الرئيسية     نداء الى العالم     مختارات مترجمة    الارشيف     اتصل بنا
ماهية الخلق في ميزان الأعجاز

نصر الدين بيبرس
الأردن

عندما يتسائل المرء لماذا نتواجد  بتواجد الكون، بدل ان لا نتواجد ؟ ما معنى هذا التواجد  ولماذا نكون مقابل ان لا نكون؟  كذلك من نحن ؟ ومن هو هذا الكون؟ هل هناك غاية أم ندرك ان كل سطر خارق، في أعجاز الخلق المتوالي بتدفق عجائب الاعجاز، وكأن كل جزيئة تخلق تقدم آية، لا نهاية لبطون سرها بأسرار، تحطيم العدم بكل آن، الظاهرة كموجة إنجاز خارقة في بحر الاعجاز ! ولعل عنوان البحث يتجلّى بهذه الأقوال:
أقول : عندما تدرك ان كل عمر الكون من الذرات المقدر / ما بين اثنا عشرة إلى اكثر بقليل، مليار سنةٍ، لا يستطيع تقديم خلية حية واحدة، عن طريق التطور الذاتي، بل لا بد من ضرب هذا الرقم بعشرة قوة آلف … وهذا عين الحال.. وعندما تدرك تزايد اكتشاف المليارات من المجرات !!! وعندما تدرك أن قوة العقل عند الإنسان، لا نستخدم منها الان الا بحدود الخمسة بالمائة، وعندما نعرف ان الكون المرئي. هو بحدود الخمسة بالمائة تقريباً من الكون اللامرئي !! وهناك التزايد في رصد انهمار آيات الكشف، من تجارب العلوم المتنوعة وخصوصاً تطور علوم الأفلاك، وعلوم الحياة وعلوم الإدراك، حيث ندرك العظمة المتعاظمة لماخية الخلق الباطن بالإعجاز، والظاهرة بالمعاني العلمية والفلسفية …والصوفية والمنطلقة بكل البيان، حيث العلم بثورات بيان الأحكام، فلا يكتفي بأن الحياة فوق كل الكون، بالتفسير وان الإدراك بالحياة عند الإنسان فوق كل الحياة، وان ما نكتشفه كونياً، عبر ألوان العلم وخصوصاً الفيزيائية الحديثة.. مذهلا وان العلم يثوّر اليوم، جمال الكون البسيط ولكنه خارق ببساطته تلك فوق كل الخيال، لا يستطيع تخيل غربته بالإدراك أحد، وكأن قول الغزالي : ليس في الإمكان أبدع مما كان! عملاق في دلالته.. بمفهوم الحرية والحتمية اللذين هما سماء هذا القول.. أو ليس التوسع يستمر بالكون، وبهذا يتفسح الإدراك بهذا التوسع.. أو ليست التجارب الكوانتية، توقن بإتصالية الزمكان ومشاركة المجرب بنتائج التجارب المحيرة والمفتوحة بالاحتمالية الفوق عقلية !!! كيف نقارن انفتاح الحرية وهي تتغلغل بمعاني التكون في هذا الكون وكأن الكون يتغير كله بكل آن، حيث لا دخول أو خروج من هذا الآن كما في مستوى الجزئيات أو الذريات !! ومع قيام الحتمية بمستوى الفضاء والمجرات.. كيف نحن مع فضاء الشعور.. ومع الشعور بالفضاء، كممنصات تسارع متصاعدة برحلات العلم بين الكواكب واحكام الفلسفات واذواق صوافي الرؤية الصوفية.. حيث نلمح ملامح الاعجاز، عبر العلم الذي يتأسس فوق معادلته القادمة الواحدة، من معادلاته المفسرة لكل قوى الكون وانفعالاته، وعبر الفلسفة التي تنسج فراش الكون وغطاؤه من رؤيتها المتواثبة من نماذج وتشكيلات العلم، وعبر صفاء رؤية الرؤيات الصوفية، بما يذاق وينقال وما لا يمكن فيه الأقوال بعد المذاق ! وكأن العلم يتجاوز ذاته بكل جديد المتدفق، وكأن الفلسفة تطير من شرنقتها بطيرانها الباحث المنهمر، وكأن الصوفية تتجدد بدوام التخلقات، حيث يكون الكون  بكل هذه المواقف والأحوال، بحدائق الحقائق وأزهار الأفكار والكل في انهمار الانهيار انهمار الأعجاز لماهيات الخلق وانهيار أحكام الإدراك، لتعالي الاعجاز لذلك قال نيوتن عملاق الجاذبية: "علمت أني لا اعلم" وقال الواقف مع ربه النفّري الصوفي: "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة".. كذلك إذا كان الكون نموذجاً عالياً للخلق، متجداً بالمكان والزمان فها هي الفيزيائي الحديثة توضحه، بأنه كون دنياميكي لا يمكن تفكيكه، فهو دائماً يشتمل على المراقب بطريقة مبدئية. وفي هذا لا تبقى المفاهيم التقليدية، عن المكان وعن الزمان، وعن الأشياء المنفصلة وعن السبب وعن النتيجة وتلتقى بهذه الحالة تجارب الصوفية الكبار، كسلطان العارفين إبن عربي، فهو يعتبر ان الإنسان هو روح العالم، وكأن العالم جسد لا ينبض الإ بوجود  الإنسان، وهو عالم علاقات ونسبً وإضافات، وصفات وأحوال وحقائق مفردة تتركب كما تتركب الكلمات من حروف، حيث كل كلمة تقابل موجوداً !! ولأنه في البدْ كانت الكلمة، وكل هذا الكون المتفجّر المتوسع بدأ باللحظة (10)- 43.. حيث لا تُمكن قراءته الا من كلمة بدء الخلق، وهذه بدأت بالقول الجبّار.. كن.. فظهر الكون  من أمر إعجازي فوق كل الادراكات ! هذا الأمر المذهل ارتدى الشيئية الزمانية المكانية، وهو غيرها ! لذلك ان مفهوم الانفجار الأعظم الذي بدأ به خلق للكون ، يظهر الفيزياء بعد ثبوته، وبالتقاط توسعه وامواجه الخلفية الميكروية المرصودة من كل الجهات، ويبطن الميتافيزياء وكأنها شجرة عملاقة سقطت منها ثمرة اسمها الكون المتواسع. وكأن لسقوطها وارطامها ذلك الصوت وتلك الأمواج وكأن كل ذلك يتدفق بالخلق الجديد.. يقول العارف بالله الكاشي عن الخلق الجديد: "هو اتصال إمداد الوجود من نفس الرحمة إلى ممكن الانعدامة بذاته مع قطع النظر عن موجده، وفيضان الوجود عليه على التوالي حتى يكون في كل آن خلقاً جديداً لاختلاف النسب الوجودية إليه مع الآنات واستمرار عدمه في ذاته …". لنلاحظ أوجه التلاقي بذلك بين الصوفية والعلمية الكونية الحديثة ! يقول العالم الكبير هيزنبرغ : ردة الفعل العنيفة على التطور الحالي للفيزياء الحديثة لا تُفهم إلا عندما يتحقق المرء أن أسس الفيزياء الحديثة، هنا قد بدأت تتحرك وأن الحركة سبب الشعور ان الأرض قد غابت عن العلم.. كذلك عاني اينشاين عندما اتّصل لأول مرة بالواقع الجديد للفيزياء الذرية، كتب في مذكراته : كل محاولاتي لتكييف أساس الفيزياء النظرية، مع هذا النمط الجديد من المعرفة … فشلت فشلاً ذريعاً.. إن المرء يشعر كأن الأرض انسحبت من تحت دورانه، فلا يرى مكاناً يمكن ان يبني المرء عليه أساساً ثابتاً … وبهذا نفهم معنى مشاعر رجال الصوفية، مثل النفري عندما يقول في موقف من مواقفه: "أوقفني وقال لي : الكون موقف.. وقال لي كل جزيئية من الكون موقف.. وقال لي الوسوسة في كل موقف، والخاطر في كل كون.. وقال لي طافت الوسوسة على كل شيء إلا العلم.. وقال لي العقود قائمة في العلوم.. والوسوسة تخطر في أحكام العلوم". 
كذلك يقول في إحدى مخاطباته : "يا عبد لو كشفت لك عن علم الكون، وكشفت لك في علم الكون عن حقائق الكون، فأردتني بحقائق أنا كاشفها، أردتني بالعدم، فلاما أردتني به أوصلك إلي، ولا ما أردته لي، أوفدك إلي. وهذه النظرة إلى المادة تلتقي علمياً بحداثتها وغربتها صوفيا فالأشياء تستمد وجودها وطبيعتها من التبعية المتبادلة بعضها لبعض وهي لا شيء بحد ذاتها. ولعل هذا ما توضحه مقولة هيزنبرغ:  "العلم الطبيعي لا يصف ويشرح الطبيعة.. ببساطة انه جزء من التفاعل بين الطبيعة وانفسنا.." نعم إننا والكون أبدعنا الله سبحانه حرية واعجازاً مستمراً وكائننا رسائله … كي نقرأها حق القراءة له حيث كل قراءة علمية وفلسفية وصوفية … لا تستطيع  الا أن تعبر عن حالها ومقامها في هذا الحق الذي اسمه من الأسماء الإلهية الحسنى. فتدرك بهذه القراءة العظمة المتعاظمة للإدراك ذاته المصوب للكون ولذاته فتعرف أنها تحيا وتقوم بقيومية الله الحي القيوم حيث تنتعش بما كية الله سبحانه للملك وترتعش بجلالية الله  جل جلاله.. هكذا عبر - هوى نتغ - بقوله : "الهدوء المطلق هو اللحظة الحاضرة، ومع هذه اللحظة هي الحاضرة، فإنه لاحد لهذه اللحظة فهنا تكمن العنبطة الأبدية" وعبر - سوامي فيفكافادا - بقوله : 
"الزمان والمكان والسببية مثل الزجاج يظهر المطلق من خلاله.. في المطلق لا يوجد زمان ولا مكان ولا سببية" إذن إن ما نسميه عالماً خارجياً يقترب من كونه صناعات للعقل فمن علقنا تنبثق أشياء لا عدلها مرتبطة بالتماييز ويقبل الناس بأن هذه الأشياء هي عالم خارجي، وما يظهر خارجاً لا وجود له في الواقع أنها في الحقيقة العقل الذي يرى هذا التعدد الكثير فالجسد والملكية والفوق كل هذا أقول عنه انه لا شيء سوى العقل. وهذا الفهم هو الذي انتهي اليه (برغسون) كذلك ندرك ان كل جسيم يتضمن كل الجسيمات وان وان الواحد في الكل والكل في الواحد وان التصوير الهولوغرافي الليزري الثلاثي الأبعاد، يكشف ذلك مثلما عبر عنه الشاعر وليم بليك "ان ترى العالم في حبة رمل والسماء في زهرة برية وتمسك اللانهاية في راحة يدك وتعصر الأبدية في ساعة"  إذن هذا هو إعادة اكتشاف قول : (ابن عربي) 
أتدرى انك جرم صغير
                       وفيك انطوي العالم الأكبر
 
وبدوري أقول ان قول الله سبحانه فتبارك الله احسن الخالقين هو الذي يحتاج من الإنسان الخالق مجازاً اقل من قطرة بالنسبة إلى البحار مع حضرة البديع الخالق الأعظم يحتاج إلى تعلق وتحقق وتخلف في الإبداع والخلق كالبحار وبالاستمرار، حيث لا تتناهي مشاعر الاعجاز كرسائل أرسلها ماهية الخلق بكل اختراق الامتياز للإنجاز وكأن الخلق متحف مترامي بكل الآفاق وبكل لوحات العظمة المتجلية بالعلوم والفلسفات والأذواق المتجددة على الدوام وكل ذلك في ميزان الاعجاز حيث سنتفاعل معه بإخلاص القراءات فنغمر ببحار الحقائق ونحن نحيا حق الحياة ونرتوي بأعذب المذاقات ! ونتنفس بأزهار الأفكار.وعند ذلك ندرك ان العبادة لله سبحانه هي في معرفته الروحية، حيث رجحت ماهية الخلق ميزان الاعجاز بكل امتياز. 


المراجع: 
1 - المواقف والمخاطبات للنفري .
2 - الفتوحات المكية لابن عربي.
3 - الطاوية والفيزياء الحديثة لفر يتجوف كابرا
4 - العوام الأخرى لبول ديفيس .
5 - معجم المصطلحات الصوفية د. فؤاد ابي خزام .
6 - الوجود الحق والخطاب الصدق  عبد الغني نابلسي 
7 - الله والعلم لجان عنيتون .
8 - الكون لكارك ساغان .
9 - خلق الكون بين العلم والايمان,  د. محمد باسل الطائي. 
10- رسائل ابن عربي  مجموعة كتب صوفية .



المصدر:tp://ctaps.yu.edu.jo/physics/camnst/Abstracts/NBaibars.htm
الرجوع الى بداية الصفحة     نسخة للطباعة

أضف تعليقا
الاسم
البلد
البريد الالكتروني
التعليق
اكتب الارقام الظاهرة في الصورة