الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
بين العقدي والسياسي

حوار مع محمد ضريف (أستاذ العلوم السياسية في كلية الحقوق المحمدية والمتخصص في الحركات الإسلامية المغربية)
في هذا الحوار، نحاول أن نبحث في تاريخ التصوف في المغرب، وأن نعرف أهم المكونات المشكلة للمشهد الصوفي المغربي. كما يتطرق الحوار إلى معرفة موقع التصوف في بنية الحركات الإسلامية المغربية، والأسباب التي تقف وراء ذلك التوتر الذي تشهده العلاقة بين هذه الحركات والتنظيمات الصوفية. ولم يفتنا في هذه المقابلة أن نقف عند الخلفيات التي تتحكم في توظيف التصوف، من قبل بعض الجهات، في المشهد السياسي المغربي.
بداية لو قدمت نبذة عن تاريخ التصوف في المغرب، وهل التصوف عنصر أساسي في تكوين المجتمع المغربي أم عنصر طارئ؟ وما هو الدور الذي لعبته الزوايا في تاريخ المغرب؟ وكيف كانت علاقة الدولة المغربية بالزوايا والطرق الصوفية؟

 مر التصوف في المغرب بمرحلتين:
 مرحلة التبعية حيث تم إدخال التصوف ابتداءاً من القرن الحادي عشر الميلادي من قبل حجاج الأماكن المقدسة، ومن الصعب الحديث في هذه الفترة عن تصوف "مغربي" لكون أهم الصوفية المغاربة أمثال "أبي يعزى يلنور" و"ابن عربي" و"علي بن حرزهم" كانت صوفيتهم شرقية قلبا وقالبا؛ فأحمد بن العريف، وهو بربري من قبيلة صنهاجة، توفي في مراكش العام 1141م كان تابعاً للغزالي وعلى نهجه سار علي بن حرزهم. أما أبو مدين الغوث فكان من تلامذة الجنيد.
مرحلة مغربة التصوف التي دشنها عبد السلام بن مشيش. فرغم أنه درس على يد أئمة الصوفية التابعين كأبي مدين الغوث وعلي بن حرزهم، فإنه لم يسلك مسلكهم بل سعى إلى التميز عنهم. وقد أكمل تلميذه أبو الحسن الشاذلي مرحلة مغربة التصوف لتصل ذروتها مع محمد بن سليمان الجزولي.
وكان التيار الصوفي في البداية يهدف أساساً إلى نشر الإسلام ما وراء الحواضر؛ حيث بدأ منذ القرن الثالث عشر الميلادي يتوغل في الأرياف. وابتداءاً من القرن الرابع عشر الميلادي انتقل التصوف من الإطار التبشيري إلى الإطار السياسي، وبدأت المعالم الأولى للطرق الصوفية تتشكل في العهد الموحدي ليكتمل هذا التشكل مع أبي عبد الله محمد بن سليمان الجزولي الذي يعتبر مؤسس أول طريقة صوفية في المغرب جراء التحولات التي طرأت على بنية المجتمع. ويمكن القول بأن "الطرق الصوفية" أصبحت ابتداءاً من القرن الخامس عشر الميلادي هي المؤهلة لتزويد البلاد بنظام الحكم.
إن تاريخ المغرب هو تاريخ سيادة التيار الصوفي بتعبيراته المختلفة، ولم يشكل هذا التيار محاضن للتربية الروحية فقط بل محاضن للجهاد أيضا. لقد كانت الممارسة الصوفية هي الشكل السائد للتدين في المجتمع المغربي.
ما هي أبرز "التنظيمات" والطرق الصوفية المشكلة للمشهد الصوفي المغربي في الوقت الحالي؟ وهل هناك اختلاف جذري بينها؟ وما هو حجمها الحقيقي وتأثيرها في المشهد الثقافي والاجتماعي والسياسي المغربي؟
يتشكل المشهد الصوفي حالياً من مجموعة من التنظيمات، نذكر على سبيل المثال طرق الكتانية والعلوية والبودشيشية، والزاوية الريسونية ومجلس أهل الله، والطريقة البوعزاوية...إلخ. وتعتبر الطريقة البودشيشية الأكثر حضوراً وقوة. وإن كان هناك نوع من التماثل بين هذه الطرق على مستوى المرجعيات العقدية، فإنها تتباين فيما بينها على مستوى التوجهات والأدوار التي تروم أداءها، فالطريقة الكتانية على سبيل المثال تتجه نحو التسيس وإبداء مواقف تجاه القضايا؛ سواء كانت ذات طابع داخلي أو لها ارتباط بالأمة العربية والإسلامية، والتوجه نفسه تنهجه الزاوية الريسونية. وجدير بالتذكير أن الطريقة الكتانية سعت إلى تقديم مرشحين باسمها في انتخابات 1984 ولم يسمح لها بذلك، وهو نفس ما قامت به الزاوية الريسونية في انتخابات 1997 ولاقت محاولتها المصير نفسه. أما الطريقة البودشيشية فقد نأت بنفسها عن عملية التسيس وغلبت في توجهاتها الطابع التربوي.
ما موقع التصوف في البنية التنظيمية والفكرية للحركات الإسلامية المغربية؟
تعتبر جماعة العدل والإحسان الجماعة الوحيدة ضمن مكونات الحركة الإسلامية المغربية، التي تستحضر التصوف في بنيتها التنظيمية والفكرية. ولكن الجماعة تؤكد ألا صلة لها بالجماعات الطرقية ولا تعتبرها جماعات جادة من أجل نشر الدعوة، ولا تطرح إمكان التعاون معها في هذا المضمار. ولكن لا تحكم بكفرها أو مروقها من الإسلام، وتكل عقائد أصحابها إلى الله، ولا تصنفهم ضمن الخصوم. وبشكل عام يمكن رصد الحضور الصوفي تنظيميا داخل جماعة العدل والإحسان من خلال مجالس النصيحة، مع التذكير أن مؤسس الجماعة عبد السلام ياسين لم يسع أبداً إلى القطع مع تجربته الصوفية داخل الطريقة البودشيشية بقدر ما سعى إلى منح التصوف تصورا جديدا يخرجه من مجال التصوف "القاعد" إلى التصوف "الجهادي".
هل التوتر الذي تشهده العلاقة بين الحركات الإسلامية والطرق الصوفية في المغرب مرده إلى أسباب دينية أم إلى أسباب تاريخية أم إلى أسباب سياسية؟
يمكن القول بشكل عام أن التوتر الذي يحكم علاقة بعض مكونات الحركة الإسلامية بمكونات المشهد الصوفي يعود إلى أسباب عقدية وأخرى سياسية. فمعروف أن بعض مكونات الحركة الإسلامية له موقف سلبي من عقيدة المتصوفة، وقد يضع التيار الصوفي خارج الشرع، هذا من الناحية العقدية. أما من الناحية السياسية فهناك صنفان من المؤاخذات: هناك مؤاخذات تتعلق بالموالاة المطلقة للتيار الصوفي للسلطات القائمة، في حين كانت مكونات الحركة الإسلامية تعمل على انتقاد السياسات العمومية المنتهجة من قبل الحاكمين. وهناك مؤاخذات تتعلق بابتعاد التيار الصوفي عن العمل السياسي واهتمامه بالجوانب الروحية فقط، في حين تعتبر مكونات الحركة الإسلامية مثل هذا السلوك بمثابة إعادة إنتاج للتصورات العلمانية القائمة على الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي.
برز في الآونة الأخيرة - بخاصة بعد أحداث 16 أيار - مايو- حديث مكثف عن التصوف المغربي، والذي كان من أبرز تجلياته تعيين وزير أوقاف بخلفيته الصوفية المعروفة. وأصبح إحياء التصوف المغربي عنصراً أساسياً فيما يسمى بـ"إعادة هيكلة الحقل الديني". إضافة إلى ما نلمسه سياسيا من عقد ندوات، بعضها تحت الرعاية الملكية، بخصوص التصوف، وإعلاميا ببث مجموعة من البرامج ذات المنزع الصوفي، وفنيا بتنظيم مهرجانات "الموسيقى الروحية" أو "السماع الصوفي". ما هو تفسيركم لهذا الأمر؟
إن التفكير في اعتماد إستراتيجية دينية جديدة لا يرتبط باعتداءات 16 أيار - مايو - 2003، بل باعتداءات 11 أيلول - سبتمبر - 2001 التي استهدفت الولايات المتحدة الأميركية وبداية تفكيك خلايا مرتبطة بأيديولوجيا السلفية الجهادية سنة 2002. لذلك أصبح التحدي المطروح على السلطات العمومية متمثلا في كيفية مواجهة التيار السلفي الوهابي. في هذا السياق، تم تعيين وزير جديد للأوقاف والشؤون الإسلامية (أحمد التوفيق) سنة 2002 ضمن حكومة إدريس جطو، وهو الوزير المعروف بانتمائه للطريقة البودشيشية، وأضحى الرهان على مستوى الإستراتيجية الدينية الجديدة هو العمل على ترسيخ مكونات الهوية المغربية المتمثلة في العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي وتصوف الجنيد.
تشير بعض التحاليل السياسية إلى أن تركيز بعض الجهات الرسمية في البلاد على تفعيل المؤسسات والطرق الصوفية هدفه الأساس مواجهة الحركات الإسلامية ذات الامتدادات المشرقية، والتي تنعت بالحركات الوهابية. كيف تقيمون هذه التحاليل؟ ثم لماذا لا تستعين الدولة، في هذه المواجهة، بجماعة العدل والإحسان ذات المنزع الصوفي الواضح فضلا عن علاقتها التصادمية و"العدائية" بالحركات السلفية؟
إن الإستراتيجية الدينية الجديدة، والتي من ضمن أبعادها تفعيل التصوف كمحدد للسلوك، لا تروم مواجهة الحركة الإسلامية المغربية، بل تروم مواجهة التيار السلفي الوهابي بصيغته التقليدية والجديدة. لقد أدركت السلطات العمومية؛ خاصة بعد اعتداءات 16 أيار - مايو - 2003، أن مصدر الخطر يكمن في الإيديولوجيا السلفية الداعية إلى العنف. كما أنها أدركت أهمية الاستعانة بمكونات الحركة الإسلامية المغربية لتطويق التيار السلفي الجهادي. غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن التوظيف السياسي للتصوف من قبل السلطات العمومية راهنا لا يفيد بالضرورة الاستعانة بخدمات جماعة العدل والإحسان. ذلك أن هناك تباينا على مستوى التصور والوظائف، التي ينبغي أن يؤديها التصوف، من قبل الطرفين. وبشكل عام يمكن القول بأن اعتداءات 16 مايو 2003 قد ساهمت في تقريب الرؤى بين السلطات العمومية ومكونات الحركة الإسلامية أكثر من أي وقت مضى، وهذا عكس ما يعتقد الكثيرون.
تحاول بعض الاتجاهات السياسية والمنابر الإعلامية، المحسوبة على التيار الاستئصالي، كما تسميه بعض الأدبيات الإسلامية، وبعض رموز الاتجاه العلماني في المغرب، تحاول التركيز على التصوف، وعدم اتخاذ موقف سلبي من الطرق الصوفية. كيف تفسرون هذه المحاولات؟
يتبنى خصوم الحركة الإسلامية راهنا إستراتيجية مؤسسة على الإعلاء من شأن الدين وعدم تدنيسه بتوظيفه في العمل السياسي، وبالتالي فهم يقدمون "التصوف" نموذجاً للممارسة الدينية "المثالية" التي تبتعد عن "المدنس"، أي العمل السياسي لتتفرغ لـ"المقدس" أي التربية الروحية. إن التصوف أضحى بالنسبة لخصوم الحركة الإسلامية مثالا للممارسة الدينية السليمة التي يتم فيها الفصل بين الدين والسياسة.

المصدر: موقع النور .
http://www.annoormagazine.com/mag/ar/167/thakafa/thakafa_05.asp
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة