الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا

العجلة في منظور الإسلام
قالُ اللهُ جلَّ وعلا في كتابه العزيز : وَيَدْعُ الإنسان بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنسان عَجُولاً (1) وقالَ رسولُ
اللهِ : إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ ويُعطي على الرِّفْقِ ما لا يُعطي على ما سِوَاه (2) ، فالعجلةُ داءُ المجتمعاتِ ، وهي فعلُ الشيءِ قبلَ أوانهِ اللائقِ به، ولقدْ جاءَ لفظُ العجلةِ في القرآنِ في سبعةٍ وثلاثينَ موضعاً أكثرُها على سبيلِ الذمّ ، مما يدلُّ على تنفيرِ الإسلامِ منه ، لأنها توجدُ في الحكمِ على الأشخاصِ قبلَ البحثِ والتحرِّي، وفي سُوءِ الظَّنِّ قبلَ التثبُّتِ واليقين وعدم الإنصاف في الانتقاد، معَ أنَّ المولى سُبحانَهُ وتعالى يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (3) .
ومِنَ الناسِ من يعجلُ في الغضبِ ؛ فيتصرَّفُ في لسانهِ وفعلهِ قبلَ مراجعةِ قلبهِ وعقلِه ويَهذي بكلامٍ باطل ويشططُ في أفعالٍ يحتاجُ بعدها إلى الاعتذار فيقعُ فيما نَهى عنهُ النبيُّ بقوله : لا تتكلم بكلامٍ تعتذرُ منهُ غداً (4) ، لا بل ربما يصير كلامه حجة عليه فيقضي على نفسه بالهلاك . ومنْ هُنا حثَّ الإسلامُ المؤمنَ على أنْ يُفكّرَ في عواقبِ الكلمةِ قبلَ أنْ ينطقَ بها لسانُه، فلسانُ العاقلِ وراءَ قلبه ، وقلبُ الأحمقِ وراءَ لسانِه، ومَنْ نظرَ في العواقبِ سلِمَ مِنَ النوائب، ومنْ أسرعَ الجوابَ أخطأَ الصواب .
وقدْ قيل : إياكَ وما يسبقُ إلى القلوبِ إنكارُه، ولو كانَ عندكَ اعتذارُه . ولربما لم تُفلح المعاذيرُ ولم تُرقع الفتوقُ، كلُّ ذلكَ لعجلةِ لحظة، وبخاصةٍ فيما يُثِيرُ الخصومةَ ويعجِّلُ الطلاقَ فتتشتت الأسر ، ويقعُ الندمُ ولاتَ ساعةَ مندم، وان القاعدةُ المشهورةُ تقول: منْ تعجَّلَ شيئاً قبلَ أوانهِ عُوقِبَ بحرمانه، فما لم تُصلِحْهُ الأناةُ لنْ تُصلِحَهُ العجلة، وذو التثبُّتِ حالُه مِنْ حمدٍ إلى ظفر، أما المستعجلُ فتصحبُهُ الندامةُ وتَبعُدُ عنهُ السلامة، لأنَّهُ يقولُ قبلَ أنْ يعلمَ، ويُجِيبُ قبلَ أنْ يفهمَ، ويَحمدُ قبلَ أنْ يُجرِّبَ، ويَذمُّ بعدما يَحمد، ويعزمُ قبلَ أنْ يُفكِّرَ، ويمضي قبلَ أنْ يعزم، ولقدْ كانت العربُ في القديمِ تُكنِّي العجلةَ أمَّ الندامات ، والمثلُ السائدُ : في التأني السلامةُ وفي العجلةِ الندامة .
قال محمد ابن الشافعي : رآني أبي وأنا أعجل في بعض الأمر، فقال: يا بني رفقاً، رفقاً، فإن العجلة تنقص الأعمال، وبالرفق تدرك الآمال . (5)
وقال الرسول الأعظم وسلم لأشج عبد القيس : إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة . (6)
وقال : التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة (7) لقوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام : وعجلت إليك ربي لترضى (8) وكذلك قال : الأناة في كل شيء. إلا في ثلاث: إذا صيح يا خيل الله اركبي ، وإذا نودي بالصلاة ، وإذا كانت الجنازة (9)، وقال : الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ إلَّا فِي خَمْسَةٍ تَزْوِيجِ الْبِكْرِ إذَا أَدْرَكَتْ ، وَقَضَاءِ الدَّيْنِ إذَا وَجَبَ ، وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إذَا مَاتَ ، وَقِرَى الضَّيْفِ إذَا نَزَلَ ، وَالتَّوْبَةِ مِنْ ذَنْبٍ إذَا أَذْنَبَ (10) فأما  الإسراع في تزويج البكر فالحكمة في هذا الأمر هو التحصن دون فسادهن ، فقد قال في خطبة شريفة: (أيها الناس إن جبريل أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الأبكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أدرك ثمارها فلم تجتن أفسدته الشمس ونثرته الرياح، وكذلك الأبكار إذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة، وإلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنهن بشر) فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله فمن نزوج؟ فقال: "الأكفاء ،فقال : ومن الأكفاء ؟ فقال : المؤمنون بعضهم أكفاء بعض) (11) ، وأما الإسراع في قضاء الدين فقد روى عن عائشة أنها كانت تستدين فقيل لها مالك وللدين ؟ فقالت : سمعت رسول الله يقول : « من كان عليه دين ينوى قضاءه كان معه من الله تعالى عون فأَنا ألتمس من الله تعالى عوناً » ولا يخفى أن من استدان على عدم قضاء الدين آكلٌ للسحت . فالله تعالى يفتح أبواب أسباب القضاء قال : من أدان ديناً وهو ينوى قضاءه وكل به ملائكة يحفظونه ويدعون له حتى يقضيه (12) وأن المستدين مهما قدر على قضاء الدين فليبادر إلى قضائه ولو قبل وقته فقد جاء في الحديث أن الشهادة تكفِّر كل شيء إلا الدين (13) فعلى العاقل أن يقضى ما عليه من الديون ويخاف من وبال سوء نيته يوم يبعثون وهذا حال من أدى الفرض فانه يهون عليه أن يؤدى القرض . وأما المرتكب المعاصي وتارك الفرائض فلا يبالى بالفرائض فكيف بالديون والإقراض ؟؟ وأما الإسراع في تجهيز الميت فلقوله إذا مات أحدكم فلا تحبسوه ، وأسرعوا به إلى قبره (14) وقال أيضا أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة تقدمونها إليه ، وإن تك شرا تضعونه عن رقابكم (15) وأما الإسراع بإكرام الضيف فلقوله تعالى في حق سيدنا إبراهيم عليه السلام وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (16) وأما الإسراع في التوبة من الذنب فعن رسول الله انه قال : إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ أو المسئ فان ندم واستغفر منها ألقاها وإلا كتبت واحدة (17) ومن ذلك يجب على الإنسان أن لا يكون من المتسوفين لأن التسويف شعار الشيطان يلقيه في قلوب المؤمنين . وإن أكثر صياح أهل النار من التسويف .
أما الفرق بين العجلة والسرعة، فإن العجلة : على الأكثر تستعمل في الحركات الجسمانية التي تتوالى، وأكثر ما تجيء في موضع الذم، فإنك تقول للرجل : عجلت علي .
وأما السرعة : فإنها من الألفاظ المحمودة ، وأكثر ما تجيء في الحركات غير الجسمانية ، وذاك أنك تقول فلان سريع الأخذ للعلم، وقد أسرع في الأمر وأسرع في الجواب، قوله تعالى : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض .(18)
والتواني : غير التأني لأن التواني هو الكسل وتضييع الحزم وعدم القيام على مصالح النفس وترك التسبب والاحتراف والإحالة على المقادير، وهذا من أقبح الأفعال.
أما التأني : فإنه خلاف التواني، وهو الرفق ورفض العجلة والنظر في العواقب.
وأن الله جواد لا يبخل، وصدوق لا يكذب، ووفي لا يغدر، وحليم لا يعجل، وعدل لا يظلم. وقد أمرنا بالجود، ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق، ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم، ونهانا عن العجلة، وأمرنا بالعدل، ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالوفاء، ونهانا عن الغدر. فلم يأمرنا إلا بما اختار لنفسه، ولم يزجرنا إلا عما لم يرضه لنفسه.
وقال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالبكرم الله وجهه : من استطاع أن يمنع نفسه أربعة خصال فهو خليق بأن لا ينزل به من المكروه ما ينزل بغيره: اللجاجة والعجلة والعجب والتواني، فثمرة اللجاجة الحيرة ،وثمرة العجلة الندامة ،وثمرة العجب البغضة ،وثمرة التواني الذلة .(19)
كذلك قالوا : الصدق أفضل من الكذب إلا في السعاية، والعزة أفضل من الذل إلا في الاعتداء، والأناة أنجح من العجلة إلا في التقوى، والشجاعة أفضل من الجبن إلا في أمر الله عز وجل، والأمن أفضل من الخوف إلا من مكر الله عز وجل، والراحة أفضل من التعب إلا في طاعة الله عز وجل، والحلم أفضل من الجهل إلا عن من يعصي الله عز وجل، والجود أفضل من البخل إلا في بذل الدين والعِرض .

 
المصادر:
1- الإسراء : 11
2- الزواجر عن اقتراف الكبائر – ج1ص163
3- الحجرات : 6
4- كنز العمال للسرهندي – ج7ص524
5- المقاصد الحسنة للسخاوي – ج1ص64
6- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي - ج4ص304
7- المسند الجامع لأبي المعاطي النوري – ج13ص266
8- طه : 84
9- كشف الخفاء للهجويري – ج1ص295
10- بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية – ج3ص61
11- عيون أخبار الرضا عليه السلام – ج1ص289
12- تفسير اطفيش – ج11ص223
13- تفسير حقي البروسوي – ج2ص104
14- شعب الإيمان للبيهقي – ج19ص287
15- الأوسط لابن المنذر - ج9ص191
16- هود : 69
17- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي - ج4ص447
18- آل عمران : 133
  19- محاضرات الأدباء للأصفهاني - ج2ص136


تأريخ النشر : 7 - 4 - 20016
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة