الآخرة التي هي كنفس الجمل تكون محروما من الآخرة ، كما أن من اختار الصوف يحرم من الجمل ، بخلاف من كان الجمل ملكا له فانه لا قيمة عنده لصوفه ولا زغبه . (1)
حكي أن الشيخ أبا الفوارس شاهين بن شجاع الكرمانى خرج للصيد وهو ملك كرمان فأمعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده فإذا هو بشاب راكب على سبع وحوله سباع لما رأته ابتدرت نحوه فزجرها الشاب عنه فلما دنا إليه سلم عليه وقال له يا شاه ما هذه الغفلة عن الله اشتغلت بدنياك عن آخرتك وبلذتك وهواك عن خدمة مولاك إنما أعطاك اله  الدنيا لتستعين بها على خدمته فجعلتها ذريعة إلى الاشتغال عنه فبينما الشاب يحدثه إذ خرجت عجوز وبيدها شربة ماء فناولتها الشاب فشرب ودفع باقيه إلى الشاه فشربه فقال ما شربت شيئاً ألذ منه ولا أبرد ولا أعذب ثم غابت العجوز فقال الشاب هذه الدنيا وكلها الله إلى خدمتي فما احتجت إلى شيء إلا أحضرته إلى حين يخطر ببالي أما بلغك أن الله تعالى لما خلق الدنيا قال لها يا دنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه فلما رأى ذلك تاب واجتهد إلى أن كان من أهل الله تعالى . (2)
قال نبينا : مِنْ هوان الدنيا على الله أنه لا يُعصى إلا فيها ، ولا ينال ما عنده إلا بتركها وقال سيدنا عليّ كرم الله وجهه : أول الدنيا عناء ، وآخرها فناء ، حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، ومتشابهها عتاب ، من استغنى فيها فُتن ، ومن افتقر فيها حزن .
وقيل : الدنيا تُقبل إقبال الطالب ، وتُدبر إدبار الهارب ، وتصل وصال الملول ، وتُفارق فراق العجول ، خيرها يسير ، وعمرها قصير ، ولذاتها فانية ، وتبعاتها باقية .
وقال عيسى عليه السلام : تعملون للدنيا ، وأنتم تُرزقون فيها بغير عمل ، ولا تعملون للآخرة ، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل . (3)
يقال للفقير : وما تلك بيمينك أيها الفقير؟ فيقول : هي دنياي أعتمد عليها في معاشي وقيام أموري ، وأُنفق منها على عيالي ، ولي فيها حوائج أخرى؛ من الزينة والتصدق وفعل الخير ، فيقال له : ألقها من يدك أيها الفقير ، واخرج عنها ، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها ، فألقاها وخرج عنها ، فيلقيها ، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو لا يشعر . فلما تمكن من اليقين ، وحصل على غاية التمكين ، قيل له : خذها ولا تخف منها ، حيث رفضت الأسباب ، وعرفت مسبب الأسباب ، فاستوى عندك وجودها وعدمها ، ومنعها وإعطاؤها ، سنعيدها سيرتها الأولى ، تأخذ منها مأربك ، وتخدمك ولا تخدمها . يقول الله تعالى : « يا دنياي ، اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك » . وأما قوله تعالى : في حديث آخر مرفوعًا : « تمرري على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عني » ، فالمراد بالمرارة : ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار ، وإيذاء الفجار وغير ذلك . (5)
يقول الباحث محمد غازي عرابي : أصر الصوفيون على أن أول شرط لدخول الحرم هو طلاق الدنيا ، ولذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه : ( يا دنيا غري غيري ) فالدنيا ضالة الجاهل ومطية المؤمن ، فهي هدف لمن سولت له نفسه أمراً ، أما من أراد الآخرة وسعى لها سعيها فإنه يتخذها مطية ، بمعنى أن إظهار فرص التضاد فيها والصراع ، هو فحص لمعدن الإنسان وكشف أصالته . فلولا أبو جهل وأبو لهب ما ظهر صبر النبي واحتماله الأذى في سبيل الله ، ولولا هند وتمثيلها بحمزة عم النبي ما ظهر حلمه . وفي الحديث القدسي : يا دنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه ، فساحات الصراع تصير واحات خضراً ، إليها يفيء المجاهدون ، وقد كُرِموا ووفيت حقوقهم واستحقوا المكانة السامية . هكذا كان حال الأنبياء والصحابة والحواريين والمجاهدين في سبيل الله . فلولا الدنيا ما عرف هؤلاء ولبقوا عروق ذهب في باطن الأرض لا يعرف أحد عنهم شيئاً » .
يقول السيد الشيخ الغوث عبد الكريم شاه الكسنزان قدس الله سره : الدنيا خيال ، وما فيها إلى زوال .
ويقول السيد الشيخ الغوث حسين الكسنزان قدس الله سره : أيها المريد : ابتعد عن حب الدنيا ، فإن حبها يتلف العابد كما يتلف الحَرُّ العسل .
فإذا أردت أن تحصل على الدنيا فليكن تصرفك بها لآخرتك ، فلا تكن ممن يجمع ليعطي لأبنائه فقط ، حتى إذا مات ورثوه وانفقوا تلك الثروة في المعصية ويعود إثم ذلك عليك في القبر . (5)

المصادر :
  1-  تفسير حقي البروسوي - ج3ص410
2- المصدر نفسه – ج15ص139
3- تفسير البحر المديد لابن عجيبة – ج1ص206
4- المصدر نفسه – ج4ص4
5- موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان للسيد الشيخ محمد الكسنزان – ج1ص112

تأريخ النشر : 3 - 3 - 2016
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة