الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
سؤال حول ( وحدة الوجود والحلول والاتحاد )

السائل : عامر محمد الحيالي القادري
البلد : العراق – الموصل
السؤال :
نظرية وحدة الوجود ما تقولون فيها وما مدى تأثيرها على العقيدة وهل ورد عن النبي صلى الله تعالى عليه و سلمما يلوح لها ؟

الجواب :
« إن من أهم ما يتحامل به المغرضون على السادة الصوفية اتهامهم جهلا وزورا بأنهم يقولون بالحلول والاتحاد , بمعنى إن الله سبحانه وتعالى قد حل في جميع أجزاء الكون , في البحار والجبال والصخور والأشجار والإنسان والحيوان ... الخ , أو بمعنى أن المخلوق عين الخالق , فكل الموجودات المحسوسة والمشاهدة في هذا الكون هي ذات الله تعالى وعينه . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . ولا شك أن هذا القول كفر صريح يخالف عقائد الأمة . وما كان للصوفية وهم المتحققون بالإسلام والأيمان والإحسان إن ينزلقوا إلى هذا الدرك من الضلال والكفر , وما ينبغي لمؤمن منصف إن يرميهم بهذا الكفر جزافا دون تمحيص أو تثبت , ومن غير أن يفهم مرادهم , ويطلع على عقائدهم الحقة التي ذكروها صريحة واضحة في أمهات كتبهم , كالفتوحات المكية , وإحياء علوم الدين والرسالة القشيرية وغيرها ... ولعل بعض المغرضين المتحاملين على الصوفية يقولون : إن هذا القول بتبرئة السادة الصوفية من فكرة الحلول والاتحاد إنما هو تهرب من الواقع أو دفاع مغرض عن الصوفية بدافع التعصب والهوى , فهلا تأتون بدليل من كلامهم يبريء ساحتهم من هذه التهم ؟ !. فلبيان الحقيقة الناصعة نورد نبذا من كلام السادة الصوفية تثبت براءتهم مما اتهموا به من القول بالحلول والاتحاد , وتحذيرهم الناس من الوقوع في هذه العقيدة الزائغة , وتظهر بوضوح أن ما نسب إليهم من أقوال تفيد الحلول أو الاتحاد أو مدسوسة عليهم , أو مؤولة(1) بما يلائم هذه النصوص الصريحة التالية والموافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة . يقول الشعراني رحمه الله تعالى : ( ولعمري إذا كان عباد الأوثان لم يتجرؤا على إن يجعلوا آلهتهم عين الله , بل قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى , فكيف يظن بأولياء الله تعالى أنهم يدعون الاتحاد بالحق على حد ما تتعلقه العقول الضعيفة ؟ هذا كالمحال في حقهم رضي الله تعالى عنهم . إذ ما من ولي إلا وهو يعلم إن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق , لان الله بكل شيء محيط )(2).
والحلول والاتحاد لا يكون إلا بالأجناس , والله تعالى ليس بجنس حتى يحل بالأجناس , وكيف يحل القديم في الحادث , والخالق والمخلوق ؟ إن كان حلول عرض في جوهر الله تعالى ليس عرضا , وإن كان حلول جوهر في جوهر فليس الله تعالى جوهرا , وبما أن الحلول والاتحاد بين المخلوقات محال , إذ لا يمكن أن يصير رجلان رجلا واحدا لتباينهما في ألذات , فالتباين بين الخالق والمخلوق وبين الصانع والصنعة , وبين الواجب الوجود والممكن الحادث أعظم وأولى لتباين الحقيقتين . وما زال العلماء , ومحققو الصوفية يبينون بطلان القول بالحلول والاتحاد , وينبهون على فساده , ويحذرون من ضلاله . قال الشيخ محي الدين ابن عربي رحمه الله تعالى في عقيدته الصغرى :  تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها (3).
وقال في عقيدته الوسطى : ( اعلم أن الله تعالى واحد بالإجماع , ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء أو يحل هو في شيء أو يتحد في شيء )(4). وقال في باب الأسرار : ( لا يجوز لعارف أن يقول : أنا الله , ولو بلغ أقصى درجات القرب , وحاشا العارف من هذا القول حاشاه , إنما يقول : أنا العبد الذليل في المسير والمقيل )(5).
وقال في الباب التاسع والستين ومائة : ( القديم لا يكون قط محلا للحوادث , ولا يكون حالا في المحدث )(6).
وقال في باب الأسرار : ( من قال بالحلول فهو معلول , فان القول بالحلول مرض لا يزول , وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد , كما إن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول ) (7).
وقال في باب الأسرار أيضا : ( الحادث لا يخلوا عن الحوادث , ولو حل بالحادث القديم لصح قول أهل التجسيم , فالقديم لا يحل ولا يكون محلا )(8).
وقال في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة بعد كلام طويل : ( وهذا يدلك على إن العالم ما هو عين الحق , ولا حل فيه الحق , إذ لو كان عين الحق أو حل فيه لما كان تعالى قديما ولا بديعا )(9).
وقال في الباب الرابع عشر وثلاثمائة : ( لو صح إن يرقى الإنسان عن إنسانيته والملك عن ملكيته , ويتحد بخالقه تعالى , لصح انقلاب الحقائق وخرج الإله عن كونه إلها , وصار الحق خلقا والخلق حقا , وما وثق احد بعلم وصار المحال واجبا , فلا سبيل إلى قلب الحقائق أبدا )(10).
وكذلك جاء في شعره ما ينفي الحلول والاتحاد كقوله :
ودع مقالة قوم قال عالمهم
                     بأنه  بالإله    الواحد    اتحدا
الاتحاد  محال  لا يقول  به
                    إلا جهول به عن عقله  شردا
وعن حقيقته وعن شريعته
                      فاعبد إلهك لا تشرك به أحدا
وقال أيضاً في الباب الثاني والتسعين ومائتين : ( من أعظم دليل على نفي الحلول والاتحاد الذي يتوهمه بعضهم أن تعلم عقلا أن القمر ليس فيه من نور الشمس شيء , وان الشمس ما انتقلت إليه بذاتها , وإنما كان القمر محلا لها , فكذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه ) (11).
قال صاحب كتاب نهج الرشاد في الرد على أهل الوحدة والحلول والاتحاد ( حدثني الشيخ كمال الدين المراغي قال : اجتمعت بالشيخ أبي العباس المرسى تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن الشاذلي – وفاوضته في هؤلاء الاتحادية فوجدته شديد الإنكار عليهم والنهي عن طريقهم , وقال : أتكون الصنعة هي عين الصانع ؟ )(12).
وإما ما ورد من كلام السادة الصوفية في كتبهم مما يفيد ظاهره الحلول والاتحاد فهو إما مدسوس عليهم بدليل ما سبق من صريح كلامهم في نفي هذه العقيدة الضالة , وإما أنهم لم يقصدوا به القول بهذه الفكرة الخبيثة والنحلة الدخيلة , ولكن المغرضين حملوا المتشابه من كلامهم على هذا الفهم الخاطيء ورموهم بالزندقة والكفر . أما الراسخون في العلم والمدققون المنصفون من العلماء فقد فهموا كلامهم على معناه الصحيح الموافق لعقيدة أهل السنة والجماعة , وأدركوا تأويله بما يناسب ما عرف عن الصوفية من إيمان وتقوى . قال العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الحاوي للفتاوى : ( واعلم انه وقع في عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد , إشارة منهم إلى حقيقة التوحيد فأن الاتحاد عندهم هو المبالغة في التوحيد . والتوحيد معرفة الواحد الأحد فاشتبه ذلك على من لا يفهم إشاراتهم فحملوه على غير محمله , فغلطوا وهلكوا بذلك ... إلى أن قال : فإذن اصل الاتحاد باطل محال مردود شرعا وعرفا بإجماع الأنبياء ومشايخ الصوفية وسائر العلماء والمسلمين , وليس هذا مذهب الصوفية وإنما قاله طائفة غلاة لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعالى فشابهوا بهذا القول النصارى الذين قالوا في عيسى عليه السلام : اتحد ناسوته بلاهوته . وأما من حفظه الله تعالى بالعناية فإنهم لم يعتقدوا اتحاد ولا حلول وان وقع منهم لفظ الاتحاد فإنما يريدون به محو أنفسهم واثبات الحق سبحانه . قال وقد يذكر الاتحاد بمعنى فناء المخالفات وبقاء الموافقات وفناء حظوظ النفس من الدنيا وبقاء الرغبة في الآخرة , وفناء الأوصاف الذميمة وبقاء الأوصاف الحميدة وفناء الشك وبقاء اليقين وفناء الغفلة وبقاء الذكر . قال : وإما قول أبي يزيد البسطامي رحمه الله تعالى : سبحاني ما أعظم شأني  فهو في معرض الحكاية عن الله وكذلك قول من قال : ( أنا الحق ) محمول على الحكاية , ولا يظن بهؤلاء العارفين الحلول والاتحاد لان ذلك غير مظنون بعاقل فضلا عن المتميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات ولا يظن بالعقلاء المتميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهدة وحفظ حدود الشرع الغلط بالحلول والاتحاد كما غلط النصارى في ظنهم في حق عيسى عليه السلام . وإنما حدث ذلك في الإسلام من واقعات جهلة المتصوفة , وإما العلماء العارفون المحققون فحاشاهم من ذلك ... إلى أن قال : والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك فيطلق على المعنى المذموم الذي هو أخو الحلول وهو كفر . ويطلق على مقام الفناء اصطلاحا اصطلح عليه الصوفية ولا مشاحة في الاصطلاح , إذ لا يمنع احد من استعمال لفظ في معنى صحيح , لا محذور فيه شرعا , ولو كان ذلك ممنوعا لم يجز لأحد إن يتفوه بلفظ الاتحاد , وأنت تقول : بيني وبين صاحبي زيد إتحاد . وكم استعمل المحدثون والفقهاء والنحاة وغيرهم لفظ الاتحاد في معان حديثية وفقهية ونحوية . كقول المحدثين : اتحد مخرج الحديث .
وقول الفقهاء : اتحد نوع الماشية . وقول النحاة : اتحد العامل لفظا أو معنى .
وحيث وقع لفظ الاتحاد من محققي الصوفية . فإنما يريدون به معنى الفناء الذي هو محو النفس واثبات الأمر كله لله سبحانه لا ذلك المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد . وقد أشار إلى ذلك سيدي علي بن وفا , فقال من قصيدة له :
يظنون بي حلولا واتحادا
                  وقلبي من سوى التوحيد خالي

فتبرأ من الاتحاد بمعنى الحلول . وقال في أبيات أخر :
وعلمك أن كل الأمر أمري
                     هو المعنى  المسمى  باتحاد
فذكر أن المعنى الذي يريدونه بالاتحاد إذا أطلقوه هو تسليم الأمر كله لله , وترك الإرادة معه والاختيار , والجري على واقع أقداره من غير اعتراض وترك نسبة شيء ما إلى غيره ) (13) .
ونقل الشعراني عن سيدي علي بن وفا رحمهما الله تعالى قوله : ( المراد بالاتحاد حيث جاء في كلام القوم فناء العبد في مراد الحق تعالى , كما يقال : بين فلان وفلان اتحاد , إذا عمل كل منهما بمراد صاحبه , ثم انشد :
وعلمك إن كل الأمر أمري
                    هو المعنى المسمى باتحاد  ) (14).
وقال العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين شرح منازل السائرين : ( الدرجة الثالثة من درجات الفناء : فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين , وهو الفناء عن إرادة السوى , شائما برق الفناء عن إرادة ما سواه , سالكا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه , فانيا بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه فضلا عن إرادة غيره , قد اتحد مراده بمراد محبوبه اعني المراد الديني الأمري , لا المراد الكوني القدري , فصار المرادان واحدا ... ثم قال : وليس في العقل اتحاد صحيح إلا هذا الاتحاد في العلم والخبر , فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدا مع تباين الارادتين والعلمين والخبرين , فغاية المحبة اتحاد مراد المحب بمراد المحبوب وفناء إرادة المحب في مراد المحبوب . فهذا الاتحاد والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفنائهم , قد فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه , وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه . ومن تحقق بهذا الفناء لا يحب إلا في الله , ولا يبغض إلا فيه ولا يوالي إلا فيه ولا يعادي إلا فيه ولا يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله ولا يرجو إلا إياه , ولا يستعين إلا به , فيكون دينه كله ظاهرا وباطنا لله , ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما , فلا يوأد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه , بل :
 يعادي الذي عادى من الناس كلهم
                        جميعا ولو كان الحبيب المصافيا

وحقيقة ذلك فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه تعالى وحقوقه , والجامع لهذا كله تحقيق شهادة إن لا اله إلا الله علما ومعرفة وعملا وحالا وقصدا , وحقيقة هذا النفي والإثبات الذي تضمنته هذه الشهادة هو الفناء والبقاء , فيفنى عن تأله ما سواه علما وإقرارا وتعبدا , ويبقى بتألهه وحده , فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحيد الذي اتفقت عليه المرسلون صلوات الله عليهم وأنزلت به الكتب وخلقت لأجله الخليقة , وشرعت له الشرائع , وقامت عليه سوق الجنة , وأسس عليه الخلق والأمر ... إلى أن قال : وهذا الموضع مما غلط فيه كثيرا من أصحاب الإرادة . والمعصوم من عصمة الله وبالله المستعان والتوفيق والعصمة )(15).
وقال في موضع أخر : ( وان كان مشمرا للفناء العالي , وهو الفناء عن إرادة السوى , لم يبقى في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني , بل يتحد المرادان , فيصير عين مراد الرب تعالى هو عين مراد العبد , وهذا حقيقة المحبة الخالصة , وفيها يكون الاتحاد الصحيح , وهو الاتحاد في المراد , لا في المريد ولا في الإرادة )(16) .
ورغم أن ابن تيمية مخاصم للسادة الصوفية وشديد العداوة لهم , فانه يبرىء ساحتهم من تهمة القول بالاتحاد و ويؤول كلامهم تأويلا صحيحا سليما . أما تبرئته لساحتهم فقد قال في فتاويه : ( ليس احد من أهل المعرفة بالله يعتقد حلول الرب تعالى به أو بغيره من المخلوقات ولا اتحاده به , وان سمع شيء من ذلك منقول عن بعض أكابر الشيوخ فكثير منه مكذوب اختلقه الافاكون من الاتحادية المباحية الذين أضلهم الشيطان وألحقهم بالطائفة النصرانية )(17).
وقال أيضاً : ( كل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات . وليس في مخلوقاته شيء من ذاته , ولا في ذاته شيء من مخلوقاته , وانه يجب أفراد القديم عن الحادث وتمييز الخالق عن المخلوق , وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا )(18).
وأما تأويله لكلامهم فقد قال في مجموعة رسائله : ( وأما قول الشاعر في شعره :
أنا من أهوى
                       ومن أهوى أنا

فهذا إنما أراد الشاعر الاتحاد المعنوي كاتحاد احد المحبين بالآخر الذي يحب احدهما ما يحب الآخر ويبغض ما يبغضه , ويقول مثل ما يقول ويفعل مثل ما يفعل , وهذا تشابه وتماثل , لا اتحاد العين بالعين , إذا كان قد استغرق في محبوبه حتى فنى به عن رؤية نفسه كقول الآخر :
غبت بك عني
                      فظننت انك أني

فهذه الموافقة هي الاتحاد السائغ )(19).
من هذه النصوص المتعددة تبين لنا أن كل ما ورد في كلام السادة الصوفية من كلمة اتحاد إنما يراد بها هذا الفهم السليم الذي يوافق عقيدة أهل السنة والجماعة . ولا يصح أن نحمل كلامهم على معان تخالف ما صرحوا به من تبنيهم لعقيدة أهل السنة والجماعة . وما على المنصف إلا أن يحسن الظن بالمؤمنين ويؤول كلامهم على معنى شرعي مستقيم(20).
وحدة الوجود :
اختلف علماء النظر في موقفهم من العارفين المحققين القائلين بوحدة الوجود , فمنهم من تسرع باتهامهم بالكفر والضلال , وفهم كلامهم على غير المراد . ومنهم من لم يتورط بالتهجم عليهم فتثبت في الأمر ورجع إليهم ليعرف مرادهم , لان هؤلاء العارفين مع توسعهم في هذه المسألة لم يبحثوا فيها بحثا يزيل إشكال علماء النظر , لأنهم تكلموا في ذلك ودونوا لأنفسهم وتلاميذهم لا لمن لم يشهد تلك الوحدة من غيرهم . لذلك احتاج الأمر للإيضاح لتطمئن به قلوب أهل التسليم من علماء النظر . ومن العلماء الذين حققوا في هذه المسألة وفهموا المراد منها السيد مصطفى كمال الشريف , حيث قال : ( الوجود واحد لأنه صفة ذاتية للحق سبحانه وتعالى , وهو واجب فلا يصح تعدده , والموجود هو الممكن وهو العالم فصح تعدده باعتبار حقائقه . وقيامه إنما هو بذلك الوجود الواجب لذاته , فإذا زال بقي الوجود كما هو , فالموجود غير الوجود فلا يصح أن يقال الوجود اثنان : وجود قديم ووجود حادث , إلا إن يراد بالوجود الثاني الموجود من إطلاق المصدر على المفعول . فعلى هذا لا يترتب شيء من المحاذير التي ذكرها أهل النظر على وحدة الوجود القائل بها أهل التحقيق ... إلى إن قال : الحس لا يرى إلا الهياكل أي الموجود , الروح لا تشهد إلا الوجود , وإذا شهدت الموجود فلا تشهده إلا ثانيا , على حد من قال : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله . وأراد بهذه الرؤية الشهود لا رؤية البصر , لان الرؤية من خصائص البصر , والشهود من خصائص البصيرة لذلك ورد : اشهد أن لا إله إلا الله , ولم يرد أرى , بل ولا يصح أن يقال : أرى )(21).
وهكذا شأن العلماء المنصفين يغارون على الشريعة الغراء ويتثبتون في الأمور دون أن يتسرعوا بتكفير احد من المؤمنين ويرجعون في فهم كل حقيقة إلى أهل الاختصاص بها .
ونظرا لان مسألة وحدة الوجود أخذت حظا كبيرا من اهتمام بعض العلماء وشغلت أذهان الكثير منهم وأردنا أن نزيد الموضوع إيضاحا وتبسيطا خدمة للشريعة وتنويرا للإفهام فنقول : إن الوجود نوعان : وجود قديم أزلي وهو واجب , وهو الحق سبحانه وتعالى قال تعالى :  ذلك بان الله هو الحق (22) إي الثابت الوجود المحقق .
ووجود جائز عرضي ممكن , وهو وجود من عداه من المحدثات
وان القول بوحدة الوجود , وان الوجود واحد هو الحق تعالى يحتمل معنيين : احدهما حق , والثاني كفر , ولهذا فالقائلون بوحدة الوجود فريقان :
الفريق الأول : أرادوا به اتحاد الحق بالخلق وانه لا شيء في هذا الوجود سوى الحق , وان الكل هو , وانه هو الكل , وانه عين الأشياء , وفي كل شيء له آية تدل على انه عينه ... فقوله هذا كفر وزندقة واشد ضلالة من أباطيل اليهود والنصارى وعبدة الأوثان .
وقد شدد الصوفية النكير على قائله فأفتوا بكفره , وحذروا الناس من مجالسته .
قال العارف بالله أبو بكر محمد بناني رحمه الله تعالى : ( فاحذر يا أخي كل الحذر من الجلوس مع من يقول ما ثم إلا الله ويسترسل مع الهوى فان ذلك الزندقة المحضة إذ العارف المحقق وضح قدما في الشريعة ورسخ في الحقيقة وتفوه بقوله : ما ثم إلا الله , لم يكن قصده من هذه العبارة إسقاط الشرائع وإهمال التكاليف , حاشا لله أن يكون هذا قصده )(23).
الفريق الثاني : قالوا ببطلان وكفر ما ذكر , من أن الخالق عين المخلوق , وإنما أرادوا بوحدة الوجود وحدة الوجود القديم الأزلي وهو الحق سبحانه فهو لا شك واحد منزه عن التعدد . ولم يقصدوا بكلامهم الوجود العرضي المتعدد وهو الكون الحادث نظرا لان وجوده مجازي وفي أصله عدمي لا يضر ولا ينفع . فالكون معدوم في نفسه , هالك فان في كل لحظة .
قال تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه (24) وإنما يظهره الإيجاد , ويثبته الإمداد . الكائنات ثابتة بإثباته . وممحوة بأحدية ذاته , وإنما سر القيومية فيه . وهؤلاء

قسمان :
1- قسم اخذ هذا الفهم بالاعتقاد والبرهان , ثم بالذوق والعيان وغلب عليه الشهود فاستغرق في لجج بحار التوحيد ففني عن نفسه فضلا عن شهود غيره مع استقامته على شرع الله تعالى وهذا قوله حق .
2 - وقسم ظن إن ذلك علم لفظي فتوغل في تلاوة عباراته وتمسك بظواهر إشاراته و وغاب في شهودها عن شهود الحق فربما هانت الشريعة في عينيه لما يلتذ به من حلاوة تلك الألفاظ فيقع على أم رأسه ويتكلم بما ظاهره إن الشريعة في جهة يختص بها أهل الغفلة , والحقيقة في جهة أخرى يختص بها أهل العرفان , ولعمري إن هذا لهو عين الزور والبهتان , وما ثم إلا شريعة ومقام إحسان .
وعلى كل فالأولى بالصوفي في هذا الزمان أن يبتعد عن الألفاظ والتعبير التي فيها أيهام أو غموض أو اشتباه(25), لئلا يوقع الناس بسوء الظن به أو تأويل كلامه على غير ما يقصده ولأن كثيرا من الزنادقة والدخلاء على الصوفية قد تكلموا بمثل هذه العبارات الموهمة والألفاظ المتشابهة ليظهروا ما يكنونه في قلوبهم من عقائد فاسدة , وليصلوا بذلك إلى إباحة المحرمات , وليبرروا ما يقعون فيه من المنكرات والفواحش فاختلط الحق بالباطل , واخذ المؤمن الصادق بجريرة الفاسق المنحرف .
لهذا سيج الصوفية بواطنهم وظواهرهم بالشريعة الغراء , وأوصوا تلاميذهم بالتمسك بها قولا وعملا وحالا , فهي عندهم باب الدخول وسلم الوصول ومن حاد عنها من الهالكين وقد مر بك كلام الصوفية في التمسك بالشريعة فارجع إليه في هذا الكتاب(26).
وختاما نقول : إن تلك النقول عن العلماء والأعلام وعن الصوفية أنفسهم تكشف للقاريء الكريم إن الصوفية مبرؤون مما نسب إليهم من القول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود , وان كلامهم مؤول على وجه شرعي , وموافق لما عليه أهل السنة والجماعة من العقيدة الصحيحة السليمة وإنهم ما نالوا هذه المواهب العرفانية إلا بالتمسك بالكتاب والسنة , وإنهم حقيقة رجال السلف الصالح رضي الله عنهم الذين تمسكوا بهدى رسول الله   فأفلحوا وتحققوا بالأتباع الكامل له  فنالوا الرضا من الله تعالى وفازوا بسعادة الدارين : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا(27) »(28). 
الهوامش :
[1] - أنظر: موضوعي : الدس ص 339 والتأويل ص 355 في كتاب حقائق عن التصوف – عبدالقادرعيسى .   
[2] - اليواقيت والجواهر – ج 1 ص 83 
[3]  - الفتوحات المكية للشيخ الاكبر محي الدين بن عربي , كما ورد في اليواقيت والجواهر – ج1 – ص 80 – 81 .
[4] - الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي , كما ورد في اليواقيت والجواهر ج1 – ص 80 -81 .
[5] - الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي , كما ورد في اليواقيت والجواهر ج1 – ص 80 -81 .
[6] - الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي , كما ورد في اليواقيت والجواهر ج1 – ص 80 -81 .
[7] - الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي , كما ورد في اليواقيت والجواهر ج1 – ص 80 -81 .
[8] - الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي , كما ورد في اليواقيت والجواهر ج1 – ص 80 -81 .
[9] - الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي , كما ورد في اليواقيت والجواهر ج1 – ص 80 -81 .
[10] - الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي , كما ورد في اليواقيت والجواهر ج1 – ص 80 -81 .
[11] - الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي , كما ورد في اليواقيت والجواهر ج1 – ص 80 -81 .
[12] - الحاوي للفتاوى في الفقه وعلوم التفسير للعلامة جلال الدين السيوطي – ج1 – ص 134 .
[13] - الحاوي للفتاوى في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو والإعراب وسائر الفنون للعلامة جلال الدين السيوطي صاحب التأليف الكثيرة المتوفي سنة 911 هـ .ج2 – ص 134 .
[14] - اليواقيت والجواهر للشعراني ج1 ص 83 .
[15] - مدارج السالكين شرح منازل السائرين ج1 – ص90 – ص91 للعلامة الشهير ابن قيم الجوزية المتوفي سنة 751 هـ
[16] - مدارج السالكين شرح منازل السائرين ج1 – ص90 – ص91 للعلامة الشهير ابن قيم الجوزية المتوفي سنة 751 هـ
[17] - مجموعة فتاوى ابن تيمية قسم التصوف ج 11 – ص 74 – ص75 .
[18] - مجموعة فتاوى ابن تيمية قسم السلوك ج 10 ص 223 .
[19] - مجموعة رسائل ابن تيمية ص52 .
[20] - انظر بحث تأويل كلام السادة الصوفية  ص 516 .
[21] - رسالة وحدة الوجود للعلامة مصطفى كمال الشريف – ص 27 – 28 .
[22] - سورة الحج آية 22 .
[23] - مدا رج السالكين إلى ملك الملوك للعارف الكبير محمد بناني المتوفي سنة 1284 هـ .
[24] - سورة القصص آية 88 .
[25] - انظر بحث بين الحقيقة والشريعة ص 324 من هذا الكتاب 
[26] - إما من ثبت من كلام إعلام الصوفية مما فيه غموض أو اشتباه فمرده احد سببين - أ – إما لأنهم التزموا اصطلاحات ورموزا وإشارات لا يفهمها غيرهم كما اشرنا إلى ذلك في بحث التأويل . ب – وإما لأنهم بها في حالات الغلبة والشطح . ولذاك لا يجوز لمن لم يذق مذاقهم ولم يبلغ مراتبهم إن يقلدهم في هذه العبارات ويتشدق بها إمام الناس .
[27] - سورة النساء آية -69 .
[28] - عبد القادر عيسى – حقائق عن التصوف ص 372 – 384 .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: إبراهيم التجاني      البلد: ليبيا . برقن       التاريخ: 08-09-2012
بارك الله فيكم وزادكم الله علما وحزما وجعلكم دائما ممن يذوذون عن حمى الحق

الاسم: زائر      البلد: اليمن       التاريخ: 20-04-2016
طيب هناك ردود من ابن تيميه على ابن عربي فما هو جوابكم عنها?
الأخ زائر السلام عليكم ورحمة الله: رد ابن تيمية انه برأ أهل التصوف من الحلول والاتحاد إلا انه أوقع أبن عربي بهما وهذا لا يمكن لأحد من مثل ابن عربي أن يقع فيهما وهو يعرف أكثر من غيره عن تنزيه الذات لابن عربي فهو من كبار الأولياء الم يقع ابن تيمية في خطأ التجسيم ؟.


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة