موقع الطريقة العلية القادرية الكسنزانية

حياة وأفكار شيخ التصوف العراقي..( الشيخ عبد القادر الكيلاني )

عشتار البرزنجي ـ فنلندا
بينما بدء الأنحطاط يعم الحضارة العراقية العباسية (العربية الاسلامية)،  وقبل سقوط بغداد على يد المغول بأكثر من قرن،  ولد الشيخ عبد القادر الگيلاني عام  (470هـ،1077م) وتوفي عام (561هـ، 1165م).  عاش وتربى وتلقى العلوم المختلفة في بغداد حتى برع فيها،  ولكنه ينسب الى اصل عائلته القادمة من  (كيلان)  جنوب بحر قزوين.   انتشرت سُمْعته في سنّ متأخرة،  جاوز فيها الثالثة والخمسين.  حيث نسبت إليه الطريقة القادرية الصوفية.  علما انه كان شيخ حنابلة بغداد في زمانه بلا منازع،  بل وشيخ الشافعية،  إذ كان الشافعية يحضرون مجلسه،  ويسمونه الشافعي الثاني. لقد كان هذا الرجل أشبه بمدرسة في فكره ونظريته وشموله ومنهجه.  ولقد استطاع أن يجمع بين مدارس متعددة.  
يعتبر الانفتاح على الآخر والتسامح مع المختلف،  من اهم خواص فكره وسلوكه وعقيدته،  وهذا هو سر انجذاب الناس اليه منذ قرون طويلة، وانتشار (الطريقة القادرية) من بغداد الى جميع انحاء العالم الاسلامي.  رغم قربه من الحنبلية الا انه كان على حوار ايجابي دائم مع شيوخ المذهب الشيعي الجعفري، وعلى علاقات طيبة مع الكثير من شيوخ النصارى واليهود والصابئة. 
وقد تميز الشيخ عبد القادر برفضه للنفاق والرياء الذي كان سائدآ بين رجال الدين في عصره. وقد عانى بنفسه من مواقف العنت والنفاق،  التي عاش منها شيخه ابن عقيل،  وانتهت به القناعات إلى أن الخيبة كبيرة بهؤلاء الفقهاء والعلماء،  ولا ينبغي أن يعول على غير الله،  ولقد وصفهم الشيخ عبد القادر بأنهم،  يمنعون الناس عن الله،  وأنهم يتكسبون بدينهم لإرضاء الأمراء والمنافقين. 
واعتمد الشيخ عبد القادر نفس المنهج  (الانسحاب والعودة) ،  أي الاعتكاف بين حين وآخر على الذات من اجل التمكن من مراجعة النفس وتطهيرها من ادران الحياة اليومية، من مغريات ومشاعر سلبية مثل الغضب والحزن والغيرة وغيرها. بعد اعتكاف طويل، جلس بعده للتدريس والوعظ.  لقد بدأ برجلين وثلاثة،  ثمّ صار مجلسه يضمّ العدد الكبير. واعتمد الشيخ الجيلاني على أمرين،  الأول التعليم المنتظم،  والتربية الروحية المتصلة.  والثاني الوعظ والدعوة بين الجماهير. 
وصف ابن قدامة حاله فقال : " دخلنا بغداد سنة إحدى وستين وخمسمائة،  فإذا بالشيخ عبد القادر انتهت إليه الرئاسة بها علماً وعملاً وحالاً واستفتاءً،  وكان يكفي طالب العلم عن قصد غيره،  من كثرة ما اجتمع فيه من العلوم والصبر على المشتغلين وسعة الصدر،  وكان مليء العين،  وجمع الله فيه أوصافاً جميلة،  وأحوالاً غزيرة وما رأيت بعد مثله ".       
كان يعتزّ بمهنة التدريس،  ويعتبرها أشرف منقبة وأجل مرتبة،  وأن العالم محبوب من أهل الأرض،  وأنه سيميَّز يوم القيامة عمن سواه،  ويعطى درجات أسمى من غيره. 
ولقد وضع الشيخ الجيلاني نظاماً تربوياً ومنهجاً،  يستهدف إعداد الطلبة علمياً وروحياً،  واجتماعياً،  ويتحدد هذا الإعداد بحسب سن الطالب وحاله،  فإن كان ممن يقصدون تصحيح العبادة كالكبار من الناس والعامة،  درّسه الشيخ عقيدة السنة،  وفقه العبادات،  وتستدعي هذه الدراسة إعداد النابهين منهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.  أما إن كان الدارس طالباً من طلبة المدرسة،  فإنه يتلقى إعداداً أوسع،  يتضمن ثلاثة عشر علماً مشتملاً على التفسير والحديث،  والفقه الحنبلي،  والخلاف والأصول،  والنحو والقراءات،  بالإضافة إلى ما سبق،  ويستبعد علم الكلام والفلسفة وينهى عنها. 
وركّز الإمام في  تربيته الروحية على تنقية الطالب، حتى يصبح صفاء بلا كدر،  ويصير مع النبي صلى الله تعالى عليه و سلم،  في عقله ومشاعره،  وحتى يصل إلى ذلك فلا بد له من أمور : 
1.أن لا يحلف بالله عز و جل صادقاً ولا كاذباً ولا عامداً ولا ساهياً. 
2.أن يجتنب الكذب هازلاً أو جاداً. 
3.أن يفي بما يعد. 
4.أن يجتنب لعن شيء من الخلق. 
5.أن لا يشهد على أحد من أهل القبلة بشرك أو كفر أو نفاق. 
6.أن يجتنب النظر إلى المعاصي وكفّ الجوارح عنها. 
7.أن يجتنب الاعتماد على الخلق في حاجة صغرت أو كبرت. 
8.أن يقطع طمعه من الآدميين،  فذاك الغنى الخالص،  والعزّ الأكبر. 
9.التواضع وبه تعلو منزلة العبد. 
وركز الشيخ الجيلاني على الحب الأجتماعي بين الطلبة والآداب النبوية في اللباس والنوم والدخول والخروج والزينة والجلوس،  وعلى أن يصحب الطلاب بعضهم بعضاً بالإيثار والصفح والخدمة،  والألفة،  وتلمس الأعذار،  وعدم الحقد والإيذاء،  وكان شديد الحماسة في موعظته وغيرته على الدين. 
وكان شديد الحملة على الذين يتاجرون بالدين،  ويساهمون في ارتكاب المحظورات : " ويرى أنهم أحقُّ بالتوبة من العوام،  و أحقّ بالاعتراف بالذنوب ". 
"  اللهم اكسر شوكة  المنافقين،  واقمع الظالمين،  وطهر الأرض منهم أو أصلحهم آمين " 
" دع عنك الكلام في مالا يعنيك،  اترك التعصب في المذهب واشتغل بشيء ينفعك في الدنيا والآخرة ".
" صارت الرؤساء لكثير من الناس آلهة،  وقد صارت الدنيا والغنى والعافية،  والحول والقوة آلهة.  وَيْحَكُمْ ! جعلتم الفرع أصلاً والمرزوق رازقاً،  إذا عظمت جبابرة الدنيا،  ونسيت الله ولم تعظمه فحكمك من عبدة الأصنام، ملائكتكم تتعجب من وقاحتكم من كثرة كذبكم في أحوالكم،  تتعجب من كذبكم في توحيدكم،  كل حديثكم في الغلاء والرخص،  وأحوال السلاطين والأغنياء،  أكل فلان … لبس فلان …   توبوا واتركوا ذنوبكم وارجعوا إلى ربكم دون غيره".
 وكان من أبرز أسباب قوة منهجه ما حرص عليه من تنمية أسباب الوفاق والتآلف بين جماعات المسلمين،  وتجميع جهودهم لمواجهة التحديات القائمة.  فانفتح على المذاهب الأخرى،  وأصحاب النووي من الشافعية،  والحنابلة.  وركّز الجيلاني على تعاليم ذكرها في نقاط كمنهج له :ـ 
التوحيد ـ القضاء والقدرـ الإيمان ـ النبوة والأنبياء ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ منزلة الدنيا والآخرة. 
 وكان للمذهب الجيلاني اثر كبير في قيام الدولة الزنكية التركمانية العراقية في الموصل، واعتمادها في سياستها منهج الإصلاح والتجديد للأفكار التي ذكرها الجيلاني في كتبه.

المصدر : http://www.mesopotamia4374.com/adad7/9.htm