الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
عندما يزرع الحاكم بذرة الأمل

أميرة كشغري/ كاتبة سعودية
و أنا أتصفح كتاباً عن فن المقالة للدكتور محمد يوسف نجم، شدتني رسالة كتبها الحسن البصري (المتوفى عام 110) عرضها الكاتب نموذجاً ومثالاً للمقالة الأخلاقية. يقول الحسن البصري في الإمام العادل:
"اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم ومفزع كل ملهوف. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق، الذي يرتاد لها أطيب المراعي ويذودها عن مراتع المهلكة ويحميها من السباع ويكنفها من أذى الحر والقر. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده. هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم. فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال ، فأفقر أهله وفرق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها. وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم... لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهليين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فتبؤ بأوزارك وأوزارٍ مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالاً مع أثقالك."
و الحسن البصري (21 هـ - 110 هـ) تابعي من مشاهير الثقات. ولد في المدينة المنورة وأقام في البصرة. كان فريداً في معرفة الأحكام الشرعية والتدريس والوعظ والحديث. أثر تأثيراً عظيماً في جيله من المسلمين، وله مكانة عظيمة في التصوف. وعنه اعتزل واصل بن عطاء.
و مع تحفظي على تشبيه الأفراد بالإبل في هذا العصر، فقد أكبرت هذه الجرأة وهذا الصدق في مخاطبة الإمام وتوصيف الإمام العادل والذي هو قوام الإصلاح، وذلك منذ القرن الهجري الأول، في لغة تخرج من دائرة الرمز إلى دائرة الواقع والمباشر، كيما تكون أقوى دلالة وأكثر جدوى في إبراز الموعظة الحسنة. ولعل القارئ يجد فيها أيضاً صورة دقيقة - وإن كانت مثالية - لما ينبغي أن يكون عليه الحاكم في هذا الزمان.
و إذا كان مفهوم أمير المؤمنين قد تغير في هذا العصر ليصبح الحاكم أو الرئيس في أي دولة أو حتى أي مؤسسة، فإن مفهوم العدل لم يتغير جوهرياً عما كان يرمي إليه الحسن البصري. فأسس العدل في عصرنا هي نفسها في عصر الحسن البصري وما سبقه من عصور وما تلاه حتى وإن تغيرت صياغة تلك الأسس وفقاً لمتطلبات الزمان والمكان وما يستجد فيهما من أنماط اقتصادية وسياسية واجتماعية. العدل - في لغة العصر- يتمثل في أمور عدة أبرزها العدل في تطبيق الحدود والقوانين، والعدل في تكافؤ الفرص لكي ينال كل مجد ما يستحق وينال المقصر أيضاً ما يستحق، فتنال المناصب تبعاً لكفاءة الفرد وإسهامه في صالح المجتمع والبشرية. كما يتمثل العدل في تقييم جهود الأفراد وتقدير منجزاتهم وفق معايير موضوعية بعيدة عن المصالح الشخصية. وكذلك فالعدل يتجلى في التعامل مع الأقليات في المجتمع لكيلا تقع - عن قصد أو غير قصد - تحت طائلة التمييز والإقصاء المجتمعي.
والعدل ضمن هذه الشروط أمر لا يمكن أن يحققه فرد واحد حتى وإن امتلك ذلك الفرد من السلطات والتأثير ما يمتلكه الحاكم. لذلك فإن العدل مرهون أيضاً بقيام مؤسسات المجتمع السياسية والاقتصادية والتعليمية الملتزمة بقوانين لا تخضع لسلطة المحاباة ولا للمصالح الفردية الخاصة، وهذا لا يتحقق في الغالب إلا في ظل قوانين واضحة ومكتوبة لا تحيد عنها المؤسسات لإرضاء مصلحة فرد على حساب آخر. وبالإضافة الى ذلك، فالعدل لا يتحقق إن ترك رهناً للقوانين المكتوبة وحدها، إذ لا بد من وجود سلطة رقابية من شأنها متابعة تلك القوانين ومحاسبة من يتعداها. السلطات الثلاث في المجتمع - التشريعية والتنفيذية والقضائية- تتعاون في سبيل تحقيق التوازن في المجتمع والسير به نحو أفق السلم والعدالة الاجتماعية. والقائد العادل هو من يساعد هذه السلطات باعتباره جزءاً منها على تبني العدالة الاجتماعية في أفضل صورة ممكنة لها. والعدالة الاجتماعية هي اللبنة الأولى في طريق الإصلاح إذ إن الإصلاح في عمقه هو صلاح كل فرد في المجتمع في أداء واجباته على الوجه الأكمل. ولن يصل الفرد لهذا الصلاح إذا ما ساوره شك بأن موازين العدل مختلة في البيئة التي يعيش فيها. وبالتالي فإن تحقق شروط العدل في أي بيئة من شأنه خلق مواقف إيجابية لدى الأفراد تجاه المؤسسة التي يعملون فيها كما أن من شأنه أيضا إثراء تلك البيئة بإنتاج هؤلاء الأفراد مما يدفع بالإصلاح خطوات نحو الأمام.
الكثير مما تعاني منه المجتمعات في عصرنا هذا يعود إلى أمرين. أولهما تدني أخلاقيات العمل وأعني بذلك تدني الصدق والإخلاص والإتقان في أداء ما يوكل إلى الفرد القيام به أياً كان هذا العمل ومهما اختلفت طبيعته، يدوياً كان أو فكرياً. ينطبق هذا على ما يقوم به النجار أو الخياط أو عامل النظافة بنفس القدر الذي ينطبق على ما يقوم به الطبيب أو المعلم أو الكاتب. أما الأمر الثاني والذي لا يقل أهمية عن الأول وقد يكون سبباً في تفاقمه، فهو إحساس الفرد بعدم تحقق شروط العدالة الاجتماعية في المكان الذي يعمل فيه. إن تهميش الكفاءة مثلاً باعتبارها المقياس الحقيقي للتوظيف والمكافأة في العمل ينعكس سلباً على أداء الفرد وعلى التزامه المهني، إذ يقود إلى الإحساس بأن المكان الذي يعمل فيه هذا الفرد إنما يحرمه جزءاً من حريته أو من حقوقه. والعدل هنا لا يتحقق إلا بوضع المعايير المناسبة والدقيقة بصدق وشفافية والالتزام والوفاء بها عند التطبيق على أرض الواقع.

المصدر:
http://www.alwatan.com.sa/daily/2005-08-30/writers/writers08.htm  
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة