الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
سيدي داود الطائي

في منازل التحقيق والعرفان اسلم الصوفية وجوههم لله واخبتوا الى ربهم فوصلوا إلى مقام الإحسان وتحققوا بقول الرسول الأعظم:: صلى الله تعالى عليه و سلم -: ( أن تعبد الله كأنك تراه ) .. والعبادة على المشاهدة ذروة القلوب والنعيم الذي تتضاءل دونه متع الجنان بأسرها , من أجل ذلك فاز الأولياء – بعد الأنبياء- بمراتب الخصوصية وبالحظ الأوفر من العطاء الإلهي – وألحقنا بهم في الأولى والآخرة .
هناك في تلك الذرى الشامخة من تلك المنازل العالية تربع إمام من صدور الأئمة المحققين والأقطاب الواصلين هو سيدي أبو سليمان داود بن نصير الطائي الكوفي – وعنا به في معيته المشرفة دنيا وأخرى , آمين .
هو احد الكواكب السيارة في أفق الشهود والتجلي الإلهي , واحد من عاشوا لربهم واثروا مولاهم على كل ما سواه فأخذهم منهم إلى حضرته ,وشملهم برداء عزته وخلع عليهم محبته ثم أختارهم أمناءه في خلقه وحفظه على حقه .
على شعاع من نور هذا الإمام المستمد من نور الحقيقة المحمدية نتعايش من خلال التقائنا به في هذا السطور الواصلة بيننا وبينه في وقت نحن أحوج ما نكون الى تمثل ومجد السلف الصالح لنسترد للإسلام سالف مجده وللأمة مكانتها في الصدارة .
 ونتسائل : أين ما حفظه لنا التاريخ عن أعلام السلف من أمثال الإمام الطائي في أسفاره ؟
والجواب : لا شيء إلا أثارة من علم جوانب متفرقة من منهجه الروحي ونزرا يسيرا من كلماته مما لا يفي بمكانة هذا العارف الصوفي ثم لا شيء عن سيرته وحياته الخاصة .
 لذلك سنحاول التقاط الدر من هنا وهناك لننظم في عقد فريد يفي  - في حدود المقدرة- ببعض حقه علينا عوضا عن ظلم التاريخ لحقه في التعريف به .
وقد اختلفت الروايات – اختلافا يسيرا- في سنة ووفاته على حين لم تتعرض لسنة مولده . فالإمام أبو نعيم يذكر في الحلية انه توفي سنة ست وقيل خمسة وستين ومائة هـ .
بينما يذكر الإمام المناوي في ( الكواكب الدرية ) انه مات سنة اثنتين وستين ومائة في السنة التي مات فيها سيدي إبراهيم ن ادهم , وقد عاش امامنا الطائي حياة حافلة بحق , فقد وسعت أمجادا عريضة خلدت ذكره على مر القرون , ويتمثل المحور الأساسي لتلك الأمجاد في الاتصال بالله عز وجل اتصالا بهر أئمة عصره في القرن الثاني ومن وليهم .
 وقد بدأ سيد داود رحلته الى الوصول بالتفقه والإحاطة بعلوم الدين وثقافة الإسلام من تفسير وحديث – رواية ودراية – وعلم كلام ولغة وتاريخ .... الخ .
ويذكر لنا التاريخ انه كان من أكابر أصحاب الإمام أبو حنيفة النعمان , وقد أخذ عنه الفقه واحكمه حتى أنه لا تكاد تطرح مسالة في مجلسه الا ويتصدى لها بالإجابة , وظل يتزود من معين العلم الفياض حتى صار بحرا خضما .
 ثم حين أتقن الوسيلة شرع في الغابة , وهذه رواية تحدثنا عن نقطة التحول وعن سبب تصوف الإمام الطائي وزهده يرويها صاحب الحلية بسنده عن سيدي أحمد بن أبي الحواري تلميذ سيدي أبي سليمان الدارني إذ قال : ( حدثني بعض أصحابنا قال :- إنما كان سبب داود الطائي – أي سبب زهده وتصوفه – أنه كان يجالس أبا حنيفة فقال له أبو حنيفة : يا أبا سليمان , أما الأداة فقد أحكمناها , فقال داود : فأي شيء بقي ؟ قال : بقى العمل به . قال فنازعتني نفسي الى الزلة والوحدة فقلت لها : حتى تجلس معهم فلا  تجيبي في مسألة قال : فكان يجالسهم سنة قبل أن يعتزل . قال فكانت المسالة تجيء وأنا أشد شهوة للجواب فيها من العطشان الى الماء فلا أجيب فيها . قال فاعتزلهم بعد .
 من تلك الواقعة ينكشف لنا ان نقطة التحول كانت لفت كريمة من الإمام أبي حنيفة لسيدي داود .
ولا يفوتنا هنا ان تذكر أن الإمام أبا حنيفة أحد كبار الصوفية وأعلامهم . وقد سلك الطريق الصوفي على يد مولانا الإمام جعفر الصادق  وعنا به , كما لا يفوتنا أن نقرر ان بقية أئمة الشريعة الأربعة :- مولانا الأمام الشافعي , والأمام مالك , والأمام احمد - هم صوفية على المستوى الرفيع للتصوف , وسنتناول الحديث عنهم – من الجانب الصوفي- في صفحات مقبلة بمشيئة الله تعالى .
 ولم يعتزل سيدي داود دروس العلم ومجالس التفقه والدرس ألا بعد ان أصبح أماما عظيم الشأن في مختلف ميادين المعرفة وقد شهد له بذلك أساطين العلماء والفقهاء , فقد قال عنه الحافظ الذهبي رحمه الله :-
(كان أماما فقيها ذا فنون عديدة ثم تعبد وآثر الخلوة والوحدة وأقبل على شانه وساد اهل زمانه ) .
 وقال عنه الامام سفيان بن عينية : ( كان داود ممن فقه ثم علم ثم عمل ) .
 وقد كان سيدي داود من رواة الحديث النبوي الشريف الثقات , وأحد من زخرت بأسانيدهم أمهات كتب السنة والمراجع الحيثية الشريفة , وقد روى الإمام أبو نعيم في الحلية للإمام داود نيفا وعشرين حديثا من مروياته وتحدث عن إسناده قائلا : ( أسند داود بن نصير الطائي عن جماعة من التابعين منهم عبد الله بن عمير وإسماعيل بن أبي خالد , وحميد الطويل , وأكثر روايته عن الأعمش أروى الناس عن داود بن صعب بن المقدام , وروى عنه إسماعيل بن علية وزافر بن سليمان ) .
ومما ذكره الحافظ أبو نعيم من مسانيد الإمام الطائي ما رواه بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه و سلم انه قال :  إن لكل نبي دعوة مستجابة , وأني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي .
 وهكذا حقق العارف الطائي لنفسه مجدا علميا شامخا رأى بعده ان يشرع في الغابة بعد تحقيق الوسيلة , فكان التحول الذي حدث في الواقعة المذكورة أنفا له مع الإمام ابي حنيفة .
وتضيف المصادر روايات أخرى تعلل لمنطلقه الصوفي وكلها متلاقية في الجوهر والمضمون ولا يمنع مانع من تعددها اذ انه حينما تتضافر عدة مؤثرات متفقة فيما بينها على مؤثر فيه واحد يكون الأثر أقوى وأثرى , من ذلك ما ذكره صاحب ( الكواكب الدرية  قائلا : -( وقيل انا سبب توبته : إن أمرأة جاءت الى ابي حنيفة رحمه الله تساله عن مسألة فأجابها فأعجبت بجوابه , ثم قالت : هذا العلم فأين العمل ؟ فأثر كلامها في قلب داود رحمه الله فأعتزل وتعبد فصار عظيم الشأن علما وعملاا وزهدا وورعا ) وثمة روايتان أخريان ذكرهما الإمام القشيري  في رسالته قائلا : ( سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق رحمه الله يقول : كان سبب زهد داود الطائي أنه كان يمر ببغداد فمر يوما فنحاه المطرقون بين يدي حميد الطوسي فألتفت داود فرأى حميدا فقال داود : أف لدينا سبقك بها حميد , 
ولزم البيت وأخذ في الجهد والعبادة !! وسمعت ببغداد بعض الفقراء يقول : أن سبب زهده انه سمع نائحة تنوح وتقول: 
 بأي خديك تبدي البلى
                        وأي عينيك إذا سالا

وانطلق سيدي داود ليحقق رسالة العم بالعمل به وليتسائل مع معاصريه قائلا ( إذا كنا وهنا في جمع  الآلات فمتى يكون البناء ؟) وقد أكد هذا المضمون بقوله ( إنما شرع العلم ليعمل به الطالب فإذا قطع عمره في تحصيله فمتى العمل ؟)
أجل متى العمل ؟ سؤال يفجر الطاقة الروحية في كل قلب سبقت له الرحمة والعناية , فانطلق سيدي داوود بطاقته الإيمانية الكبرى وقد نزع من قلبه كل هم سوى الله , سوى التحبب للحبيب الأعلى بغية الوصول اليه , وأبصر العارف الطائي أنه لابد من بيد بصيرة تقود خطاه على الدرب الصحيح , لا بد له من شيخ وصل الى الله وعرف  معالم الطريق الحق وباشر جهاد النفس وعلم خوافي علل القلب وأبصر سر الرابطة الروحية في تثبيت قدم السائر على الطريق وسرعان ما جمعته العناية بشيخه الذي وصل على يديه , وهو الإمام العارف سيدي حبيب العجمي . كان من أكابر أقطاب الصوفية وقد أخذ الطريق مباشرة عن سيد التابعين كمولانا الإمام الحسن البصري  الذي أخذ بدوره  عن باب مدينة العلم صلى الله تعالى عليه و سلم سيدنا ومولانا الإمام علي كرم الله وجهه , واذن فبين سيدي داود الطائي وبين الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم ثلاثة شيوخ فحسب , ومن ثم يعتبر الإمام الطائي وشيخه سيدي حبيب العجمي  من رؤساء الطريق الصوفي , وعنهما تفرعت الطريقة النقشبندية العلية وسائر الطرق . وألقى الإمام داود بنفسه في الخضم متجردا عما سوى الله , فعزفت نفسه عن الدنيا وأهلها واعتكف لربه ليعبده على صفاء ونقاء , وكانت فلسفة العزلة عنده تتمثل في تمحيض القلب لربه والوفاء بعهده والتلذذ بعبادته .
يروي صاحب الحلية بسنده عن عثمان بن زفر أنه قال : حدثني سعيد قال : كان داود شديد الانقباض , يعالج نفسه بالصمت , وكان قبل ذلك كثير الكلام وكانت معالجته نفسه في ترك الكلام , فأخرجت تلك المعالجة الى التفكر , فبالتفكر ملك نفسه , ولقد جئته يوما قفي وقت الصلاة فأنتظرته حتى خرج فمشيت معه والمسجد منه قريب فسلك بي غير طريقه , فقلت : أين تريد ؟ فسلك بي سككا خالية حتى خرج على المسجد فقلت : الطريق ثمة أقرب عليك , فقال : يا سعيد , فر من الناس فرارك من السبع انه ما خالط الناس احد الا نسي العهد )  ومرده بمخالطة الناس المخالطة القلبية لا مجرد المخالطة الظاهرية لئلا يستشكل بسلوك الأنبياء المعاشرين أممهم والخلفاء الراشدين .
وأنما أثر سيدي العزلة وعدم الخلطة ظاهرا وباطنا لاستجماع كل همه مع ربه  , أما الانبياء والخلفاء الراشدون فلتوفر الكمال الاقصى في الحضور مع الله عندهم : لا تنال منهم الخلطة بحال ويطلق على حالتهم تلك ( الخلوة في الحلوة ) . 
أي أنهم وهم مع الناس في جلوتهم هم في خلوة قلبية مع ربهم .
وقد بدأ سيدي داود بالخلوة الظاهرة ثم ترقى فيما بعد المرحلة الاولية للسلوك الى خلوة القلب . وكلتا الخلوتين في ذروة التصوف ولهما في النهج المحمدي أصل راسخ . فقد أختلى الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه و سلم بربه أولا خلوة ظاهرية وباطنية في غار حراء ثم بعد البعثة الشريفة خالط أمته ولم يزل في تمام حضوره مع ربه .
وكان سيدي داود في فترة سلوكه تلك في عبادة متواصلة وجانبها الاكبر لم يكن يعلم به أحد من الناس حرصا منه على الاخلاص لله تعالى وتحاشي الرياء .فقد ذكر صاحب ( الحدائق الوردية ) أن سيدي داود صام اربعين سنة لا يعلم به اهله : فقد كان يحمل غذاءه معه ويتصدق به في الطريق ويرجع الى أهله ويفطر عندهم عشاء !! 
وكان  يمضي ليله ما بين صلاة وتلاوة قران وتفكر , وكان استغراقه في عبادته ينسيه الوجود وما حواه , يقول معاصروه أبو خالد الطائي : ( ذهبت انا وأبي الى داود الطائي نسلم عليه – او في شيء- فرأيته يصلي فوقعت شرفة ممن المسجد , فوقعت بالقرب منه , فما رأيته تأهب لها بل أقبل على صلاته ) !
 كان كل حرصه على قضاء انفاسه في الطاعة ونبذ كل ما يعطل عن العبادة أيا كان .
 يروي الإمام القشيري بسنده عن أسماعيل بن زياد الطائي قال : فالت داية – أي جارية- داود الطائي ما تشتهي الخبز ؟؟ - وكان طعامه الفتيت المبلول – فقال : ( بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسن آية ) !!
وهذه صورة وصفية لحاله بالليل يرويها الإمام ابو نعيم بسنده عن اسحاق السلولي قال ( حدثني أم سعيد بنت علقمة – وكان سعيد من نسالك الخلع وكانت أمه  طائية _ قالت :- كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير فكنت أسمع حنينه عامة الليل لا يهدأ , قالت : ولربما سمعته في جوف اليل يقول :- اللهم همك عطل على الهموم وحال بيني وبين السهاد , وشوقي الى النظر اليك منع مني اللذات والشهوات , فأنا في سجنك ايها الكريم مطلوب – قالت- ولربما ترنم في السحر بشيء ن القران فأرى ان جميع نعيم الدنيا في ترنمه تلك الساعة قالت : وكان يكون في الدار وحده , وكان لا يصبح – نعني لا يسرج .  
وكان سيدي داود بريا بهمته ان تمتد الى شيء من حظوظ النفس حتى الصباح منها طالما كان مجردا من العبادة , يقول جبر بن مجاهد : مرض داود الطائي فقيل له : لو خرجت الى روح -أي مكان راحة وهواء- يفرح قلبك ؟ قال أنسي أستحي من ربي أن أنقل قدمي الى ما يه راحة لبدني !!
وأما زهده في الدنيا وتقشفه : فقد كان مضرب الامثال , يروي صاحب الحلية عن عثمان بن زهر قال : أخبرني ابن عم لداود قال ( ورث داود الطائي عن ابيه عشرين دينارا فأكلها في عشرين سنة , كل سنة دينارا منه ويأكل منه ويتصدق , وورث بيتا وكان يكون فيه لا يعمره , كلما خرجت ناحية تركها وتحول الى ناحية أخرى , فخرب البيت كله إلا زاوية منه يكون فيها ) وتحدث سيدي عبد الوهاب الشعراني  وعنا به عن سيدي داود في طبقاته فقال : 
( كان كبير الشأن في باب الزهد والورع حتى أنهم دخلوا عليه في مرض موته فلم يجدوا في بيته شيئا غير دن صغير فيه خبز يابس , ومطهرة , ولبنة كبيرة من التراب هي مخدته وكان يقول : إياكم أن يتخذ أحدكم في داره أكثر من زاد الراكب الى البلاد البعيدة .
 وروي عن سيدي أحمد بن أبي الحواري أنه سمع شيخه أبا سليمان الداراني يقول ( أقام داود الطائي أربعا وستين سنة أعزب فقيل له : كيف صبرت على النساء ؟ قال : قاسيت شهوتهن عند إدراكي سنة ثم ذهبت شهوتي من قلبي – قال أبو سليمان- فترى أنه من صبر عنهن عند أدراكه سنة لم يعرفهن حلالا ولا حراما , أنه يكفي مؤنتهن ) . وكان سيدي داود مع شدة زهده وتقشفه جوادا كريما لا يقاس بجوده  وكرمه , وتلك هي سمات الصوفي الحقيقي , يروي سيدي أبو نعيم أن ابا سعيد السكري قال : ( أحتجم داود الطائي فدفع دينارا الى الحجام فقيل له : هذا إسراف . فقال : لا عبادة لمن لا مروءة له ) !! كما يروي الإمام ابو نعيم بسنده عن قبيصة انه قال : ( حدثني صاحب لنا ان امراة من أهل داود الطائي صنعت ثريدة بسمن ثم بعثت بها الى داود حين افطره مع جارية لها – وكان بينها وبينهم رضاع – قلت الجارية- فأتيته بالقصمة فوضعتها بين يديه في الحجرة . قال : فسعى ليأكل منها فجاء سائل فوقف على الباب فقام فدفعها اليه وجلس معه على الباب حتى اكلها ثم دخل فغسل القصمة . ثم عمد الى تمر كان بين يديه قالت الجارية : ظنت انه كان أعدم لعشائه فوضعه في القصعة ودفعها إلي وقال : أقرئيها السلام قالت الجارية : ودفع الى السائل ما جئنا به ودفع الينا ما اراد أن ينظر عليه , قالت وأظنه ما بات إلا طاويا !! قال قبيصة : كنت أراه قد نحل جدا ) .
تلك هي مثاليات التصوف وأخلاق الأولياء التي ورثوها عن سيد الانبياء صلى الله تعالى عليه و سلم , ولا يقدر عليها الا وهم وحدهم , أما من ينظر إليهم بعين لانتقاد وينكر عليه من ذوي القلوب المدنسة بأوحال الدنيا الارقاء لشهواتهم وظلمة طبعهم فحبسهم وجهالتهم وللأولياء البصيرة وكفاهم ظلمتهم وللأولياء النور والرضوان !! 
وأما عن منزلة سيدي داود في مقام الخوف من الله تعالى فهي الذروة الشامخة لقد كان مع انقطاعه الكامل الى الله في العبادة وإخباته وتبتله يقول : ( سبقني العابدون وقطع بي والهفاء ).
ولقد روي عنه سيدي إبراهيم بن أدهم  انه كان يقول : ( إن للخوف تحركات تعرف في الخائفين , ومقامات يعرفها المحبون , وازعاجات يفوز بها المشتاقون , وأين أولئك ؟؟ اولئك هم الفائزون ) ولقد كان يفرق قلبه عند تذكر المعصية ؟ يقول مؤلف ( الأنوار القدسية في مناقب السادة النقشبندية ) :- ( ومر داود يوما بموضع فلما وقع نظره عليه خر مغشيا عليه فحمل الى منزله , فلما أفاق سئل عن ذلك فقال : تذكرت اني أغتبت رجلا في هذا الموضع فذكرت مطالبته أياي بين يدي الله عز و جل فلم أملك نفسي لأجل ذلك ) .
 ليت شعري أين تلك الأخلاق الآن , وأين اتقاء الله  الى هذا الحد الذي لا يحد تصور ؟؟ أنه الخوف والإجلال والتعظيم والخشية , لقد ظل العارف الطائي على خوف دائم من ربه حتى لحق به , لقد مات من شدة وطأة هذا لخوف على قلبه يروي الحافظ أبو نعيم بسنده عن حفص الجعفي انه قال :
( اشتكى داود الطائي , وكان سبب علته أنه مر باية فيها ذكر النار فكررها مرارا في ليلته فأصبح مريضا فوجدوه قد مات ) وهنا ملحظ نود ان نشير اليه : ذلك أن سيدي داود بعد ان ترقى الى ذروة تمكينه واكتمل صوفيا كان مناط خوفه إنما هو الحجب عن الله عز و جل وجل كما ان مناط رجائه هو الوصول بلا انقطاع , وهنا حين مر باية فيها ذكر النار استثمر حال أهلها من الحجاب عن الله عز و جل  فاكل الخوف قلبه مولاه اليه الى الابد في وصال دائم فالخوف ثمة كان من رب النار لا من نفس النار .
ثم ثمة ملحظ هو انه مع هذه المنزلة في الخوف كانت له منزلة لا تقل عنها في الرجاء وحسن الظن بالله تعالى , فقد كان  يقول : ( ما نعول الا على حسن الظن , فأما التفريط غهو المستوى على الأبدان ) لقد ظل يتهم نفسه بالتفريط في جنب مولاه رغم بذله ما أتعب من بعده , ومع ذلك الاتهام كان الرجاء الواسع حتى خرج من سجن الدنيا . يقول صاحب الرسالة القشيرية ( ولما توفي داود رآه بعض الصالحين في المنام وهو يعدو فقال له : مالك ؟ فقال : الساعة تخلصت من السجن فأستيقظ الرجل من منامه فارتفع الصياح بقول الناس : مات داود الطائي ) .
لقد أمضى حياته محبا لله حتى لحق بحبيبه وعن منطقه في المحبة : يروي صاحب الحدائق الوردية عنه أنه قال ( رأيت وليا من أولياء الله تعالى فقلت له : متا غاية بلوغ محبة الله من قلبك ؟ فقال : لو جمل حساب الخلائق كلهم معي لسرني ذلك ورغبت فيه فقلت له ولم ذاك ؟ قال يا داود , وهل للعبد مقام أشرف من وقوفه بين يدي الله عز و جل)  , ذلك هو منطق المحبة الذي كان سيدي داود يتمثله حتى أسر الحب قلبه وملك الشوق روحه .
كان مقام سيدي داود الطائي شامخا في ذروة الأولياء العارفين والأقطاب الواصلين , وشاهد ذلك – فوق ما قدمنا – هو نظرة أئمة عصره اليه وأقوالهم فيه وموقفهم منه . لقد كان سيدي سفيان الثوري – وهو من هو – يعظم شأن سيدي داود الطائي ويجلس اليه مستنصحا , وكان إذا ذكر سيدي داود أمامته يقول : ( أبصر الطائي أمره ) .
ولقد التقى سيدي بالإمام سفيان الثوري فقال له : ( إذا كنت تشرب الماء البارد وتأكل اللذيذ المطيب وتمشي في الظل الظليل فمتى تحب الموت والقدوم على الله ؟ فبكى سيدي سفيان ) .
وأما الإمام عبد الله بن المبارك فكان يقول ( وهل الأمر إلا ما كان عليه داود الطائي ؟) ويروى عن سيدي محمد بن بشر أنه قال : ( قدم علينا داود الطائي من السواد فكنا نضحك منه , فما مات حتى سادنا ) ! واكثر من ذلك ان كبار أقطاب التصوف وسادته كانوا يأتون الى سيدي داود بعد أن أنقطع لربه فيلقونه تارة او يقفون على بابه تارة أخرى وهو يطلب منهم إلا يلقاهم لانشغاله الكلي بالله ! يروي صاحب الحلية عن عبد الله بن خبيق انه قال : أتى فضيل بن عياض داود الطائي يعوده فقال له : ( أقلل من زيارتي فإني قد لقيت الناس ) كما روى في الحلية عن ابي اسامة انه قال : ( جئت أنا وابن عيينة داود الطائي فقال : جئتماني مرة فلا تعودوا الى ) !! وكان الإمام  ابن السماك , واعظ الدنيا آنذاك يأتيه ويستوصيه فيروي أنه قال : أوصاني أخي داود بوصية : ( أنظر ان لا يراك الهه حيث نهاك وان لا يفقدك حيث امرك , أستح في قربه منك وقدرته عليك ) .
وعرفت الدنيا كلها نصائح سيدي داو وحكمه الربانية وكلماته التي دوت في سمع التاريخ لتثير دياجي القلوب وحوالك النفوس .
 كان يقول : ( كفى باليقين زهدا وكفى بالعلم عبادة , وكفى بالعبادة شغلا ) والعلم هنا هو العلم بالله عز و جل الذي هو ثمرة التقوى .
واتاه يوما رجل من اهله فقال له يا أبا سليمان قد عرفت الرحم بيننا فأوصني ... قال : ( فدمعت عيناه ثم قال لي : ( يا أخي , انما الليل والنهار مراحل تنزل بالناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك الى آخر سفرهم , فان أستطعت ان تقدم في كل يوم مرحلة زادا لما بين يديه فافعل , فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو والامر اعجل من ذلك , فتزود لسفرك وأقض ما أنت قاض من أمرك فكأنك بالأمر قد بغتك , إني أقول هذا وما أعلم أحدا أشد تضييعا مني لذلك ثم قام ) .
ومن روائع حكمه قوله : ( مااخرج الله عبدتا من ذل المعاصي الى عز التقوى إلا أغناه بلا مال , وأعزه بلا عشيرة , وأنسه بلا انيس ) , وكان يقول : )  لا تمهر الدنيا دينك فمن أمهرها دينه زفت اليه الندم ) .
وعلى يد هذا الإمام الذي سطعت في قبه إشراقات الكتاب والسنة واستغرقته الأنوار المحمدية تربى صفوة صوفية عصره . وحسبنا ان نذكره انه تربى على يديه الإمام العارف سيدي معروف الكرخي وهو شيخ الإمام السري السقطي الذي هو سيخ سيد الطائفة الصوفية الإمام الجنيد وعنا به أجمعين .
وعن سيدي داود الطائي وتلامذته تفرعت طرق التصوف بسلاسلها المختلفة المنتهية الى سيد الطائفة , وقد تسلسلت من سيدي داود الطائي الطريقة النقشبندية العلية التي أنتهت في عصرنا هذا الى الإمام الرباني والقطب الرباني شيخي وجدي وقدوتي الى الله تعالى سيدي الشيخ جوده ابراهيم   وعنا به , الكائن ضريحه بمنيا القمح شرقية فهو أحد من رفعوا لواء الطريق الى الله وقادوا القلوب على دب النور , وعنه تلقى والدي سيدي محمد أبو اليزيد المهدي هذه النسبة النقشبندية المباركة , اسأل الله تعالى ان يلحقني بركبهم الاسعد في الدنيا والاخرة .
ولعله يجدر بنا ان نذكر طرقا – ولو يسير من كرامات شيخنا الاامام الطائي : يروي صاحب الحلية بسنده عن عبد العزيز بن محمد , قال : ( رأيت فيما يرى النائم كأن قائلا يقول : من يحضر من يحضر , فأتيت أسألك عن معنى كلامك فقال لي : أما ترى القائم الذي يخطب الناس ويخبرهم عن أعلى مراتب الاولياء , فأدرك فلعلك تلحق وتسمع كلامه قبل أنصرافه , قال : فأتيته فأذا الناس حوله وهو يقول : 
 ما نال عبد من الرحمن منزلة
                       أعلى من الشوق الى الشوق محمود

 قال ثم سلم ونزل فقلت لرجل الى جنبي من هذا ؟ قال أما تعرف ؟ قلت لا . قال هذا داود الطائي , فعجبت في منأى منه , فقال اتعجب مما رأيت ؟ والله الذى لداود عند الله اعظم من هذا أو أكثر !! وروى صاحب الحلية ان احمد بن شراعة قال : ( كنت أسيل الماء بالليل فرأيت عند قبر داود الطائي سراجا . قال فذهبت أنظر اليه ف‘ذا هو قد ذهب . ثم قال عدت الى تسييل الماء , فإذا أنا بالسراج فذهبت فغاب ! حتى فعل ذلك ثلاثا . قال ثم نمت فرأيت فيما يرى النائم كأن انسانا يقول : لا تسبل الماء عند القبر ولا تدن منه , قال فلم أقبل – قال الراوي عنه : فابتلى فرأيت به اسل حتى مات ) .
 نعوذ بالله من مخالفة اوليائه ومن التعرض لهم ونسأله تعالى أن يزقنا حبهم وحب من يحبهم دنيا ولآخرة .
وروى الإمام المناوي أن سيدي داود قال : ماتت أمراة بجواري ولم يكن لها كبير طاعة . فقيل لي يا داود أطلع على قبرها , فاطلعت فرأيت فيه نوراَ عظيما وفرشاَ وطيئة وسرراَ عالية , فقلت : بم استوجب هذا ؟ فنوديت : استاذنت بنا في سجدتها فآنسناها في وحدتها ) .
إنه الكشف والمعرفة والكرامة لمن كرمه ربه واصطفاه لمعرفته .
هذا هو الإمام العارف سيدي داود الطائي الذي أغترف من بحار النور المحمدي فأستنار وأنار السبيل للسالكين من بعده . فرضى الله عنك يا سيدي داود في أعلى مراتب الاولياء العارفين ورضي الله عنا بك ومن علينا بمعيتك المشرفة في الدنيا ويوم الدين ببركة النبي الكريم صلى الله تعالى عليه و سلم اللهم آمين .َ 
 

المصدر : أ.د. جودة محمد ابو اليزيد المهدي - بحار الولاية المحمدية في مناقب اعلام الصوفية - ص 92-105 .  
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة
الاسم: الدرويش      البلد: مصر       التاريخ: 19-06-2007
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى أهل بيته ومن والاه ..
وبعد
جئت اليوم إلى هذا الموقع المبارك .. لأسجل عظيم شكري وتقديري .. بل وإحساسي بالجميل والعرفان .. لإسم الكسنزان ..
ما أكثر ما شربت من موسوعته وما رويت .. ونشرت في دار الإيمان وغيرها من المواقع والمنتديات .. وكأني أخذت رشفة من بحر الحقيقة .. رغم مرور ما يقرب من العام على عمل وجهد متواصل .. وكأني بدأت طريقا ما لي قوة للوصول لمنتهاه .. فكان لزاما على أن أقرب ببديع جميل مصنوع في وفي أمثالي من طالبين العلم .. وكأني أقف على ساحل بحر ما لي بمداه بصر .. فكم قرأت في الموسوعة الكسنزانية بقلبي وروحي قبل عيني .. وكأنها مصنوعة من يد قدير إلى طالب علم فقير ..
بارك الله فيكم ونفع بكم الأمة
الدرويش

الاسم: محمد حسين      البلد: سوريا       التاريخ: 03-10-2013
هذا حال رجل صالح مشهور يسلم له ....وإنما سار على هذا الطريق الخوف شديد من الله عزوجل وغلب عليه هذا الشعور اكثر من الرجاء لذلك يجب أن نقدر مقامه العالي

الاسم: rawdah      البلد: jordan       التاريخ: 02-03-2014
thank you very much
يسلمو ايدك الموضوع مميز بس لو كان مختصر شوي


أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة