موقع الطريقة العلية القادرية الكسنزانية

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً



عقد في مدينة القسطنطينة موئل المقاومة الوطنية، وحاضرة التصوف الاسلامي، مدينة الجسور المعلقة والجبال الشماء الجميلة، في القطر الجزائري الشقيق، الملتقى الدولي بطبعته التاسعة تحت عنوان ( طرق الإيمان ) والذي ينظمه المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الانسان والتاريخ . للفترة من 19-21 كانون الاول 2012 .
وقد تمحورت بحوث الملتقى تحت محاور المواضيع التسعة التالية :
1- التصوف وحب الوطن
2- التصوف والحرية
.
3- التصوف والعدالة
.
4- التصوف والمرأة وحقوق
الانسان .
5- التصوف والبيئة
.
6- التصوف والديمقراطية
.
7- التصوف والمدينة
.
8- التصوف والشباب
.
9- التصوف
والاعلام .

هذا وقد وجهت الدعوة الى باحثي الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، فشكل وفدً بأمر من حضرة السيد الشيخ محمد الكسنزان(قدس الله سره)  برئاسة أ.د. عبد السلام بديوي الحديثي وعضوية  أ.م.د. جعفر عليوي الخفاجي  و د. محمد فاضل الحديثي لحضور المؤتمر والمشاركة في القاء البحوث .
افتتح المؤتمر صبيحة يوم الثلاثاء 19/12/2012  بكلمة ترحيبية من الاستاذ سليمان  حاشي– رئيس المركز الوطني للأبحاث في عصور ما قبل التاريخ و كلمة الاستاذ الدكتور زعيم خنشلاوي – المشرف العلمي على الملتقى وأخرين، بحضور عدد كبير من الباحثين المرموقين من عدد كبير من دول العالم، العربية، والاسلامية، والعالمية المختصين بهذا المجال .

وقد عرض الدكتور عبد السلام بديوي يوسف بحثه  ..( التصوف وتربية الشباب )  وخلاصته: 
الشباب ذلك القطاع المهم ، والحيوي والنشط والمحرك في المجتمعات ، والذي أصبح القوة الفاعلة في التغيير , يعيش في قرن أصبحت فيه الطفرات العلمية واسعة جدا , والمخترعات والاكتشافات متسارعة وكبيرة جدا ، أثرت تأثيرا سلبيا وإيجابيا على سلوك الشباب في عين الوقت , وأصبحت الغالبية الغالبة من الشباب تعيش عصر التحرر والتمرد على القيم والتقاليد والأعراف والدين والذي هو المصدر الأهم في التربية الحديثة في مجتمعنا الإسلامي . إن بحثنا يجيب عن السؤالين التاليين : هل التصوف قادر على تربية الشباب تربية صوفية روحية قادرة على سد المنافذ التي يدخل منها فساد الأخلاق والقيم ، و ( التصوف كله أخلاق فمن زادك في الأخلاق زادك في التصوف ) و ( العلو إلى كل خلق شريف ، والعدول عن كل خلق دني ) ؟ ثم ، هل التصوف قادر على توجيه الجيل الجديد إلى حب الحياة وإعطائها قيمتها الأخلاقية والعمرانية والحضارية ، وتأدية رسالته في استقامة الشباب على الوسطية بعيدا عن التعصب والتشدد والإفراط والتفريط ؟ إن منهج التصوف والذي هو منهج الرسول الأعظم صلى لله تعالى عليه وسلم والأنبياء من قبله هو المنهج الذي يمكن أن ينهض بهذا العبء - كما يطمح إليه مجتمعنا العربي والإسلامي.

وقدم د. جعفر عليوي الخفاجي بحثه .. ( التصوف وجدلية الصراع بين العبودية والحرية ) وخلاصته :
لقد تناول مفكرو الإسلام موضوعة الحرية كل حسب منطلقاته المعرفية ، فعلماء الكلام من جهتهم حددوا حقل بحثهم ضمن نطاق ما هو سياسي / عقائدي ، منسجمين بذلك مع متطلبات عصرهم المفعم بكل أشكال الصراعات الاجتماعية . وأما الفلاسفة فقد انحازوا إلى الحقل الطبيعي (الفيزيقي) باحثين وضمن حدود العقل والمنطق عن مناسيب الحرية / القهر ، في أصل خلقة الإنسان ووجدوه الطبيعي . أما مع المتصوفة فقد تناول البحث عن حرية الإنسان مديات جديدة سبرت معها أغوار طبقات النفس بنوازعها وأهوائها واقتحمت عوالم الروح بأسرارها وخفاياها  إنها حرية أخلاقية عملية تعنى بالدرجة الأولى بضبط شهوات النفس مع السعي الحثيث لبلوغ درجات  العبودية القصوى لله تعالى والتي  هي وجه من اوجه حرية الانسان من حيث انها انعتاق تام من رق الاغيار وتمكن من أسرار كيمياء السعادة الأبدية .

وقدم د. محمد فاضل الحديثي بحثه ...( المرأة في الموروث الصوفي ) تطرق فيه :
إن التصوف الإسلامي لم يفرق بين المرأة والرجل إلا بالعمل الصالح ، ووقف موقفا متحضرا من المرأة المسلمة الصالحة العابدة ، وساعدها في دفع طاقتها الروحية نحو الاعتصام بحبل لله المتين ، ومواكبة حركة الحياة الدائبة في كل يسر ، ومشاركة مجتمعها الإسلامي في شتى المجالات ، والعمل على رقيه ورفعته ، فلقد استحقت السيدة خديجة والسيدة فاطمة الزهراء لقب سيدة نساء العالمين وللمرأة الصوفية الدور الكبير في تربية الأجيال المسلمة ، فهي المربية الصابرة المتحملة للأذى . لقد أضافت المرأة إلى الموروث الصوفي قدرا طيبا من أقوال القوم وتجلياتهم ، جاءت على لسان كثير من العابدات الصوفيات من كلامهن أنفسهن ، أو من كلام سمعنه من رجال الصوفية ومشايخهم ، مما لا تجده في كتب التراجم والطبقات.
هذا وقد ألقى باحثون مرموقون بحوثهم في المؤتمر أمثال – أ.د.أمين يوسف عودة  ، و أ.د . ليلى خليفة من الأردن الشقيق والاستاذ الدكتور محمد معتز السبيني والأستاذة شيرين دقوري من سوريا , والدكتورة روضة محمد محمد كولوا من السودان , والاستاذ خالد الرشد من روسيا والأستاذة ثريا اقبال من المغرب , ومن تركيا دوغان قبلان , وإمام وردي حميدوف من أذربيجان , وغلام نبي فاكي من الهند  و د. مشهور عبد الرحمن الحيازي – من فلسطين و (د. فرانشيسكو جابوتي  حسن ) من ايطاليا . وباحثون يزيد عددهم عن الأربعين باحثاً .
وقد تخلل المؤتمر عمليات سماع ليلاً لفرق أعدت لهذا الغرض. وقد قام الباحثون بزيارة زاوية الطريقة الرحمانية وشارك المؤتمرون حلقة الذكر والطقوس الخاصة بالطريقة .
واختتم المؤتمر صباح الجمعة 22/12 بكلمة الاستاذ زعيم خنشلاوي عن المركز وشكر فيها الحضور ودعاهم للمشاركة في العام القادم في مدينة لم يعلن عن اسمها . وألقى الاستاذ د. محمد معتزالسبيني كلمة شكر باسم المشاركين القطر الجزائري الشقيق على كرم الضيافة، وحسن الاستقبال من إدارة الملتقى وبخاصة أ.د. زعيم خنشلاوي على جهوده في إنجاح الملتقى وبقية مساعديه .
وعلى هامش المؤتمر عقدت لقاءات صحفية لعدد من الباحثين المختصين تحدثوا فيها عن هموم التصوف ومن الصحف كانت "النصر الجزائرية" وادناه جانب من لقائهم بالدكتور عبد السلام الحديثي ومجموعه من الباحثين كما وردت في موقع الجريدة اعلاة .

النصر تسأل باحثين ومختصين من مختلف انحاء العالم
الاثنين 24/ ديسمبر/2012
هل أصبحت الصوفية حليفة  للسلطة ؟
عادت الصوفية للواجهة من جديد بعد محاربتها و انتقادها طيلة سنوات من الزمن بالكثير من البلدان العربية و الإسلامية التي تشهد عودة الطرقية بشكل مكثف دفع بالمتتبعين لمسار الطرق في التاريخ الحديث لترجيح فرضية استخدامها سياسيا لمواجهة تحدي صعود الحركات الإسلامية بتجلياتها المختلفة السياسية و العلمية والجهادية .  النصر سألت باحثين من مختلف أنحاء العالم شاركوا في ملتقى احتضنته قسنطينة مؤخرا، عن الاستغلال السياسي للتصوف.

استطلاع: مريم بحشاشي
الاسلام غير العنيف أصبح اليوم حليفا للسلطات اجاب )الباحث الروسي ذو الأصول السورية خالد الرشد(جامعة موسكو خلافا للماضي، عندما كان التصوّف يقود الحركات التحررية في العالم العربي و الإسلامي، يعتبر التصوّف أو الإسلام غير العنيف اليوم  حليفا للسلطات، مثلما حدث في منطقة القوقاز الشمالية لأن الإسلام السياسي حلّ محل التصوّف الذي كان يناهض الامبريالية، و الاستعمار في نهاية الفرن 19و بداية القرن العشرين لماذا؟ لأن أمريكا اليوم حلت محل الإمبراطوريات القديمة و جاءت التيارات الإسلامية المتطرفة كرد على أمريكا الامبريالية فوجدت أوروبا القديمة كفرنسا و بريطانيا... أن النفع من الإسلام المتصوّف اليوم أكثر من الضرر لأنه يرفض العنف، و منطق الإسلام السياسي، و منطق الدولة الإسلامية، و بالتالي إذا لم تحاربه الدولة فهو لا يحاربها، سواء كانت الدولة الروسية أو الجزائرية... و طالما تسمح لهم بممارسة شعائرهم بكل حرية فلا بأس و إن كانت الدولة أساسا كما عندنا بروسيا أرثوذوكسية و ليست إسلامية.
و قد حاولت الدولة القيصرية الروسية مثلا "روسنة" شعب القوقاز بإدخال اللغة الروسية و فرضها لغة رسمية على الجميع و بالتالي إدخال الثقافة الروسية و كانوا يصفون الطرق الصوفية بالمنطق المتخلف البائس الذي  لا بد من إزالته بتعميم الثقافة الروسية، لكن اليوم اختلف الوضع و بات يقال للصوفيين مارسوا شعائركم كما تريدون و هو ما يجعل الناس يظنون بأن الإسلام الصوفي بات حليفا للنظام ، لكن ذلك ليس صحيحا. لأن لا تحارب لا يعني بالضرورة أنك توالي.
هناك من كتبوا بأن أمريكا وراء تشجيع الإسلام الصوفي و استغلال الصوفية لمحاربة التطرّف و السلفية بشكل خاص، لكنني شخصيا اعتبر عبارة استغلال في غير محلها، لأن التصوّف بالأساس ضد التطرّف و يقف ضد الإسلام السياسي، باعتبار الجهاد الأكبر بالنسبة لهم هو جهاد النفس و ليس جهاد السلاح الذي يعتبرونه الجهاد الأصغر، و يقولون بأن هذا الجهاد لا يمارس إلا عندما يكون الدين تحت الخطر، لذلك عانت الصوفية الكثير من قبل تهجمات السلفيين الذين وصلوا إلى حد تكفيرهم، و زندقتهم و يعتبرونهم من عبدة الأوثان و زوار القبور ...لذا هناك صراع داخلي و في أحيان
أخرى مسلّح ، فخلال سنة واحدة قتل اثنان من أكبر رجال الصوفية بالقوقاز الإمام الزعيم سعيد أفندي و الإمام سراج الدين اللذين قتلا باسم الإسلام حيث أهدر دمهما بحجة أنهما يشوّهان الإسلام، انظروا لهذا التطرّف المسلم يقتل آخاه المسلم لأنه يتبع طريقة مختلفة.
و استغلال المنظمات للصوفية ليس بالشكل المبالغ فيه مثلما يعتقد البعض، و لا يشبه ما فعلته أمريكا مع تيارات الإسلامية السلفية لمحاربة الاتحاد السوفياتي سابقا، حيث جعلت من المسلمين أداة داخل منظومة صراعات الحرب الباردة، اليوم عندما تعود الحرب الباردة بين التيارين الكبيرين روسيا، إيران و الصين من جهة و أمريكا و غيرها من الدول من جهة ثانية يتم اللجوء أيضا لورقة الدين  و قد تابعنا ذلك من خلال ما جرى في بعض البلدان العربية كليبيا و ما يجري حاليا بسوريا.و من الطبيعي أن تدعم الأنظمة التيار الصوفي باعتباره تيار معزول عن السياسة و لا يريد أن يقاتل من أجل إقامة إمارة أو دولة إسلامية، و ما نعيشه من عولمة حيث أن الشركات هي التي تحكم العالم اليوم ، و بالتالي المادة هي السيّدة و لا مجال للإسلام السياسي في ظل كل ذلك.
الأنظمة استغلت الصوفيين لأنهم لينون ومعتدلون .
اجاب خليفة شيخ الزاوية الشاذلية بفرنسا محمد فالسون :
يرى ابن الشيخ مصطفى فالسون مؤسس الزاوية الشاذلية بمنطقة ديجون الفرنسية بأن الحديث عن الصوفية كسلاح لمواجهة التطرّف بمعناه المتعارف عليه في وقتنا الراهن، لا يمكن إنكاره،  لأن بوجود الصراعات التي تغذيها  التيارات المتضاربة شجع الأنظمة إلى  اللجوء للصوفية كطرف معتدل، بدل محاربة طائفتين ينتمي كلاهما للدين الإسلامي ، لأن الصوفية في مثل هذه المواقف تبدو كمحاور ليّن مهم لكن هذا لا يعني اعتباره كإسلام لائكي و معزول عن السياسة ، لأن دوره السياسي متجذّر في المجتمعات و يمكن رؤية ذلك في شخص الأمير عبد القادر على سبيل المثال لا الحصر. 
و الصوفية التي حوربت و كانت محل محاولات استئصال كلي لأسباب سياسية أو غيرها استعادت مكانتها بشكل ملفت و مثير للتساؤل حقا في زمننا هذا، غير أنني شخصيا أعتبر تشجيع الأنظمة للصوفية فرضته دوافع كثيرة أهمها البحث عن طرف معتدل، يتمتع بثقة الكثيرين من جهة و كونهم مجبرين لاحترام ما تفرضه الديمقراطية من احترام حرية المعتقد و ممارسة الشعائر الدينية و الطقوس من جهة أخرى.
و استغلال النظام للصوفية يبقى غير مباشر لأنه بتشجيع الصوفيين بالحفاظ على إرثهم تضمن عدم مواجهتهم لأسباب سياسية لها علاقة بالحكم لأن هم هؤلاء الأساسي ينحصر في الروحانيات.
و لعل ما يصنع اعتدال الصوفية حرصهم على الحفاظ على التوازن بين القديم و الحديث باعتمادهم على الكتاب و السنة، و الأمير عبد القادر حافظ على الإرث الديني و كان له بعد نظر و اهتم بكل ما هو حديث في عصره.
و قد طالت الصوفية كل أنواع الاتهامات و السبب لا يرجع لا للدين و لا للثقافة و إنما للأشخاص الذين يستغلون كل شيء للوصول لغاياتهم تماما مثلما تفعل الأحزاب السياسية. و الصوفية كان محور تعاون للبعض و مقاومة للبعض الآخر.

الحكام والساسة  يلجأون للشيوخ  طلبا للحكمة
اجاب رئيس مؤسسة الأمير عبد القادر محمد بوطالب : أظن أن من يروّجون لفرضية استغلال السياسة للدين لا يعرفون عن الصوفية شيئا. لأن الصوفية كانت و ستبقى مناوئة للظلم و العنف سواء كان خارجيا أو داخليا. و لجوء الساسة و الحكام لشيوخ الصوفية في رأيي أمر عادي لما يتمتع به هؤلاء من حكمة و مكانة في أوساط الأهالي الذين يثقون كثيرا في مواقفهم.
و نحن بحفاظنا على طريقة الشيخ عبد القادر الجيلاني خاتم الأولياء و الصالحين نحافظ على أسمى المبادئ المحترمة للإنسانية و تحاور أو تعايش الأديان و نبذ العنف و العصبية و التطرّف، و نحافظ على الهوية الوطنية التي لولا الصوفية ما بقيت اللغة و لا الثقافة الوطنية و لا حتى الدين لأنها أهم الركائز التي استهدفها الاستعمار منذ البداية.
و اليوم و قد استعادت الصوفية مكانتها بالمجتمع الجزائري و عادت الزوايا لأداء دورها الفعال في تربية و تعليم و ترسيخ معالم الدين و الثقافة، و لابد من تشجيع ذلك و الابتعاد عن رؤية الجانب السوداوي و السلبي لبعض الطرقية لأن الروحانيات أساس التصوّف و لا مكان للممارسات الجاهلية التي كانت محل نقد و جدل كبير طيلة سنوات طويلة، و حتى العصر لم يعد يسمح أو يشجع على ممارسة ما كان يمارس ببعض الزوايا في زمن مضى من طقوس لا تمت بصلة بالطريقة الصوفية المستمدة من السنة المحمدية .
و في الواقع ما ارتبط بالزوايا من إشاعات بخصوص ممارسة الطقوس روجته بشكل خاص فرنسا الاستعمارية و قد حاربهم الشيخ ابن باديس لإدراكه بخطورة ذلك. و اليوم فإن عودة الزوايا لا يعني عودة الطقوس و الاحتفالات خاوية المغزى و إنما الحفاظ على الإسلام الحقيقي البعيد عن العصبية و التطرّف.

الذين ينحازون للساسة ليسوا بمتصوفة
اجاب الدكتور عبد السلام بديوي يوسف الجنابي (جامعة العلوم الإنسانية بالسليمانية- العراق ) : التصوّف كمذهب لم يخضع أبدا للسياسة، أما إذا كان هناك من المتصوّفين من ينحاز إلى طرف سياسي أو ذاك فهو ليس من أهل التصوّف.
لكن مسألة استغلال التصوّف في السياسة، لابد من التوضيح بأن التصوّف لا يدخل تحت عباءة أحد ، لا الطائفية و لا القومية و لا العرقية و هذا ما تشهده  كل الدول الإسلامية والعربية بما فيها العراق الذي رغم الفتنة الكبيرة التي حدثت والذي لا زال طيفها يخيّم عليه حتى اليوم، لم يدخل التصوّف كطرف في الصراع مع أي جهة كانت، و بقي خطه مستقيما ، أما مدى استغلال الأنظمة للتصوّف سياسيا ، فأرى أنه مبالغ فيه لأن الأنظمة قد تكون قد لجأت للتصوّف للتصدي للتيارات الطائفية المتطرّفة، و هذا شأنهم و ليس شأن التصوّف لأنه يسير على خط مستقيم، فكان أول من وقف في وجه الغزو الخارجي سواء في الجزائر أو العراق أو...غيرها من الدول دون الدخول في مزايدات، و لا تزال نزعته التحررية مستمرة  إلى يومنا هذا بمواجهته للتطرف لأنه يؤمن بالوسطية.
و فيما يخص الانتقادات التي طالت الصوفية فكانت بسبب ما ألصق بها من ممارسات و طقوس يرفضها المتعلم و المتديّن لأنها توحي بالجاهلية، فهي راجعة للطرقية التي يبقى لكل منها مشربها و ليس من اللائق ظلم الطرق الصوفية الحقيقية التي تبقى السنة الحميدة مشربها الأساسي.
التصوّف ليس تخلفا بل هو نظرة للمستقبل، و عمل و اجتهاد لأجل نيل الأفضل في الآخرة بكل صدق و ليس كمن يدعون ابتغاء الآخرة و يقتلون الأطفال و الأبرياء و العزل و الشيوخ و...
و أنا كعراقي أقول عانينا كثيرا من الغلاة في كل المذاهب الذين قتلوا الفقراء و الأبرياء بادعاءات باطلة حتى المتصوّف الذي يقول ياهو يقتل لذلك، أو شاب يستباح دمه لا لشيء سوى لأن شعره طويل، و الجزائريون مثلنا عانوا الكثير باسم الدين.

أهل التصوف أهل العدل  ولا يقبلون الانحياز لطرف سياسي أو طائفة
اجاب الباحث التركي محمد فاضل جيلان (مؤسس مركز الجيلاني للبحوث العلمية و النشر و التوزيع باسطنبول ) :
يرى الحفيد الثالث و العشرون للشيخ عبد القادر الجيلاني الذي يعكف على إعادة إصدار و طباعة كتب جده الثمانية و العشرين، أن الملتقيات الدولية الخاصة بمذهب أهل التصوّف تساهم بشكل كبير في عودة مكانة التصوّف إلى المجتمعات العربية و الإسلامية التي عرفت محاربة الطرقية طيلة سنوات باسم محاربة الجهل. و أضاف بأنه لا يشارك القائلين باستغلال الأنظمة للتصوّف سياسيا الرأي، باعتبار أهل التصوّف أهل عدل، و لا يقبلون على أنفسهم الانحياز لأي طرف كان سياسي أو طائفي.
لأن المتصوّف وهب نفسه للخالق و لبلوغ رضا الله فهو يخدم البشرية لكن إذا وهب الأمر لغير أهله فالنتيجة طبعا ستكون غير مرضية و قد يقع من ينسب إلى التصوّف خطأ في يد المستغلين سواء كانوا سياسيين أو غير ذلك.
و منذ عهد عبد القادر الجيلاني أو بعده فإن كل المتصوّفين جاءوا لنشر العدالة على وجه الأرض، و كل ذلك بفضل حضارة الإسلام التي يريدنا البعض أن نتخلى عنها و نستعمل مصطلحات جديدة كالديمقراطية التي لم تأتي بجديد عن العدالة لأنها راسخة في ديننا.
و هناك بعض الأفكار القادمة من الخليج و التي تشكل خطرا على المسلمين و المتصوفين خاصة و لا تخدم المسلمين بقدر ما تخدم اليهود و النصارى، لأنها تدعي أن ذلك من البدع و هو ما اعتبره افتراء على الصوفية أتباع رسول الله عليه الصلاة و السلام.

الباحث السوري بكري علاء الدين(أستاذ بجامعة دمشق) :
اجاب الحكام استغلوا شيوخ الطرق للوصول إلى قلوب المريدين : انتبه الصوفية لمشكلة الحرية فرفضوا المعاني السياسية و الفلسفية و المعاني الشعبية السائدة و التفتوا للعبادات التي كان الغرض منها التحقق بالحرية للوصول لرضا الله، فكان رفض العبودية إلا لله سبحانه و تعالى و ليس لمخلوقاته، و بات للحرية معنى اصطلاحي يميزه كمقام عن الأحوال، لأنه كما يقول الصوفية المقامات مكاسب و الأحوال مواهب، الشيء الذي جعل الصوفية يبتعدون عن السياسة لاقتناعهم بأن السلطة فيها مفسدة و الأمثلة كثيرة عن كبار الصوفية الذين رفضوا السلطة. و في المقابل كانت بعض الطرق تتمتع بنفوذ كبير لا سيما في العهد العثماني، كما كان هناك تحالف كبير مع السلطة رغم المسؤولية التي تلقى على الصوفية و اتهامها بتسببها في تخلف المجتمع و التي كان لها جانب محق نسبيا بالنظر لبعض الطرق التي خرجت عن المغزى الحقيقي للصوفية الذي هو الارتقاء بالروح البشرية و إعتاقها من سيطرة الماديات التي تحوّلها إلى عبد لها. لكن لا يحق جعل الصوفية مشجاب تعلّق عليه مشاكل المجتمع. لكن الملوك هم من كانوا يلجأون لشيوخ الطرق للنفوذ إلى قلوب المريدين و الموالين للصوفية على كثرتهم حينها ، و بالتالي كان السلطان في حاجة للصوفية أكثر مما كانت الصوفية في حاجة إليه و الأمور لم تتغيّر اليوم أيضا فالسلطة و السياسيين يلجأون للصوفية لمواجهة التيارات المتطرفة لتأكدهم من عدم منافستهم على السلطة عكس البقية.

رغبة الساسة في محاربة التطرف وضعتهم أمام المتصوفة
اجابت الباحثة الكندية ذات الأصول السنغالية آوا بوكار لي تال جامعة أوتاوا كندا
: الكل يعرف أن هناك عداوة كبيرة ضد الإسلام في العالم و الذي كان الرئيس السابق جورج بوش طرفا مهما في تأجيجه مثلما كان طرفا في اندلاع حروب دامية قامت لحجج واهية لا أساس لها من الصحة أهمها حيازة بعض البلدان للأسلحة النووية في الوقت الذي يملك هو أسلحة مدمرة لشعبه و لكل شعوب العالم و التي ورث مشاكلها للرئيس أوباما. و باعتبار التصوّف لا يتجزأ عن الدين الإسلامي فإنه خضع و عانى من الحقد و تمت محاربته . و قد يكون للمسلمين أنفسهم دور مهم في ذلك لأنهم تعوّدوا على انتقاد و إبراز النقاط السلبية في كل ما يخص معتقداتهم، وهذه النظرة التشاؤمية شجعت مستغلي الفرص على استغلال الصوفية التي هي اليوم تغزو العالم بكل أقطابه و نحن بحديثنا عن الصوفية نعني الإسلام الذي بات يقلق الغرب لما يسجلونه من انتشار سريع لهذه الديانة التي نجحت في استقطاب اهتمام و قلوب المثقفين و الأميين و حتى المنحرفين الذين يتعاطون المخدرات ممن تمكنوا بفضل اعتناقهم للإسلام من التخلص من معاناتهم للأبد، و عليه تبقى الصوفية جزء مهم في نشر تعاليم الإسلام مهما تنوّعت الطرقية و الطقوس و العادات المتبعة حسب كل دولة أو مجتمع.
و هناك أبحاث كثيرة تحضر حاليا بكندا حول علاقة الغرب بالصوفية و الإسلام و هو ما يؤكد مكانة الصوفية ليس في العالم الإسلامي فحسب بل حتى بالخارج، و عليه فأنا شخصيا أرى بأن الاستغلال للصوفية يظهر فكريا و علميا أكثر منه سياسيا لأن السياسيين يدركون جيّدا غاية المتصوّف و التي هي أساسا بعيدة عن السياسة و إغراءات الدنيا، و كل ما يحدث اليوم هو التقاء الأفكار بخصوص الرغبة في محاربة التطرّف بكل أشكاله.

السماح لها اليوم بممارسة ما حرمت منه سابقا يطرح تساؤلات

اجاب الأستاذ صالح شكاك (جامعة القنيطرة المغرب ) : السماح للصوفية بممارسة ما حرمت منه و حوربت لأجله طيلة سنوات و في زمن طغت عليه الماديات يبعث على التساؤل خاصة بعد كثرة الجدال في الغرب بخصوص مدى أهمية الصوفية في محاربة التطرّف، غير أن هذا يحملنا للنظر للموضوع من شقين، الأول الرغبة في استعادة القيم النبيلة في ظل المد العولمي و الذي من تابعياته السلبية هدم هذه القيم التي تحافظ على الأسرة و الدين. أما الشق الثاني فيخص التفكير في قطع الطريق على التيارات المتطرّفة التي أساءت لبلدانها أكثر من غيرها من البلدان الغربية التي استغلت ذلك لصالحها. و عليه فإن استغلال التصوّف سياسيا ليس بالغريب و لا بالجديد لأن الزاوية كانت دائما ملجأ الحكام لفض النزاعات أو امتصاص الغضب لما تتمتع به هذه الأخيرة من مكانة في نفوس الأوفياء البسطاء و المثقفين و مختلف الفئات، و لا يتعدى الأمر الاستعانة بها لإيجاد الحلول و ليس لإدخالها كطرف سياسي هدفه السلطة أو مساعدة البعض على اعتلاء سدة الحكم لأن هم المتصوّف الأول و الأخير الاستقرار و العدالة الاجتماعية.

استغلالها كان مدنيا وليس سياسيا
اجاب الباحث الهندي غلام نبي خاكي (مركز أسيا الوسطى للدراسات بجامعة كشمير )
: قد يكون استغلال الأنظمة للصوفية استغلالا مدنيا أكثر منه سياسيا لما هو معروف عن الصوفية منذ القدم من اجتهاد جبار في نشر السلام و التعايش و التآخي و التلاؤم بين الطوائف، و بالأخص في زمننا هذا الذي يشهد استقطابا طائفيا و عدائيا واسعا، يهدد استقرار بلدان العالم الإسلامي. و لأن الصوفية تصنع التوازن في ظل كل هذه الصراعات  تبدو كالعائد من بعيد مع أنها لم تختف أبدا، بل استمرت كما كانت دائما تعمل في الظل بعيدا عن الأضواء عكس التيارات الأخرى، لأنها تعمل بمبدأ لا تقابل السيئ بالسيئ عملا بكلام الله عز و جل "إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ" و بنصيحة رسول الله عليه الصلاة و السلام "فالحسنة تمحو السيئة أو " وأتبع السيئة الحسنة تمحها".
و ظروف الوقت الراهن تحتاج أكثر من أي وقت مضى من يحث على التعايش بين الأديان و الطوائف و هو ما نجده عند الصوفية في كل مكان، فمثلا بالهند يقول بعض الصوفية الكشامرة"مثل المسلمين و الهندوس كمثل مزيج الحليب و السكر"إشارة إلى بحث كلاهما  عن حقيقة واحدة حتى لو كانت مناهجهم المختلفة.
و الصوفية تستمد قوتها من اعتدالها و عدم رفضها الآخر، مما يجعلها غير قابلة للاستغلال لا من الأطراف الداخلية أو الخارجية مثلما يحدث مع التيارات و الطوائف الإسلامية التي تحوّلت إلى ورقة يلجأ إليها الغرب كلما أراد ذلك، مثلما يحدث مع طالبان أفغانستان.
و قد حاولت من خلال مداخلتي التي قدمتها في ملتقى قسنطينة إبراز دور الصوفية و معاهدهم في إدخال روح المدنية و الوئام الثقافي و الحضاري عبر التاريخ و الذي اعتبره دورا جبارا من المنظور العملي و الإنساني، و الأمثلة كثيرة عن مواقف كبار الصوفية في منع الاعتداء على حقوق الآخر مثلما فعل على سبيل المثال الملا عبد الحكيم الذي أفتى بعدم جواز هدم معبد للهندوس من أجل بناء مسجد أو العكس حثا على احترام العقائد و الديانات و دعوة للتعايش السلمي.
و مكانة الصوفية ستتضاعف أكثر فأكثر، لأن الناس ملوا قساوة و جفاء زمن الماديات و خواء الروح و سيبحثون عن السلم الداخلي.

ملاحظة: نقلنا اللقاءات كما نشرت من صحيفة النصر نصا.