الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
محلة باب الشيخ. . تعاني العطش

أحمد الاخرس ـ بغداد

خلف نصب الحرية في مركز بغداد، ببضعة مئات من الامتار تقع محلة باب الشيخ الشعبية الشهيرة وقف محمد فتاح قرب الجدارالشمالي لجامع الشيخ عبد القادر الكيلاني وهو يحاول ان يتذكر موقع (الحب) المنخفض عن مستوى الشارع والمغرفة السوداء(المنشل) الذي تعود ان يشرب منه الماء، كلما ذهب هو وامه عبر دروب محلة باب الشيخ وبيوتها العتيقة الى سوق الصدرية، كان يبتسم وهو يقول" لايزال طعم ذلك الماء الزلال باقيا في ذاكرتي " ! غير بعيد عنه كانت اصوات الورش والمعامل وهدير محركاتها تصل اليه فتختلط بصوت الاذان.
في هذه المحلة القديمة سمع محمد فتاح اول كلمات مثل الطرمة-المجاز-الحوش-الهول-الشناشيل-التيغة وهنا تعلم طيبة البغدادي وحلاوة معشره.لقد اختفى اهلها بعد أن تركوا منازلهم الى الورش والمعامل التي غزت المكان، لم تبق الا المنازل القريبة من ضريح الشيخ عبد القادر وكأنها وشناشيلها تحتمي به وتقاوم الزمن. حتى في شارع الكفاح، الذي يحد المحلة من جهة الغرب انتشرت على طول رصيفه محال وورش الصفيح، اما في الجهة الشرقية منها فكانت منطقة الشيخ عمر الصناعية، فاصبحت المحلة محاصرة من جميع الجهات.

لمحة تاريخية
    محلة باب الشيخ جزء صغير من محلة قديمة وصفها ياقوت الحموي بمحلة باب الازج وذكر انها كالمدينة اذ كانت متكاملة الوظائف فيها المدرسة والمسجد والسوق والمستلزمات كافة نشأت جميع المحلات القريبة منها من اطراف ما كان يسمى بالمأمونية وقد اكتظت بالسكان ومحلة باب الشيخ مرتبطة بهذه المحلات وجزء منها.
وفي اوئل القرن العشرين كانت تتكون من سوق الصدرية ودربونة الكبي والاتون والسوق الجديد والعزة والجنابيين وبستان شاهين والدوكجية والعوينة (في موقع امانة بغداد).  كما في  (كتاب بغداد في العشرينيات لعباس بغدادي) .

الشيخ عبد القادر
"ذكروا ان الشيخ عبد القادر الجيلي   قد خلف شيخه أبا سعيد المخرمي في مدرسته التي كانت تقع في باب الأزج فاضاف اليها وعمرها فأعانه الاغنياء بمالهم والفقراء بعملهم، ولما توفي سنة 561 هـ دفن في رواقها وبعد وفاته بزمن اتخذت هذه المدرسة مسجدا ولايزال هذا المسجد قائما وهو من اوسع مساجد بغداد اليوم وعلى مصلاه قبة تعد اعظم قبة في مساجد بغداد، والمحلة التي تحيط بهذا المسجد تعرف اليوم بمحلة باب الشيخ.  
هاهو محمد فتاح يعد الدرابين، هنا عكد الكراد وعكد الجنابيين وبستان شاهين وراس الساقية. اما المقاهي فكان هناك مقهى التسابيل ومقهى زينل ومقهى ابراهيم ومقهى الجمالي. 
بعد فتح شارع غازي انفصلت هذه المنطقة عن سراج الدين حيث تقع الان في الجهة المقابلة لسوق الصدرية كتب الشيخ جلال الحنفي (الدوكجية جمع دوكجي وهم اصحاب الكور في محلة باب الشيخ عند باب الطلسم القديم واللفظ بهذا المعنى من الدوغة أي المحرقة او الكورة وقيل ان اصل اللفظ من الدوك وهو المغزل بالفارسية والحي المذكور يسكنه الاكراد)  اما الحاج ابراهيم محمد العلوان وهو من سكنة الدوكجية فيقول انها جاءت لان اهلها يدقون القهوة لذا سميت الدوكجية. أما بستان شاهين فهو دربونة متصلة بالدوكجية وعلى امتدادها وكان فيها (جرد- كرد). يأخذ الماء من بئر هناك لسقي الارض المزروعة بالخضراوات والعائدة الى بيت شاهين، كما كان هناك بيت لأمرأة اسمها امونة كان فيه دب كما يتذكر محمد فتاح من ايام طفولته ويستعمل كذلك مراّبا للسيارت. وعكد الجنابيين دربونة تقع على يمين دربونة بستان شاهين وتتصل بمحلة باب الشيخ. ويؤكد محمد فتاح ان هذه التسميات لاتزال متداولة بين الاهالي هنا حتى اليوم.

طيبة الاهل
    يقول محمد فتاح" ثمة شيء كان ولايزال يميز محلة باب الشيخ، انه التآلف المميز والروح الطيبة اللذان يسمان اهلها، لقد كنا كالإخوة واذا ما حدثت مشكلة او نزاع بين شخصين او عائلتين سرعان ما يسعى أهلها للاصلاح بين الطرفين المتخاصمين، ومن الاشياء التي يتذكرها، انه في ايام عاشوراء كان يخرج الأهالي من السنة والشيعة في مواكب عديدة مثل موكب الاتون وموكب على بن ابي طالب وموكب مندلي وموكب محلة (ابو سيفين)،  كان الدراويش السنة يضربون على ظهورهم بالعصي اما الشيعة فكانوا (يطبرون) باستعمال القامات وهم ينصبون الخيم في ساحة العوينة التي احتلت مكانها ألآن أمانة بغداد،  منذ الصباح وحتى الظهيرة عندما تنتهي المراسيم.  اما أيام المولد النبوي فحدث ولاحرج عن ليالي الشيخ عبد القادر،  وكان ألأهالي يحتفلون بها جميعاً. 
وكنت ترى في البيت الواحد قد يسكنه عدد من المؤجرين قد يصل الى سبع عوائل، واستمر هذا التجانس الطيب بين اهلها محمد فتاح يتذكر اشقياء باب الشيخ، اولئك الذين كانت لهم صولات وجولات، مثل الشقي المان، واكرم كوكي، وصالح ابو الفيالة، وعباس المندلاوي الذي اعدم على يد ناظم كزار،وخليل ابو الهوب الذي قتله الشقي محيي مرهون في مقهى زناد الذي كان يقع قرب تمثال السعدون.

المعامل والورش
يعترف محمد فتاح ان معامل الحدادين والنجارين ومحال بيع وشراء المخارط والرايمر قد زحفت على المنازل شيئا فشيئا حتى باع الكثير من اهلها بيوتهم،  ولم تعد محلة باب الشيخ تصلح لساكنيها بعد ان باع اغلبهم منازلهم الى اصحاب المعامل، واصبح البيت الذي كان سعره خمسة ملايين بسبعين مليون دينار، وحتى مئة وثلاثين مليون دينار.
وبدأت تلك المعامل بضجيجها وما تطرحه على الارض من بقايا موادها المصنعة،يلوث الدرابين، وضاعت اثار الشناشيل وغطت على نوافذها الطويلة اسلاك الكهرباء المنتشرة كشبكات العنكبوت، ولم تعد ترى شيئا من جمال المحلة ونسائها الجميلات وذهب اهلها، يتذكر اباه وهو يرتدي (العرقجينة)  ثم يصعد الربل ويتجه الى الصدرية او الى سوق الغزل، اما الاطفال والصبيان فكانت سينمات شارع الرشيد غير بعيدة عنهم، في تلك الايام كان الجميع يتشاركون في الاحزان والافراح. ان اصالة بغداد متجسدة في هذه المحلات.  وأحلام الناس وطموحاتهم.

العطش مشكلة ليست جديدة
فضلاً عن معاناتها من تفكك نسيجها الاجتماعي والمعماري تعاني محلة باب الشيخ أيضاً العطش الشديد منذ زمن بعيد ومن نقص في الطاقة الكهربائية كذلك يقول محمد فتاح" محلتنا محلة شعبية سكنها الفقراء اكثر من الاغنياء،  فمن بين كل عشرة بيوت قد تجد بيتا واحدا يملك ثلاجة فكان الناس يضعون الثلج في صناديق من الخشب. وفي الوقت الحاضر الجميع يواجه مشكلة كبيرة في الماء، فانت تحلم ان يجري الماء في الحنفيات بشكل طبيعي من دون الاستعانة بالمضخات الصغيرة،  وهذه المعاناة تشمل حتى موقع جامع الشيخ عبد القادر ايضا،  ولقد قام احد المسؤولين هناك بحفر بئر في ساحة فارغة ليستطيع المصلون ان يتوضئوا منه".
قال خليل بهادر،  مواليد 1960 ومن سكنة باب الشيخ كنت  أتمشى مع محمد فتاح في ما تبقى من ازقة المحلة واتذكر ما كتبه فؤاد التكرلي في روايته الشهيرة "الرجع البعيد" لقد كانت احداث تلك الرواية تجري في باب الشيخ ايام حكم عبد الكريم قاسم: ارض الدربونة متعكرة ملتوية مثل حياة ساكنيها" او حينما قال"اشتروا شيئا من الفاكهة وبعض اللوازم الاخرى قبل ان يدخلوا جامع الكيلاني ويخترقوه. لم تكن الشمس قد غربت بعد،وكانت الاشعة الحمراء تلون راس المنارة وبرج الساعة العالي.  وصلوا الى  (قهوة ياس)  واتجهوا نحو الفوهة المظلمة لحي الاكراد.  أزعجتهم رائحة التبغ المنبعثة من الارض المرشوشة بمياه النرجيلات.

المصدر :http://www.mesopotamia4374.com/adad7/9.htm
 
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة