الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
حوار الروحانيات (55 - 68)

جمانة طه/جامعة دمشق (سورية)
إن انتهاج مبدأ الغيرية وأسلوب الاهتمام بالآخر والنظر إليه، يسهم في إعادة العلاقات الاجتماعية إلى سدة السلامة وفي تجذير المحبة داخل النفوس البشرية لخلق عالم إنساني جميل. ولا نبالغ إذا قلنا إن محبة الآخر والحوار والتواصل تخلق في النفس قوة سحرية، وإنها تساعدنا على مواجهة تحديات الحياة وتحمل مشاقها واجتياز مصاعبها. أليس الحوار هو الهادي لنا في استكشاف فضاءات إنسانية من الرهافة والصداقة والأخوة ؟
لا شك في أن التطور البشري والتقدم الإنساني هما نتيجة تراكم معرفي تراثي وثقافي وعلمي، أسهم فيه العرب بقسط وافر وبناء حين كانوا في مرحلة سابقة سدنة العلم والثقافة والحضارة. وإذا كان العالم اليوم يعيش آخر مراحل هذا التقدم وهي مرحلة العصرنة التقنية والتحديث العلمي، فهذا لا يعني أنه استطاع أن يتخلص من التشوهات النفسية والاجتماعية وأن يعيش براحة ومثالية. بل على العكس زادت تشوهاته وسقط في بؤرة المادية التي سلبت منه ألق الروح ورهافة الإحساس.
فالتشوهات أصابت إنسان الحضارة الحديثة في عمقه الإنساني حتى تحول أو كاد إلى مخلوق لا يفكر إلا بغرائزه ولا يرى من الحياة غير جوانبها المادية، مما أدى به إلى انتهاج أسلوب الحروب والدمار، فما إن يخرج من حرب حتى يدخل في أخرى. لذا نرى أن العالم من شرقه إلى غربه وعلى مختلف انتماءاته يعاني في هذه المرحلة من غياب القيم والأخلاق الإنسانية.
ونحن اليوم في العالم العربي أشد ما نكون حاجة إلى تمثل تراثنا الروحي واستنهاض المحبة في قلوبنا والحياة في أرواحنا. ولا سيما أن همجية الحروب المنظمة المزودة بالسلاح وبالإعلام وبالاقتصاد، تتناوشنا، تغزونا، وتحاول تخريب التراث وتهشيم الكبرياء وطمس الهوية والنيل من المعتقدات الدينية.
جاء في تاج العروس : الحوار في اللغة هو حديث يجري بين شخصين أو أكثر. والتحاور هو التجاوب، والحواريّ هو الحميم الناصح. ويمكن أن نضيف إلى هذه المعاني معنى آخر هو المعرفة، وذلك استدلالا من الحوار الذي بدأت الدعوة الإسلامية به، أي حوار جبريل مع النبي صلى الله تعالى عليه و سلم وقوله له : اقرأ. أما الروح، فهي جمع أرواح : ما به حياة الأنفس، يذكر ويؤنث. والنسبة روحاني. يقول الرسولصلى الله تعالى عليه و سلم : الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. (متفق عليه).
والروحية : تقابل المادية، وتقوم على إثبات الروح وسموها على المادة. والروحانيات تمثل نوعا من العلاج لمعاناة البشر وآلامهم، تقدم لهم الدفء وتشعرهم بالأنس والمودة. من هذه الترجمة البسيطة نخلص إلى أن الروح هي روح الخلق والحياة، وثمارها : "المحبة والفرح والسلام والأناة واللطف والصلاح والإيمان والوداعة والعفاف." 5 غلاطية : 22-23.
إن من يمعن النظر في ثمار الروح يستطيع أن يجملها بكلمة واحدة هي الجمال. فمن يملك روحا جميلة، وذاتا متحضرة لا بد أن تكون دواخله عامرة بالمحبة والإيثار والفرح والسلام واللطف والصلاح والعفاف. قد يتعذر على الباحث أن يحدد البدايات الأولى للحوار، لكن ليس من المتعذر عليه أن يتوصل إلى أن الحوار كقيمة إنسانية موجود بقوة في تراث الحضارات العالمية والديانات الوضعية. فبوذا على سبيل المثال، اتبع أسلوب المحاورة في نشر تعاليمه، وكان محبا للسلام ومتحمسا له. يدعو إلى ردّ السيئة بالحسنة والكراهية بالحب، وإلى إزالة الشر بالخير والتغلب على الغضب بالشفقة، ويزورُّ عن غلظة المعاملة ازورارا. وكان يرى أن النصر يولِّد المقت، لأن المهزوم في شقاء والكراهية لا تزول بكراهية مثلها، ولكنها تزول بالحب.1
وقد حض بوذا الإنسان على أن يحب كل كائن حي، حبا لا يرجو من ورائه غاية غير الحب. فإن هو فعل ذلك صار قريبا من نعيم النرفانا. والنرفانا هي حالة روحية تعني صفاء الروح واطمئنانها، تدعو إلى التخلي عن الغايات الشخصية التي تهبط بالحياة وتملؤها بالهم والشقاء. ولا يصل أحد إلى النرفانا إلا إذا انمحت ذاته من تفكيره. فكلما سار الإنسان خطوة في إنكار نفسه دنا منها، وكلما حصر تفكيره في نفسه بعد عنها. وكل ما في الحياة من ألوان الهم والشقاء مصدره الأنانية التي لا تشبع، وهذا العذاب الأليم الذي يشقى به الناس مرده إلى الأثرة الطامحة والشهوات الجامحة.2
وفي التراث المصري القديم، يوصي الحكيم بتاح حوتب ابنه بممارسة الحوار لما له من أهمية في التربية، فيقول : "إن الولد المطيع، عندما يتقدم في السن ويصل إلى درجة من الهيبة والاحترام، فإنه سيحاور أبناءه بنفس الطريقة التي تحاور فيها مع أبيه. والطفل الذي يحاور أهله، سيتحاور هو وأولاده". ويدعوه إلى أن يكون متواضعا ولا يتشاوف بمعارفه على الآخرين : "لا تدع قلبك يمتلىء عجبا وغرورا بسبب معارفك، خذ المشورة من الجاهل والحكيم على السواء. إن الكلام الطيب أكثر استتارا من الزمرد، ولكن يمكن العثور عليه مع الخادمات عند حجر الطاحون". في حين يوصي خيتي الثالث ابنه خيتي الرابع، بأن يكون رحيما كي يحبه الناس : "من الخير لك أن تكون رحيما. اجعل وكدك أن يقيم لك الناس تمثالا من الحب في قلوبهم. فإن فعلت فسيذكرون لك جميلك، ويدعون لك بالصحة وطول العمر".
في البداية وجد الإنسان صعوبة في اللقاء مع الآخرين، وفي معالجة القلق والخوف وإرساء قواعد سلامية تؤمن ديمومة التلاقي، خارج دائرة الصراع والتناحر ومنطق المحاذرة من الآخر للحفاظ على الذات. ومع الأيام أدرك أنه لا يستطيع أن يعيش بنفسه بعيدا عن غيره، أو بعيدا عن التواصل معه. وأدرك أيضا أن قضيته الكبرى تُختصر مع تشعباتها وتعقيداتها في مسألة واحدة:السلام. السلام مع الذات، والسلام مع الآخرين كشرط أساس للحصول على نوع من السعادة النسبية.
وإذا كانت الحضارة البشرية هي نتاج إبداع الإنسان، فإن المحبة الإنسانية هي خلاصة التعاليم الدينية. قال الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم : إن من عباد الله أناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله عز وجل.
فقال رجل: من هم، وما أعمالهم ؟
قال : قوم يتحابون بروح الله عز وجل من غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها بينهم. والله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس3.
فالمحبة باب مفتوح على الإنسانية، وحديقة مشرعة للآخر عامرة بالتعاطف والبذل والعناية والحدب. وهي إلى جانب ذلك قضية اجتماعية يمكنها أن تشكل قيمة تستطيع أن تخرق المشاعة المعاصرة.
إنّ وجود الحوار الروحي في تراثنا الحضاري الديني بأشكال وصور متعددة، يعطي الحق للمسيحيين والمسلمين باستدعاء هذا الإرث الحضاري وممارسته، ولا سيما في غمرة هذا التصدع الطارئ على المجتمعات، وفي هذه المرحلة الحرجة التي يمر فيها وطننا العربي المستهدف ترابا وديانة وثقافة وحضارة من الصهيونية وأعوانها.
فالدين المسيحي، رسالة تقوم في أساسها على القيم السامية وعلى محبة الإنسان. والدين الإسلامي يمتاز بخاصية التفتح على الكون ومن فيه وما فيه. الإنسان فيه مكرم وهو المركز (ولقد كرمنا بني آدم). دين يؤمن بالحوار ويعترف بالآخر ويترك له حرية العقيدة. جاء في القرآن: "لكلٍّ جعلنا منكم شِرعةً ومنهاجاً ولو شاء اللهُ لجعلكم أمةً واحدة..." المائدة 5 : 48. وقال الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم :نحن الأنبياء أخوة، ديننا واحد، وشرائعنا شتى.
فالإنجيل المقدس والقرآن الكريم كتابان حواريان بامتياز، والحوار فيهما مفتوح على جميع الاتجاهات ويشمل الناس أجمعين مؤمنين وغير مؤمنين. وقد ورد في القرآن حوار الأنبياء مع أقوامهم، والحوار مع أهل الكتاب، وحوار الله: مع الأنبياء، ومع إبليس، ومع الكافرين.
هذا إلى جانب وجود الكثير من الرؤى والأفكار فيهما، والتي تصلح لترميم العلاقة الإنسانية. ولا سيما أنهما أعطيا الآخر موقعا لا تغيره ازدحام المفاهيم، مادام هذا الآخر يتوسل الكلمة طريقا للحوار، والحقيقة سبيلا للمعرفة.
وهذا كله يؤكد أن الدين لا يدفعنا إلى الانزواء، بل يجعلنا متعاونين متفانين في خدمة الآخر. لأنّ الذات والآخر ليسا كيانين منفصلين، بل هما متلاحمان وكل واحد منهما يكمل الآخر بما يكفل للمجتمع سلاماً واستقراراً. وكلما كان الدين حيّا في قلوبنا استطعنا أن ننسلخ من طائفيتنا في سبيل تواصلنا مع الآخر وانفتاحنا على الإنساني، وتمكنا من إذابة الجليد بيننا وبين الذين يخالفوننا في العقيدة والرأي. والحوار هو أرقى مراحل تمثل التراث الروحي، لأنه يكبح جماح التطرف الديني والغلو الفكري، ويجعل الإنسان يتذكر أنَّه يوجد إلى جواره أخ له في الإنسانية والمواطنة، وإن اختلف عنه في العقيدة الدينية، وعليه أن يراه ويسمعه ويهتم به ويتواصل معه ويحترم فكره وعقيدته.
لم يتخذ الحوار في الديانتين المسيحية والإسلامية شكلا واحدا ثابتا، وإنما اتسعت آفاقه وتعددت أغراضه، واختلفت مواضيعه. فالرسولصلى الله تعالى عليه و سلم لم يترفع عن محاورة الناس على اختلاف مستواهم الاجتماعي والفكري ونوع عقيدتهم. واتسم حواره بالرفق والمحبة والتسامح واللين مع أهل الكتاب : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن . سورة العنكبوت 29 : 46.
ومع المشركين : لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك. آل عمران 3 : 159. والمسيح عليه السلام أيضا حاور تلاميذه ومريديه، مثلما حاور أعداءه والرافضين له، وعاملهم جميعا على قدم المساواة برحمة ومحبة، وطلب إليهم أن يرفق بعضهم ببعض. وقد توجه للناس جميعا مصححا لهم بعض المقولات القديمة : "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم، ومن يقول لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع، ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم." 5 متى : 21-22. ونبههم إلى قيمة وجودهم في الأرض وما لهم من دور فاعل في صلاح الكون وإعماره، قائلا لهم : "أنتم ملح الأرض. ولكن إن فسد الملح فبماذا يملح ؟ لا يصلح بعد لشيء إلا لأن يطرح خارجا ويداس من الناس. أنتم نور العالم. فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة." 5 متى : 12-16.
وحضهم على أن يتحلوا بالأخلاق الجيدة وبحسن التصرف وعدم إيذاء الآخرين بالكلمة أو بالموقف : "اسمعوا وافهموا. ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان." 15 متى : 10-11.
وفي هذا المجال يقول الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم :ألا أنبئكم بشر الناس ؟
قالوا بلى يا رسول الله.
قال صلى الله تعالى عليه و سلم: من لا يغفر الذنـب ولا يقيل العثرة. قال : ألا أنبئكم بشر من ذلك ؟
قالوا بلى يا رسول الله.
قال: من لا يؤمن شره ولا يرجى خيره. وقال صلى الله تعالى عليه و سلم: إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وأبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون المتشدقون المتفيهقون. وعندما سألوه من هم المتفيهقون قالصلى الله تعالى عليه و سلم: المتكبرون.
لقد أسست تعاليم المسيح عليه السلام وآيات القرآن وأحاديث الرسولصلى الله تعالى عليه و سلم، لعلاقة إنسانية سليمة تحث على نبذ العنف ومحاربة الظلم، وعلى عدم مبادلة الشر بالشر. يقول المسيح : "وسمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن، فحول له الآخر." 5 متى : 38-39.
وهذا ما قصد إليه القرآن الكريم في ذكره موقف هابيل من أخيه قابيل، وما قال له عندما أراد قتله: لئن بسطتَ إليَّ يدَك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين. سورة المائدة 5 : 28.
وعلى إعطاء السائل الفقير وعدم زجره، يقول المسيح عليه السلام : "ومن سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده"، 5 متى : 43.
ويقول القرآن الكريم : فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث. سورة الضحى 93 : 8. وعلى معاملة الآخرين المعاملة نفسها التي يريد الإنسان أن يعامله الآخرون بها، يقول المسيح : " فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم." 7 متى : 12. وأن يتغاضى عن السلبيات إن وجدت : " لماذا تنظر إلى القذى في عين أخيك. وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها." 7 متى : 2-3.
وفي حديث للرسول صلى الله تعالى عليه و سلم يقول : رأس العقل بعد الدين، التودد إلى الناس واصطناع الخير إلى كل بَرٍّ وفاجر. أخرجه البيهقي. ويقول في حديث آخر: "ثلاثة تحت ظل العرش يوم القيامة : رجل أحب لأخيه ما أحب لنفسه. ورجل بلغه أمر فلم يقدم فيه ولم يتأخر حتى يعلم أن ذلك الأمر لله رضي أو سخط. ورجل لم يعب أخاه بعيب حتى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنه كلما أصلح من نفسه عيبا بدا له منها آخر وكفى بالمرء في نفسه شغلا."
وقد دعا المسيح إلى محبة الإنسان أي إنسان سواء كان قريبا، أم غير ذلك: "وسمعتم أنه قيل لكم : أحبب قريبك وابغض عدوك، وأما أنا فأقـول لكم : أحبـوا أعداءكم باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم." 5 متى : 43-44 "لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأي أجر لكم ؟" 46. "وإن سلمتم على أخوتكم فقط فأي فضل تصنعون ؟ " 47.
وجوهر هذه الدعوة نجدها في العديد من أحاديث الرسـول صلى الله تعالى عليه و سلم، فهو يقول : المؤمن الذي يعاشر الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم "المؤمن آلف مألوف لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف." ويقول : "مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش." ويقول : "طوبى لمن حسن مع الناس خلقه وبذل لهم معونته وعدل عنهم شره." ويقول : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه." وأيضا : "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم."
ويشير المسيح عليه السلام إلى أن رحمة الله سوف تحل على الودعاء الذين يعاملون غيرهم برحمة وعطف، ويسعون إلى صنع السلام في الأرض، فيقول : "طوبى للرحماء لأنهم يرحمون. طوبى للأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله." 5 متى : 7-8. "طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض." 5 متى : 5. "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون." 5 متى : 9. في حين يؤكد الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم بأنَّ من لا يرحم الناس لن يشمله الله برحمته : "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله."
وأجمل تلخيص لمفهوم المحبة والغيرية هو الحديث الذي رواه أبو ذر الغفاري عن الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم، حيث يقول : "أوصاني خليلي رسول الله، بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم. وأمرني أن أنظر إلى من منهم دوني ولا أنظر إلى من هم فوقي. وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا. وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت. وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا. وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم. وأمرني أن أكثر من لا حـول ولا قوة إلا بالله، فإنهما من كنز تحت العرش."4
جاء الدين الإسلامي إلى المنطقة العربية وكان فيها دين توحيدي آخر هو الدين المسيحي، ومع ذلك لم نسمع عن أي صدام بينهما، فالرسول صلوات الله عليه احترم الديانة المسيحية ومن يؤمن بها، وبلَّغ أتباعه بموقف الوحي منها. ومثله فعل المسيحيون الذين كانوا في الجزيرة العربية وبلاد الشام، فلم يتعرضوا بأذى لا للمسلمين ولا للدين.
أما أول حوار بين المسلمين والمسيحيين، فكان عندما بعث الرسول بعدد من أصحابه إلى النجاشي النصراني ملك الحبشة. لقد وضع النبي ثقته بالنجاشي، لتيقنه من إيمانه والتزامه بتعاليم المسيح عليه السلام. لهذا اقترح على أصحابه بالهجرة إلى تلك البلاد، قائلاً لهم : "لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد".
ولم يخب الظن بالنجاشي الذي أحسن وفادة المسلمين وأمَّنَ جوارهم، ولم يلاقوا في أرضه ما يؤذيهم ولم يسمعوا فيها ما يكرهون. ومما يجدر ذكره أن الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم، لم يصلِّ صلاة الغائب إلا على النجاشي.
ويقودنا التاريخ إلى الوثيقة التي وضعها الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم في المدينة، وكانت بمثابة دستور لطبيعة العلاقات بين الإسلام وأتباع الديانات الأخرى. بحيث يعيش الجميع في المدينة كأمة واحدة تفدي كل طائفة عانيها بالمعروف، ويقوم القسط بين المؤمنين.
وأيضا إلى الصلح الذي عقده مع نصارى نجران، وجاء فيه : "ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد رسول الله، على أموالهم وأنفسهم وملتهم وبيعهم وغائبهم وشاهدهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يُغيَّر أسقف من أسقيفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته، ولا يحشرون ولا يطأ أرضهم جيش".
كما شدد على عدم ظلم أي معاهد سواء بتكليفه ما لا يستطيع أو بأخذ أشياءه قسرا، فقال : "من ظلم معاهدا أو تنقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا من غير طيب نفس، فأنا خصمه يوم القيامة."
وتجدر الإشارة إلى أن الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم تعهد لأتباع عيسى عليه السلام ولمن تنحل دينه في مشارق الأرض ومغاربها، بالحماية والأمن ووضعهم في ذمة الإسلام. ولهذا سموا بأهل الذمة، ونهى عن الإساءة إليهم وتوعد المسيء واعتبره ناكثاً لعهد الله، وقال : "هم في ذمتي وميثاقي وأماني من كل مكروه". وهذا الموقف النبيل مستمد من صلب الدين الإسلامي، الذي يحرم ولا سيما في أثناء الحرب قتل المرأة والطفل والرجل العجوز ومن لا يقاتل من الرجال، والقسيسين والرهبان. ويحرم حرق الأشجار المثمرة وتعذيب الأسير والتمثيل بجثة القتيل، لأنّ الأصل في كل هذا عدم إتلاف النفوس.
وإذا كان الإسلام قد شرع كغيره من الأديان والثقافات حق الدفاع عن النفس والمبدأ والوطن، وأعلى من شأن من يضحي في هذا السبيل المشروع، إلا أنه أظهر احتراما عاليا للحياة وحقوق الإنسان فيها، لقوله تعالى : "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" سورة المائدة، 32.
وعلى هذا الهدي سار الخلفاء الراشدون، فهاهو عمر بن الخطاب يقتص للشاب القبطي من أحد سادة العرب ويقول قولته الشهيرة : "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". وهاهو علي بن أبي طالب يؤكد على حرية الإنسان : "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا." ويعزز مفهوم الأخوة الإنسانية : "الناس صنفان : إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق". وبالتأكيد لا يمكن أن تتحقق هذه الأخوة ما لم يبدأ الإنسان بتهذيب نفسه وتنقية ضميره وتحسين علاقته ومعاملته مع الآخرين. وهذا ما قصد إليه الإمام علي بقوله : "احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك"، "خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا إليكم"، فهذه هي الطريق السليمة التي تجعل الإنسانية تزدهر إحسانا ومحبة وإيثارا.
أما موقفه من أتباع المسيح عليه السلام، فيقرره بقوله : "من آذى إنجيليا فقد آذاني، أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا".
لقد استمدت الانتفاضة الفكرية في العالمين العربي والغربي قوتها من حضارة المحبة التي أرستها الديانتان المسيحية والإسلامية، على الوحدة في التنوع وقبول الآخر، وعلى قواعد التضحية والتسامح وتقديم المساعدة والعون. ولكن أليس غريبا أن العالم اليوم رغم كل ما لديه من أدبيات دينية وأخلاقية روحانية، قد فقد كل أدوات التواصل ومفردات المحبة ومضامينها؟ وأن الإنسان الذي اخترع أجهزة الاتصال الجماهيري هو نفسه يعاني اليوم من انعدام التواصل ؟
لقد تغلبت قرقعة السلاح على همس الشرائع، عندما نسي مروجو الحروب الطامعون في خيرات الشعوب، الدين وتعاليمه ونسوا بذلك السلام ومعناه. فالحرب،كما يقول روسو : "ليست إلا حصيلة فساد البشر وتقهقرهم الأخلاقي. إنها المرض الفتاك الذي يجتاح الجسد السياسي والاجتماعي، فالحالة الصحية والطبيعية هي حالة السلام."
وهنا يبرز دور المفكرين والمثقفين المؤمنين بالمحبة سبيلا إلى الرخاء في السعي للقضاء على أسباب الحروب في مهدها. "فهناك حالات تفرض علينا واجب شراء السلام. ولو قمنا بعملية إحصائية لتكاليف الحرب ولعدد المواطنين الذين سينجون من الموت، يبدو السلام كأنه اشتري بسعر زهيد، مهما كان ثمنه. وعندما نفكر، بعد ذلك، في الأوجاع التي تفاديناها والممتلكات التي أنقذناها، لن نتأسف كثيرا على ثمن السلام الذي نكون قد دفعناه."5
لقد فقد الإنسان العربي الكثير من إنسانيته المفطور عليها، لأنه مقهور نفسيا ومبتز ماديا ومستلب فكريا. ينضاف إلى ذلك معاناته من التراجع الاقتصادي الذي وضعه بين فكي كماشة، وتركه يواجه عملية افتراس مستمرة في الداخل والخارج.
ولن ننسى التحديات الخارجية المستمرة التي تهدد كيان أمتنا، وتعرض مجتمعنا إلى تفسخ في نسيجه الإنساني.
ولا سبيل للرد على التحديات الخارجية ما لم نتمكن من الرد على التحديات الداخلية. فالتلاحم الوطني يؤسس لاستقرار وطني ويسمح للجميع بالتآلف والتفاهم والبذل والعطاء. وهذا هو السبيل الوحيد لتغليب قوى الخير والقيم الإنسانية على قوى الشر.
إن انتهاج مبدأ الغيرية وأسلوب الاهتمام بالآخر والنظر إليه، يسهم في إعادة العلاقات الاجتماعية إلى سدة السلامة وفي تجذير المحبة داخل النفوس البشرية لخلق عالم إنساني جميل. ولا نبالغ إذا قلنا إن محبة الآخر والحوار والتواصل تخلق في النفس قوة سحرية، وإنها تساعدنا على مواجهة تحديات الحياة وتحمل مشاقها واجتياز مصاعبها.
أليس الحوار هو الهادي لنا في استكشاف فضاءات إنسانية من الرهافة والصداقة والأخوة ؟ ولا أرى بأسا من استعادة بعض ما يقوله جبران خليل جبران في شأن المحبة والغيرية :
ليملأ كل واحد منكم كأس رفيقه، أعطوا من خبزكم لرفاقكم.
العمل يكون باطلا وبلا ثمر إن لم يقترن بالمحبة.
ماذا أقول في أولئك الذين لا ينظرون سوى ظلالهم ؟
إنّ صديقك هو كفاية حاجاتك. هو حقلك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر.
هو مائدتك وموقدك. لأنك تأتي إليه جائعا، وتسعى إليه مستدفئا.
الإنسانية نهر من النور. أنت أعمى وأنا أصم أبكم، إذن ضع يدك بيدي فيدرك أحدنا الآخر.
بعضنا كالحبر وبعضنا كالورق. فلولا سواد بعضنا لكان البياض أصم، ولولا بياض بعضنا لكان السواد أعمى.
ويقول جبران أيضا : ليس السخاء بأن تعطيني ما أنا بحاجة إليه أكثر منك، بل السخاء بأن تعطيني ما تحتاج إليه أكثر مني.
أخيرا أقول : دعونا أيها الأخوة ننادي بالمحبة ونصرخ بها، لعل صرختنا توقظنا مما نحن فيه من فرقة وبغضاء. منشدين مع الشاعر:
أيقظ شعـورك بالمحبة إن غفا
أحبب فيغدو الكوخ قصرا نيرا  لولا شـعور الناس كانوا كالدمى
أبغض فيمسي الكون سجنا مظلما 

الهوامش :
1- عن قصة الحضارة بتصرف : ج 3، ص 74.
2- البوذية ترسم خطة للسلوك في الحياة اليومية، قصة الأدب في العالم، ج1، ص 59.
3- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء للأصفهاني ،ج1، ص 5.
4- الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج 4، ص 229.
5- عن مقال للأب جورج حبيقة في جريدة النهار اللبنانية.

المصدر :موقع مجلة حوليات التراث.
http://annales.univ-mosta.dz/texte/ap04/07jumana.htm
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: عصام عوض أحمد سليمان الجيلاني      البلد: ليبيا       التاريخ: 08-06-2006
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لماسبق ناصر الحق بالحق والهادي الى سراطك المستقيم
انا العبد الفقير الى الله عصام نرجوامنكم الدعاء في مجمع الذكر بجاه الرسول عليه الصلاة والسلام بجاه القطب الغوث محي الدين عبد القادر الجيلاني

الاسم: احمد غديرى      البلد: مصر       التاريخ: 16-06-2007
حياكم الله على جهدكم ارجو ان تزيدونا من روحانيات الاسلام التى يغفلها غير المسلمين والتى بسببها اسلم الكثير من اهل الغرب وارجو ان تخاطبوا الغرب بروحانيات الاسلام العاليه مع الاعتزاز بعقيدتنا وبتوحيدنا لله المقصود دون غيره للحوائج والمعبود بحق والمتنزه عن الولد والشريك لااله الا هو عليه توكلنا واليه ملاذنا وعلى حبيبنا رسول الله الصلاة والسلام بما يليق به


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة