الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
عودة الوعي بقيمة تصاوير المخطوطات العربية الاسلامية

 أسعد عرابي /فنان تشكيلي وباحث في الفن العربي الاسلامي من اصل لبناني مقيم في باريس منذ العام 6791.
تراجعت النظرة الاستشراقية حول مفهوم الصورة في الفن العربي الاسلامي مع اطلالة القرن العشرين, وهي النظرة التي كانت لقرون تجد في المناظر الروحية والالوان الموسيقية الرهيفة تجديفاً فنياً يخالف ذوق مبادئ البرتي في عصر النهضة الايطالي، بخاصة ان بعض فناني المعاصرة الرواد من أمثال هنري ماتيس اخذوا ينهلون من نواظمه البصريةـ الصوتية، وذلك اثر تواتر معارض «المنمنمات» ورسوم المخطوطات بين لندن وباريس. ويقول هنري ماتيسفي في مذكراته عن هذه المعارض انها كانت بمثابة عودة الوعي اللوني بالنسبة إليه وان «الفن الاسلامي هو الوحيد الذي يقتصر في قوة التعبير على اللون واللون وحده». وهكذا نشأت «الوحشية» وتيارات «ما بعد الانطباعية» (مثل الانبياء وأطياف التعبيرية اللونية في ألمانيا والنمسا وبلجيكا). والواقع ان فضولية هذه الدهشة تعود الى القرن السابع من العهد المغولي ـ وذلك اثر الاكتشاف الاستعماري الهولندي لثقافة آسيا الوسطى.
وهكذا اصبح التصوير التشخيصي العربي الاسلامي في مركز تيارات المعاصرة والحداثة، مثله مثل الرولو الطاوي (الصيني) والاستامب الياباني ورسوم المخطوطات الهندوسية والاشارات «الشامانية». وصل هذا التأثير الى بول كلي وبابلو بيكاسو وسواهما، ولا زلنا نحن ورثته الشرعيين في غفلة عن مصداقيته، نضع رأسنا في رمال احابيس الحلال والحرام، ولا نستقي من ذاكرته التلفيقية سوى التعاويذ والحروف والطربوش والبابوج والدلاية والمشاهد الاطلالية الفولكلورية، التي تستدر النحيب المفتعل على الخواء والتصحر الثقافي الصوري.
لا شك في أن الهجمة الاستعمارية والصهيونية على التراث التصويري محقت القسم الاعظم من مخطوطاته المصورة، وزورت تاريخها. لنتخيل حجم الاخفاء من غياب اربعة قرون منها، ابتداء من منتصف القرن الثامن (بداية وصول الورق السمرقندي) وحتى اواخر القرن الثاني عشر، حتى لنكاد لا نعرف من هؤلاء سوى العباسي البغدادي محمود بن سعيد الواسطي، الذي تخصص في رسوم مقامات الحريري والمخطوطة بأكثر من مئة لوحة محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس، منجزة العام 1237 او 1238م. اي قبل اهلاك هولاكو لمكتبات بغداد بعشرين عاماً، عندما اغرق دجلة بلون مدادها قبل نقله ألفاً منها الى عاصمته سمرقند.
لم يبق من ذكر هؤلاء الا النزر اليسير ما بين مصر والشام على غرار المصري والجزري وابن دانيال. من المثير للأسف الغياب المطلق لرسوم هذه المخطوطات في المتاحف العربية ما خلا القليل منها في دار الكتب المصرية ومؤخراً في مقتنيات المتحف الاسلامي في الكويت وذلك رغم الاشارات المتواترة لهذه الصناعة وصنّاعها في الفترات الفاطمية المملوكية والايوبية من خلال معاجم السير والتواريخ.

تصوير المخطوطات في آسيا الوسطى 
علينا ان ننتظر قروناً عدة بعد زلزلة مكتبات بغداد حتى نشهد نهوض صناعة المخطوطات ورسومها في آسيا الوسطى المسلمة، اي ما يشمل اليوم خرائط ايران وجزءاً من العراق وافغانستان وباكستان واجزاء من اذربيجان وتركستان وصولاً حتى اناضول العثمانيين ما بين قونية واسطنبول.
وعلى رغم ان المصائب التترية ـ المغولية التي ابتليت بها محترفات هذه المناطق (بخاصة هيرات وتبريز) لا تقل تدميراً عن نظائرها في بغداد ودمشق فإن الهجمة الثقافية الاستعمارية كانت اخف وطأة مما عانته ذاكرة رسوم المشرق العربي، وهو ما يؤكده الازدهار النسبي في شيوع نماذجها في المتاحف والطباعات الزاهية.
واذا كان اسم الواسطي يمثل الاستثناء البغدادي الذي تسرب من مساحة التظليل والتقييم فإن شهرة بهزاد اليوم عالمياً لا تقارن به، على رغم ان الاول اسبق من الثاني بأكثر من قرنين.
فقد خُصص لأعمال بهزاد الغزيرة ولمدرسة هيرات ما لم يخصص من الدراسات والكتب والمطبوعات لسواهما. واذا كان بهزاد يستحق هذه الشهرة فإن العديد من الباحثين والجماليين يعتبرونه من دون مغالاة من اعظم المصورين في تاريخ الانسانية، على رغم انهم لم يكشفوا بالقدر الكافي اسراره المهنية، باعتباره القُطب النقيب الاول والعارف المعلم الذي خرّج اسماءً لامعة من مريديه وتلامذته من امثال شيخ زاده وعلي مظفر, نقل عديد منهم عقائده الروحية في الرسم والتلوين الى المحترفات المغولية ثم العثمانية، وعرفنا بفضله اسم استاذه ميراك ومنافسه المتأخر سلطان محمد.

سلطان التصوير: بهزاد
تقع بين دفتي تاريخ ميلاد بهزاد في هيرات العام 1465 ووفاته العام 1535م في تبريز ابرز الاحداث التشكيلية (نشوء المحترفات المحلية) المرتبطة بالاحداث السياسية، والارتباط عضوي في هذا المقام لان العائلات الحاكمة هي التي ترعى فن الكتاب وتتسابق على تأسيس دور العلم ودائرة الحكمة (نموذجها الذي اسسه المأمون للترجمة) والمكتبات العامة. يقع تاريخه ضمن العهدين التيموري والصفوي، ولكنه عمل تحت حماية الكثير من السلالات السنية والشيعية من تركمان ويزبك الى ايرانيين فرس، الى مغول وتيمورلنكيين. لكن اسمه ارتبط بمؤسس الدولة الصفوية الشيعية (الدولة الوطنية الايرانية الاولى) اسماعيل شاه (وكان سابقاً بعهده التيموري حسين بقراو وزيره المتنور مير علي شيخ نواوي)، فبعد التماع نجمه في هيرات وتأسيسه لمدرستها وتيارها الغني المعروف، يطلبه اسماعيل شاه في العام 1510م الى تبريز وبمرسوم تاريخي كتبه بعد فترة العام 1522م محفوظ في متحف طوب قابو يصبح فيه بهزاد مسؤولا عن المحترف الملكي للمكتبة السلطانية بشتى صناعتها من موضبي صناعة صفحات الرسم بالالوان، هي التي لا يقدر على غلاء صباغاتها اي فنان خاصة مادة اللازورد اوالذهب.

بهزاد النخبوي
اسس كمال الدين بهزاد لفن تشخيصي تعبيري نخبوي (ثقافي)، موازياً لنصوص كبار الشعراء الملحميين الذين يكتبون بالفارسية من مثال سعدي وحافظ وجامي والعطار والرومي، كان متأثراً مثلهم بالعرفانية الصوفية والطريقة النقشبندية، واذا صوّر الداعية ماني ذلك المصور الذي عاش في القرن الثالث وكان يعتمد قوته في الرسم والتلوين في نشر دعوته فإن بهزاد لم يكن يحب مقارنته به بسبب تربيته الصوفية، لذلك فهو بعيد عما يدعيه المستشرقون من استبطانه للثنوية الزرادشتية او المزدكية المنوية، بخاصة انه كان على صراع مرير ومخفي مع التقاليد البوذية «الطاوية» المحمولة مع «روليهات» الصين من قبل المغول الخانيين والتيموريين (ابناء تيمورلنك) وذلك لسبب القرابة القبائلية بين هؤلاء وحكام الصين سواء الذين حكموا بكين في البداية قبل عائلة ايوان او الذين انقلبوا عليهم وهم عائلة مينغ، والاسمان يعبران عن اسلوبين صينيين متمايزين في تصوير الطبيعة، وضمن منظور تقصب «الشامان» لهيئة الصخور والمياه باعتباره اصل الكون، واعتبار الفراغ نفسا قدسيا من الواجب عدم ارهاقه بأثقال اللون والرسم والتفاصيل.
وبسبب قوة شخصيته فقد كان لا يُذعن لسلطة الخطاطين في اخراج صفحات الرسم، بل انه زعزع تقاليدهم لصالح تفوق الرسم، وعزل الكتابة في مستطيلات متواضعة المساحة مزروعة داخل الفراغ. كما اخترع  صيغة الصورة العارية عن الكتابة كالتي تفترش صفحتين متقابلتين، او انها تُرسم خارج المخطوطة ثم تلصق في مكانها. لعل اهم تطور ابتدعه بهزاد هو استبدال الفراغ «الطاوي» الصيني الاحادي اللون بالفراغ التنزيهي الذي يعتمد على توزيع شطرنجي للون، محاولاً عبر احواله الشطحية والوجدية الاتحاد بالموسيقى الصوفية ورفع الحدود بين عقيرة اللون وصوته البصري. تبدو ألوانه بالغة الاشعاع (مثل ألوان السيراميك المزجج) مبعثرة في بؤر متباعدة ومعزولة، تعوم في فراغ فلكي معراجي هادئ اللون، بما يسمح بترصيع التركواز (الفيروز) او العقيق او اللازوردي او الذهبي، واثارة الحوار الرهيف بين الالوان المتكاملة والمسطحة دون ظل او منظور او حجم، يزداد عدد الاشخاص مقارنة برسوم الواسطي، ويزداد الفراغ بالتالي رحابة وعمارة هندسية داخلية، لدرجة تبدو فيه السطوح الزخرفية وجدر العمائر البلاطية وكأنها ملصقات تجريدية. ترسّخ منظور عين الطائر (السيمورغ او العنقاء) الذي ندعوه «بعين وحدة الوجود» والاقتصار الزهدي على بعدين، اقول ترسّخ المعنى التنزيهي في حين يعتمد المشهد الصيني الوصفي على المعنى التشبيهي، تزداد العناصر اطلاقا بهجرتها من باطن الصفحة الى الهامش، اي من المكان الفرضي المهندس الى المكان المطلق، بما يشبه دور المحراب كبرزخ متوسط بين عالم الملكوت والناسوت واللاهوت.
عرف بهزاد بشجرته الرمزية الخريفية التي يزرعها في شتى التصاوير (ذات الاوراق الشاحبة او الجمرية القانية)، كما عُرف بأفضلية الطوبوغرافية الهندسية البلاطية الحضرية بحيث تبدو الشخوص وكأنها عرائس معلقة بها. وهنا نعثر على حيوية العلاقة بين الشكل المكوّر لثوب الفتاة وتعارضه مع الخطوط المتعامدة للباب، كما ان حدة ميلان بعض الخطوط الاساسية (مثل المشربية او السجادة) يمنح للفراغ حيوية شطحية. ويتعامل بهزاد مع العالم المرسوم على اساس انه ورقة او جدار مسطّح او مرآة، ويضاعف بالتالي من ابعاد رموزه الباطنية، فلوحة «يوسف وزليخة» المعروضة في المكتبة الوطنية في القاهرة والتي تمثل زليخة وهي تمسك بتلابيب يوسف اقرب الى القزمين العائمين في فراغ متاهي مهندس بالأبواب السبعة المغلقة مع أدراجها المائلة.
لا يمكننا بالنتيجة ان نعوّل على توقيع بهزاد المتواضع ذي العبارة الشهيرة «عمل العبد بهزاد»، لأنها كثيراً ما تكون امهاراً رسمياً لمحترفه، بخاصة في تبريز. فقد وهن نظره وفقدت انامله ثباتها مع تقدمه في العمر واقتصر على مراقبة الرسم والتلوين والاشراف عليه، ناهيك ان عدداً من الصناع المتأخرين كانوا يزورون توقيعه طلباً للالتحاق بأسطورة شهرته. لكن التمييز يبدو سهلاً بقدر ما هو يسير تميز واستقلال شخصية رسوم بهزاد، بخاصة مقارنة بأعمال المصورين الذين استمروا في استسهال استثمار العناصر المنقولة عن التقنية الصينية (بخاصة الروليهات الموجودة في تبريز وسواها)، ومن هؤلاء سلطان محمد واكثر من ذلك المتأخرين من امثال محمد سياح قلم ومحمدي. ويقول البعض ان اصل هذا الاخير صيني.
يحاول المستشرقون اثارة الفرقة بين اتجاهات محترفات الفن الاسلامي على اساس قومي، وذلك بالالحاح على تسمية كل ما هو رسوم كتب «بالمنمنمة الفارسية»، فإذا كان لكل اقليم محترفاته وخصائصه الثقافية فإن البعد الروحي التصوفي يجمع الجميع في حالات وجدية ورمزية واحدة، حتى ليبدو أن عزلها نوع من تقسيم ما لا يقبل القسمة سواء أكانت الخطوط المرفقة بالنسخي العباسي ام بالنص تعليق الفارسي.

المصدر: موقع النور .
http://www.annoormagazine.com/mag/ar/167/thakafa/thakafa_02.asp
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة