الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
دلالات شعائر الحج عند الصوفية

يقول الإمام أبو حامد الغزالي : « اعلم أن أول الحج : الفهم – أعني فهم موقع الحج في الدين – ثم الشوق إليه ، ثم العزم عليه ، ثم قطع العلائق المانعة منه ، ثم شراء ثوب الإحرام ، ثم شراء الزاد ، ثم اكتراء الراحلة ، ثم الخروج ثم المسير  في البادية ، ثم الإحرام من الميقات بالتلبية ، ثم دخول مكة ، ثم  استتمام الأفعال كما سبق ، وفي كل واحد من هذه الأمور تذكرة ... وعبرة ... وتنبيه ... وتعريف وإشارة ... أما الفهم : اعلم أنه لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتنـزه عن الشهوات … والتجرد لله سبحانه من جميع الحركات والسكنات …
وأما الشوق : فإنما ينبعث بعد الفهم والتحقق بأن البيت بيت الله تعالى وأنه وضع على مثال حضرة الملوك فقاصده قاصد إلى الله تعالى ... فالشوق إلى لقاء الله تعالى يشوقه إلى أسباب الله لا محالة .
وأما العزم ... وليعلم أنه عزم على أمر رفيع شأنه ، خطير أمره ، وأن من طلب عظيماً خاطر بعظيم ، وليجعل عزمه خالصاً لوجه الله سبحانه .
وأما قطع العلائق ... فليتذكر أن سفر الآخرة أطول من هذا السفر ، وأن زاده التقوى .
وأما الراحلة : إذا أحضرها فليشكر الله بقلبه على تسخير الله تعالى له الدواب ... وليتذكر عنده المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة ، وهي الجنازة التي يحمل عليها ... فكيف يحتاط في أسباب السفر المشكوك فيه ويستظهر في زاده وراحلته ويهمل أمر السفر المستيقن ؟
وأما شراء ثوبي الإحرام : فليتذكر عنده الكفن ولفه فيه .
وأما الخروج من البلد : فليعلم عنده أنه فارق الأهل والوطن ، متوجهاً إلى الله تعالى في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا .
وأما دخول البادية إلى الميقات ومشاهدة تلك العقبات : فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة وما بينهما من الأهوال والمطالبات .
وأما الإحرام والتلبية من الميقات : فليعلم أن معناه إجابة نداء الله تعالى . فارج أن تكون مقبولاً ، واخش أن يقال لك لا لبيك ولا سعديك ، فكن بين الرجاء والخوف متردداً ... فإن وقت التلبية هو بداية الأمر ، وهي محل الخطر .
وأما دخول مكة : فليتذكر عندها أنه قد انتهى إلى حرم الله تعالى آمناً ، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله تعالى .
وأما وقوع البصر على البيت : فينبغي أن يحضر عنده عظمة البيت في القلب ، ويقدر كأنه مشاهد لرب البيت لشدة تعظيمه إياه .
وأما الطواف بالبيت ... اعلم أنك بالطواف متشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش ... إن الطواف الشريف هو طواف القلب بحضرة الربوبية . وإن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر ، وهي عالم الملكوت ... وإلى هذه الموازنة وقعت الإشارة : بأن البيت المعمور في السماوات بإزاء الكعبة ، فإن طواف الملائكة به كطواف الإنس بهذا البيت ... والذي يقدر على مثل ذلك الطواف هو الذي يقال : أن الكعبة تزوره وتطوف به على ما رآه بعض المكاشفين لبعض أولياء الله سبحانه وتعالى .
وأما الاستلام : فاعتقد عنده أنك مبايع لله تعالى على طاعته .
وأما التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم : فلتكن نيتك في الالتزام طلب القرب حباً وشوقاً للبيت ولرب البيت ، وتبركاً بالمماسة ، ورجاءاً للتحصن عن النار في كل جزء من بدنك لا في  البيت .
وأما السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت : فإنه يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك  جائياً وذاهباً مرة بعد أخرى ، إظهاراً للخلوص في الخدمة ، ورجاءاً للملاحظة بعين الرحمة ... وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردد بين كفتي الميزان في عرصات القيامة ، وليمثل الصفا بكفة الحسنات والمروة بكفة السيئات .
وأما الوقوف بعرفة : فاذكر عرصات القيامة .
وأما رمي الجمار : فاقصد به الانقياد للأمر إظهاراً للرق والعبودية ، وانتهاضاً لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه .
وأما ذبح الهدي : فاعلم أنه تقرب إلى الله تعالى بحكم الامتثال . فأكمل الهدي وارج أن يعتق الله بكل جزء منه جزءاً منك من النار ، فهكذا ورد الوعد . فكلما كان الهدي أكبر وإجزاؤه أوفر ، كان فداؤك من النار أعم .
وأما زيارة المدينة ... مثَّل في نفسك مواقع أقدام رسول الله  عند تردداته فيها ، وأنه ما من موقع قدم تطؤه إلا هو موضع أقدامه العزيزة ، فلا تضع قدمك عليه إلا عن سكينة ووجل . وتذكر مشيه وتخطيه في سككها ، وتصور : خشوعه ، وسكينته في
المشي ، وما استودع الله سبحانه قلبه من عظيم معرفته ، ورفعة ذكره مع ذكره تعالى حتى قرنه بذكر نفسه ، وإحباطه عمل من هتك حرمته ولو برفع صوته فوق صوته .
وأما زيارة رسول الله  : فينبغي أن تقف بين يديه كما وصفنا ... واعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك وأنه يبلغه سلامك وصلاتك ، فمثِّل صورته الكريمة في
خيالك ... وأحِضر عظيم رتبته في قلبك .
ثم ائت منبر الرسول  ، وتوهم صعود النبي  المنبر ، ومثل في قلبك طلعته البهية كأنها على المنبر ، وقد أحدق به المهاجرون والأنصار y ، وهو  يحثهم عل طاعة الله تعالى بخطبته ، وسل الله تعالى أن لا يفرق في القيامة بينك وبينه . فهذه وظيفة القلب في أعمال الحج »(1) .
ويقول الشيخ الأكبر ابن عربي  : يقول صاحب الشيخ الشبلي  وهو صاحب الحكاية عن نفسه : قال لي الشبلي : عقدت الحج ؟
قال : فقلت : نعم !
فقال لي : فسخت بعقدك كل عقد عقدته منذ خلقت مما يضاد ذلك العقد ؟
فقلت : لا !
فقال لي :  ما عقدت .
ثم قال لي : نزعت ثيابك ؟
فقلت : نعم !
فقال لي : تجردت من كل شيء ؟
فقلت : لا ! فقال لي : ما نزعت .
ثم قال لي : تطهرت ؟
قلت : نعم !
فقال لي : زال عنك كل علة بطهرك ؟
قلت : لا !
قال : ما تطهرت .
ثم قال لي :  لبيت ؟
قلت : نعم !
فقال لي : وجدت الجواب التلبية بتلبيتك مثله ؟
قلت : لا !
فقال : ما لبيت .
ثم قال لي : دخلت الحرم ؟
قلت : نعم !
قال :اعتقدت في دخولك الحرم ترك كل محرم ؟
قلت : لا !
قال : ما دخلت .
ثم قال لي : أشرفت على مكة ؟
قلت : نعم !
قال : أشرف عليك حال من الحق لإشرافك على مكة ؟
قلت : لا !
قال : ما أشرفت على مكة .
ثم قال لي : دخلت المسجد ؟
قلت : نعم !
قال : دخلت في قربة من حيث علمت ؟
قلت : لا !
قال : ما دخلت المسجد .
ثم قال لي : رأيت الكعبة ؟
قلت : نعم !
فقال : رأيت ما قصدت له ؟
فقلت : لا ! قال : ما رأيت الكعبة .
ثم قال لي : رملت ثلاثاً ومشيت أربعاً ؟
فقلت : نعم !
فقال : هربت من الدنيا هرباً علمت أنك قد فاصلتها وانقطعت عنها ، ووجدت بمشيتك الأربعة أمناً مما هربت منه ، فازددت لله شكراً لذلك ؟
فقلت : لا !
قال : ما رملت .
ثم قال : صافحت الحجر وقبلته ؟
قلت : نعم ! فزعق زعقة وقال : ويحك ! إنه قد قيل : إن من صافح الحجر فقد صافح الحق سبحانه وتعالى ، ومن صافح الحق سبحانه وتعالى فهو في محل الأمن ، أظهر عليك أثر الأمن ؟
قلت : لا !
قال : ما صافحت .
ثم قال لي : وقفت الوقفة بين يدي الله تعالى خلف المقام وصليت ركعتين ؟
فقلت : نعم !
قال : وقفت على مكانتك من ربك ، ناديت قصدك ؟
قلت : لا !
قال : فما صليت .
ثم قال لي : خرجت إلى الصفا فوقفت بها ؟
قلت : نعم .
قال : ايش عملت ؟
قلت : كبرت وذكرت الحج وسألت الله القبول .
فقال لي : كبرت بتكبير الملائكة ، ووجدت حقيقة تكبيرك في ذلك المكان ؟
قلت : لا !
قال : ما كبرت  .
 ثم قال لي : نزلت من الصفا ؟
قلت : نعم !
قال : زالت كل علة عنك حتى صفيت ؟
قلت : لا !
فقال لي : ما صعدت ولا نزلت .
ثم قال لي : هرولت ؟
قلت : نعم !
قال : ففررت إليه ، وبرئت من فؤادك ، ووصلت إلى وجودك ؟
قلت : لا !
قال : ما هرولت ؟
ثم قال لي : وصلت إلى المروة ؟
قلت : نعم !
قال : رأيت السكينة على المروة فأخذتها أو نزلت عليك ؟
قلت : لا !
قال : ما وصلت إلى المروة .
ثم قال لي : خرجت إلى منى ؟
قلت : نعم !
قال : تمنيت على الله غير الحال التي عصيته فيها ؟
قلت : لا !
قال : ما خرجت إلى منى .
ثم قال لي : دخلت مسجد الخيف ؟
قلت : نعم !
قال : خفت الله في دخولك وخروجك ووجدت من الخوف ما لا تجده إلا فيه ؟
قلت : لا !
قال : ما دخلت مسجد الخيف .
ثم قال لي : مضيت إلى عرفات ؟
قلت : نعم !
قال : وقفت بها ؟
قلت : نعم !
قال : عرفت الحال التي خلقت من أجلها ، والحال التي تريدها ، والحال التي تصير
إليها ؟ وعرفت المعرف لك هذه الأحوال ، ورأيت المكان الذي إليه الإشارات فإنه هو الذي نفس الأنفاس في كل حال ؟
قلت : لا !
قال : ما وقفت بعرفات .
ثم قال لي : نفرت إلى المزدلفة ؟
قلت : نعم !
قال : رأيت المشعر الحرام ؟
قلت : نعم .
قال : ذكرت الله ذكراً أنساك ما سواه فاشتغلت به ؟
قلت : لا !
قال : ما وقفت بالمزدلفة  .
ثم قال لي : دخلت منى ؟
قلت : نعم !
قال : ذبحت ؟
قلت : نعم !
قال : نفسك .
قلت : لا !
قال : ما ذبحت .
ثم قال لي :  رميت ؟
قلت : نعم !
قال : رميت جهلك عنك بزيادة علم ظهر عليك ؟
قلت : لا ! قال : ما رميت .
ثم قال لي : حلقت ؟
قلت : نعم !
قال : نقصت آمالك عنك ؟
قلت : لا !
قال : ما حلقت  .
ثم قال لي : زرت ؟
قلت : نعم !
قال : كوشفت بشيء من الحقائق ، أو رأيت زيادات الكرامات عليك للزيارة ؟ فإن النبي  قال :  الحاج والعمار زوار الله وحق على المزور أن يكرم زواره(2) » .
قلت : لا !
قال : ما زرت .
ثم قال لي : أحللت ؟
قلت : نعم ! قال : عزمت على الحل الحلال ؟
قلت : لا !
قال : ما حللت .
ثم قال لي : ودعت ؟
قلت : نعم !
قال : خرجت نفسك وروحك بالكلية ؟
قلت : لا !
قال : ما ودعت وعليك العود ، وانظر كيف تحج بعد هذا ، فقد عرفت ، وإذا حججت فاجتهد أن تكون كما وصفت لك »(3) .
ويقول الدكتور إبراهيم بسيوني : عاد رجل من حجه ... فسأله الشيخ الجنيد  : « أرحلت عن جميع ذنبك حين رحلت عن دارك ؟
فقال : لا .
قال : فأنت لم ترحل .
ثم قال له : … وبعد كل مرحلة نزلت حيث تتلبث الليل … هل قطعت مرحلة إلى الله ؟
قال : لا .
قال الجنيد : فأنت لم تقطع الطريق مرحلة مرحلة !
ثم قال : وحين لبست ثوب الإحرام في موضعه ، هل خلعت صفات البشرية عنك وأنت تخلع ثيابك ؟
قال : لا .
قال الجنيد : فأنت لم تحرم !
ثم قال : وحين وقفت بعرفه … هل تأملت في الله لحظة واحدة ؟
قال : لا .
قال : فأنت لم تقف بعرفه .
ثم قال : وحين أفضت إلى المزدلفة وقضيت مناسكك هل رفضت جميع الأغراض الجسدية ؟
قال : لا .
قال : فأنت لم تفض إلى المزدلفة .
ثم قال : وحين طفت بالبيت ، هل أدركت الجمال الإلهي في بيت الطهر ؟
قال : لا .
قال : فأنت لم تطف بالبيت !
ثم قال : وحين سعيت بين الصفا والمروة … هل أدركت الصفا والمروة ؟
قال : لا . قال : فأنت لم تسع …
ثم قال : فلما جئت إلى منى …هل ذهبت جميع المُـنى عنك ؟
قال : لا .
قال : فأنت لم تزر منى !
ثم قال : فلما وصلت إلى المنحر ونحرت القربان هل نحرت أسباب متاع الدنيا ؟
قال : لا .
قال : فأنت لم تنحر !
ثم قال له : فلما رميت الجمار … هل رميت ما صحبك من أفكار جسدية ؟
قال : لا .
قال الجنيد : فأنت لم ترم الجمار … ولم تؤد على ذلك حجاً »(4) .
ويقول الباحث محمد غازي عرابي :« حج : أي توجه واكتشف . فمن الحاء : كان الانطلاق إلى بيت الله الحرام الذي حرم سره على غير الحاجين الحقيقيين . والجيم رمز الجوار : وهي كعبة القلب التي تفجرت فيها عين زمزم البصيرة والحقيقة .
والطواف طوافان : طواف العبد بالله ، وطواف الله بالعبد .
والشعائر جمع شعيرة ، والشين منها : مشيئةُ ، أَرادت توجيه دفة العبد إلى القبلة . فما حج من حج إلا بعد اصطفاء ، فسبقت المشيئة الاختيار ، فكان الحج حج الله على الحقيقة . هو أراد وبعث وأيقظ الحافز في  قلب العبد ، فحج مثاله إليه ، فطاف الله بالله مشيئة على عين الجوهر المتمثل عياناً .
والحج طهور ، لأنه بمجرد اطلاع الحاج على السر يعود طفلاً كيوم ولدته أمه ، قد سقط ما عليه من رجس المادة والماضي ، واكتشف أن الجوهر روحاني ، وإن تعين وبدا خيراً وشراً وقسم يميناً وشمالاً .
ولا يكفر الحاج ولا يشرك ولا يذنب ، وإن أذنب فداخل بناء الكعبة ، ثم قدسية لمن لمس الحجر الأسود ، فنصل من ثيابه ، واتصل بالحقيقة الأبدية التي رمزت ومثلت ، وكان من بين رموزها الحجر الذي هو أساس عالم الذر ، وهو ذر أبيض ، أسوَّد بتحوله إلى محسوس مادي يُرى .
والحاج طفل ، لأنه فقير عاجز محتاج إلى عون ربه الذي ما يزال يقلبه في شعائره حتى يشهده كشفاً على جبل عرفات فيعرفه ، فلا يرى كائن سواه ، فيكبر ويكبر ... حتى ينحدر عن الجبل في صباح العيد ، وقد رأى ما لا يرى ، وإن رئي فلا يمكن التعبير عنه .
وأول الحج : الإحرام الذي هو نسك لله ، وانقطاع إليه بالتجرد عن علائق الحياة الدنيا . وفي ترك المخيط : ترك التدبير لله الذي يفصل في الأمور بسابق علم وبلاحقه تدبيراً منه تعالى للأحداث . فدخولك تدخل ، وظاهراً ترى الأمر متروكاً إليك معتمداً عليك ، وباطناً الأمر له من قبل ومن بعد . فالكشف اقتضى ترك التدبير إيمانا بقوله تعالى على لسان العبد الصالح :  وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري(5) ، أي : أن كل فعل لكل عبد هو في حقيقته عن غير أمره بل عن أمر الله . وهذه مرحلة من التوكل مصاحبة بيقين ذوقي دخلت في مناسك الحج كشفاً لفعل الحق .
ويعد حلق الرأس : تتمة لترك المخيط ، إذ الشعور قوة ، وهو يرمز إلى فتوة الإنسان وشبابه ، وكلما غزر دل على نشاط الجسم ، فحلقه عودة إلى الضعف ، إذ بداية أمر الإنسان صلع أو شبه صلع ، وكذلك نهايته وبينهما قوة . فاللجوء إلى حلق الرأس كشف لحقيقة صاحب الفعل الحقيقي وصاحب الحول والطول في العبد .
وفي ترك تقليم الأظافر : إشارة إلى العودة إلى الحياة الطبيعية التي كان فيها الإنسان أول مرة . وواضح أن التقليم عمل يدل على بدء وعي الإنسان لأمور حياته ، ومحاولة ممارسة إمكاناته التي وهبه الله إياها لإصلاح ذات شأنه .. وهذه العودة ضرورية تذكرة للحاج إلى ما كان عليه من همجية وحيوانية ، ومبلغ فضل نعمة العقل عليه التي أخرجته من ظلمات تلك الحياة إلى نور الإيمان . والعقل الذي هو ميزة الإنسان على الحيوان .
وفي ترك الطيب : إشارة إلى عدم التدخل من قبل الإنسان لمحاولة التطهر والتجمل ، وذلك بعد أن ثبت كشفاً أن العملية مقرونة بالعناية المسبقة . فأيما طيب لا ينجع في جلو قلب صدئ كقلب أبي لهب وأبي جهل . والطيب الحقيقي : هو النور يقذفه الله في قلب العبد فيهتدي إلى سواء السبيل . وترك النكاح : إحرام الفعل . فالوقت ضيق وهو مرصود لله ، ولا نصيب للذات في هذا المجال ، إذ الموقف صعب ويتطلب بذل أقصى جهد للوصول إلى معرفة الله كشفاً عن طريق الذوق على جبل عرفة . فالاشتغال بغير ذلك التهيؤ للحاج ممنوع .. ولو أمكن أن يعيش الحاج من غير طعام أو شراب لأمر الله بذلك تمكيناً للمسافر وهدياً للطريق .
وفي ترك الكحل : إشارة لطيفة إلى أن العين التي أصبحت عين الله ، أي تنورت بنوره ، ليست بحاجة إلى نور غيره . فالله وحده هو الهادي والمساعد ولا مساعد له في هذا المجال : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (6) ، ومخرجه أن تصبح عينه عينه ، لذلك جاء في الحديث القدسي أن الحق يصبح بصر العبد الذي يبصر به بعد إتمام التحق والكشف ،أي : إتمام الحج .
ومكة : المكان المقدس ، والمقدس من الإنسان روحه ، لأنها من نفس الله . فالتوجه إلى مكة توجه إلى روح القدس في الإنسان ، مع التهيؤ والاستعداد للدخول في حظيرة القدس حيث أنطق الله المسيح وهو في مهد التسبيح .
والكعبة : النظر إدماناً إلى عين الذات ، أي إلى الروح ، أي إلى اللطيفة المستودعة في ذات الإنسان . فهذه العين هي عين العلم اللدني في الحقيقة . ولذلك ترى الحاج يطوف بالكعبة ، والطواف : تركيز على تركيز الجهد التأملي ، أي صرف الخاطر عن كل ما عدى التأمل في ذات الله تعالى . فالحاج قاصد ، والمقصود كريم ، ولكن لا بد للدخول من إتمام الاستعدادات وأهمها تطهير القلب من كل خاطر دخيل . فأنت ترى أن كل هذه الشعائر والمناسك  إنما قصدها تهيئة القلب لاستقبال الأنوار .
أما كون الطوائف سبعة : فالقصد التنازل إرادياً عن الإرادة والذات وبقية الصفات الإلهية المستودعة في الإنسان ، والتي إذا جرد منها رأى نفسه فانياً تماماً لأنخلاعه عن كل ما يتسلح به من قوى . فالطواف انخلاع .
والسعي بين الصفا والمروة : هو بدء الري من الشرب الإلهي . فبعد الانتهاء من مرحلة التطهر يصبح قلب العبد في لون الماء الإلهي ، ولذلك كان صافياً من كل شوب وكدر وخاطر نفسي وشيطاني .
فههنا نهاية سفر السالكين ، إذ السلوك : التوجه مع القصد .
أما المروة : فالري نفسه ، إذ يبدأ ماء العلم يتدفق من عين الذات . ولذلك ربط الصفا والمروة بالسعي ، أي لا بد لكي تشرب من عين الله أن تكون صافياً كعينه ، وهذا لا يتحقق إلا بالسلوك ... وتمام الري : هو عرفة أو المعرفة ، وبعدها المزدلفة ، أي : القرب ، أي : اكتشاف مدى قرب العين منا . ولهذا جاء دور الجمار الثلاث ورميها بالحصى السبع وتكلمنا عن رموزها في مجالها .
 أما طوافا الإفاضة والوداع : فيمثلان مرحلة البقاء بعد الفناء ، وهي العودة إلى التبشير بما قد أفاض الله على عبده من علوم الغيب »(7) .  
الهوامش
[1] - الإمام الغزالي – إحياء علوم الدين – ج 1ص 265 - 272 .
[2] - ورد بصيغة أخرى في صحيح ابن حبان ج: 9 ص: 447 ، انظر فهرس الأحاديث . [3] - الشيخ ابن عربي – الفتوحات المكية – سفر 10 فقرة 113 – 114 – 115 .
[4]- د . إبراهيم بسيوني – نشأة التصوف الإسلامي – ص 251 - 252  .
[5] - الكهف : 82 .
[6] - الطلاق : 2 .
[7] - محمد غازي عرابي – النصوص في مصطلحات التصوف – ص 87 – 90 .

المصدر : السيد الشيخ محمد الكسنزان الحسيني - موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه اهل التصوف والعرفان - ج5 - مادة ( ح ج ج ) .
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: احمد عبد الكريم      البلد: مصر       التاريخ: 24-12-2006
بسم الله المجيب لعباده فقال أدعوني أستجب والصلاة والسلام على سيدنا محمد المحبوب بلا حجب وال بيته الموصلين والموصلين لحب النبي بلا ريب والتابعين أهل الفيض وبعد.
الصوفية تعبيرات وأنت يا حبيبي ياملك الفؤاد . فماذا أقول من فيض حبك حال قربك لكن بين الناس هيهات فلا تعجب لقول الأحبة حال قرب ودنو من الذات فلا أحد يتحدث لا قبل حديثه ولا بعده فأنت من ذالك هيهات فالكل ينظر من بعيد فالنور ياحبيبي شديد لكن بفيض الحبيب مقرب البعيد يخفف عنا حرق شوق فهي أشد من اللهيب وحال قرب من دنوي يزيد النار فيها فلا وصف لها إلا بما وصف الحبيب فأنت أعلم بما في صدور عبادك فأطفأ اللهيب تحرقنا لولا وقوفنا أمامك لتطفيء اللهب بنور قربك ياحبيب والدنيا يقولوا سجن المؤمن لكن للصوفي فهي لظى من فرقة الحبيب والله يا حبيبي لولاك لأحترقنا وما بقي فينا إلا التراب فيامن أطفأت حر لظي قرب لنا البعيد وخلصنا من الدنيا. لا. ولكن زد في الوصال فبحبك نتمني دوام الوصال مهما يكون الوعيد فكل شوق منك على القلب محبوب ومرغوب. والسلام


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة