الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
كلمات ورؤى: في الثقافة الصوفية

حسن اللوزي

صبغة ربانية عزيزة وساحرة تلك التي تهيمن على مجمل الأيام والليالي الرمضانية وهي تطلق تجليات الشفافية التعبدية الصادقة والمجاهدة بين الخلق وخالقهم، ليس فقط في عملية الصوم- وماتفرضه وتتطلبه هذه الفريضة وإنما في كل الافعال والتصرفات التي تحيط بهذه الفريضة المتميزة سواء بالنهار او الليل وهي كلها أدعى لغربلة المحيط من كل الشوائب والادران حتى تتحقق السيادة للصفاء والتصافي والتسابق على جوائز الاستصفاء ويلي التعبد في التسابق على هذا المضمار الالهي المكشوف على الكون كله.. وعلى أعماق الضمير الانساني على حد سواء القراءة التي هي مفتاح آفاق لاتتناهى من التأمل.. والتعلم والاستصفاء الروحي والمعرفي ولاشك أن في المقدمة من ذلك قراءة القرآن الكريم والتبحر في علوم الدين.. والاجواء الاقرب من ذلك التواصل مع الكتابات والابداعات الصوفية الأدبية والفكرية والشعرية.   فهناك العديد من الشهادات النقدية الهامة التي تضع الابداع الصوفي في ارقى مراتب العطاء الثقافي المتيمز الذي أثرى الحياة الابداعية العربية والإسلامية كما أضاف رصيداً هاماً للحياة الفكرية عموماً لصلته الوثيقة بالعقيدة والبحث عن جوهر الصلة بها عاطفياً وذهنياً ووجدانياً في مراتب متداخلة في الكثير من النصوص والاعمال ومثل الابداع الشعري في المقدمة وتلت ذلك النصوص الأدبية المتنوعة في أعمال نثرية أخذت اشكال القصة.. والسيرة الذاتية.. والخواطر بل والكتابات العلمية والتاريخية والتنظيرية.. والمتفرقات التي لها صلة عميقة بعلم التوحيد والنظر والتأمل في الكون والموجودات والبحث عن الجوهر الخفي والمتجلي في خضم الملكوت.. وفيما صار يعرف بعلم الحقيقة ومحاولة معرفة الحق كما تجلى في المنازل والابواب والفتوحات التي تناولتها الكتب الصوفية حافلة بالرؤى والافكار.. والمصطلحات الجديدة التي تصف الحالات والمنازل والدرجات التي تعترض المتصوفة أو التي يعبرونها فضلاً عن البوح او الايحاء بالكرامات والاسرار الخاصة والعلاقات الروحية المبهمة او المتجلية في عروض لا حصر لها وهي كتابات هامة اتسمت بحيازتها واشراقاتها بأروع وأدق الخصائص الفنية التعبيرية اللغوية والبلاغية والبيانية.. والاعجازية فيما صار له اليوم بعده الخاص المستقل في مجمل التراث الثقافي العربي والإسلامي وصارت ثقافة خاصة قائمة بذاتها شغلت العقول والقلوب واثمرت العديد من البحوث والدراسات الغنية والمتعمقة واخذت ايضاً مساحات عامرة في خارطة الابداع الفكري والحياة الدينية العربية والاسلامية- بل وصارت لها تأثيراتها البارزة على الحياة الفكرية العالمية- الغربية بشكل خاص فالصوفية في محصلة النتائج المتحققة والنامية ليست مجرد عقيدة دينية تحاول التجاوز للنظر لماهو أبعد من الشريعة وليست شأناً منغلقاً على الصفوة في كافة المراحل التاريخية من يوم أن انبثقت في الحياة العربية والاسلامية.   ولكنها مع ذلك فكر له ثقله.. وأدب اغنى كل مجالات وميادين الشعر والإبداع النثري.. كما انه أثمر فنا خاصاً به تم ابداعه وتعاطيه على اعلى المستويات الثقافية وكان لجانب منه شيوعه وحضوره الغالب الأعم في كافة دوائر الطرق الصوفية حتى غدا فنوناً تتميز بكل واحد منها طريقة او طرق ما من الطرق الصوفية وجماعات المريدين اذا صح التعبير!!   ولم يعد التصوف في عمق المطاف أو في نهايته أيضاً مراحل متعددة في العلاقات البشرية المتصلة بالخالق سبحانه وتعالى ايماناً وفهماً ومحاولات في الادراك والتواصل خارج ماتفرضه وتمليه النصوص الشرعية بالمزيد من الابحار فيها وفي التأويلات التي تلهمها الحالة الصوفية زهداً وعشقاً كما هي تعبداً- وتحقيقا لمعنى الاستخلاف.. وهي في ذلك ايضا رؤية عميقة للخلق وللكون لاتكشفها ولاتوحي بها سوى الصلة العظيمة الأزلية والابدية بالله سبحانه وتعالى وهي صلة ثمارها المتجددة تكمن في أن الانسان جزء عميق منها وأن الفكرة الصوفية سواء جاءت ابداعية او فلسفية او في أي مظهر من المظاهر العملية التي تجليها السلوكيات الاخلاقية العالية الى درجة من الهوس- والهذيان او الجنون كلها مناطة بتلك الصلة التي مازالت تبحث لها عن أحكامها التي هي اضافة لامناص منها للأحكام المستقاة من النصوص الشرعية- ولذلك لم يكن غريبا- بل كان طبيعياً ان يتصدى العديد من العلماء للصوفية وان يناصبوها العداء وان يعتبروها حلقات متردية من البدع المتصلة بالضلالة.   ومع ذلك فان رؤيتنا تؤكد ان مثل تلك الاحكام غير المبررة والتي تتعسف صنع الأدلة لايمكن ان تصدر من حقيقة المواقف الايمانية.. حيث لايجرؤ المؤمن على تكفير المؤمنين ويستحيل ان يخرج المؤمنين أياً كانوا عن الدين مهما حاول المجتهد ان يقولب الظواهر.. او يبتكر لأخيه أشكال ومصائد الحفر المردية!!   ويبقى الدافع المفترض لكل غلو من هذا النوع سواء في التاريخ او في الحياة المعاصرة هو ثمرة النوازع السياسية ذلك ان الصراع السياسي هو الذي قاد العالم الى كل انواع التصفيات، والالغاءات وحمامات الدم- حتى عمت العيون وانغلقت الافئدة فعجزت ان ترى الجمال حتى في قسمات الحكمة والابداع التي غمرت حياة الصوفيين وصبغت اعمالهم- وافعالهم وسلوكياتهم وانتاجهم الفكري، والأدبي والفني حتى صارت ثقافة قائمة بذاتها يمكن ان تمارس عليها وحولها كل اعمال النقد والتشريح ويمكن ان نسميها بصفات كثيرة اخطرها انها تبرر الهروب من المسئوليات وتمجد الجانب السلبي في الحياة- وتحول الانسان الى آلة تعبديه فردية مفضوحة بالأنانية المفرطة.. التي تتجلى في ادعاء الحقيقة.. او الوصول اليها او الى سمو الذات وتزكيتها خارج معيار التقوى.   والحديث عن ارتقائها في المدارج والمنازل المدعاة التي ليس لها من البراهين المادية وحتى فيما يتعلق بالتجليات الحياتية والحفول بالكرامات ونحوها مما تدل عليه اشارات ايمانية في النصوص اليقينية وليست منكرة من الدين الحنيف. ومع ذلك فلسنا في هذا الحقل المزروع بما لاتحمد عاقبته من المماحكات او المجادلات ولكننا نسعى للوقوف امام العطاء الابداعي الأروع والأخلد في لغتنا العربية الحية وفي ثقافتنا العربية الاسلامية. وهو الفكر والأدب والشعر الصوفي للابحار في اعماقه ومحاولة اصطياد جواهره والتمتع بثماره الايحائية وأخيلته الثرية التي لاشك انها تغني الفكر والعقل والعاطفة والوجدان.. كما أنها تصقل المعرفة وترشد الفكر الى افاق من النظر والتأمل لايمكن الوصول اليها او بلوغ ذراها العصية الا بالقراءة المتمعنة والمتطلعة لذلكم الابداع الذي هو منّا.. بل ومن نبع عميق في مكنونات الايمان الصادق.. والايمان المنطلق.. والايمان الذي لايعرف الحدود والأغلال وكفى.
المصدر : موقع سبتمبر نت .
 http://26sep.net/newsweekarticle.php?sid=7025
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة